يتحفنا الإعلام العربي والغربي المعادي لسوريا من حين لآخر بتصريحات وإعلانات مذهلة ليست سوى جزء من حرب البروباغندا القائمة منذ سنوات. فواكب هذا الإعلام مثلاً ظهور تنظيم داعش الإرهابي في صيف 2014 بحملة مبالغة على أنّه «ألغى خريطة سايكس بيكو». وهو كلام كشفت الأيام أنّه ينتمي إلى الكوميديا الهزلية أكثر منه إلى علم الاستراتيجيا. وهناك تصريح تافه لمايكل هايدن، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية في مقابلة مع محطة CNN عربية في 26 شباط 2016، يقول فيه إنّ «الذي نراه هو... انهيار في الحدود التي تم ترسيمها في معاهدات فرساي وسايكس بيكو». ويضيف: «ويمكنني القول بأنّ سوريا لم تعد موجودة والعراق لم يعد موجوداً ولن يعود كلاهما أبداً، ولبنان يفقد الترابط وليبيا ذهبت منذ مدة». وأقل ما يمكن قوله في تصريحات كهذه انّها هراء من بنات خيال هوليودي خصب كما سنبيّن في هذه المقالة.
فسوريا والعراق دولتان موجودتان، ولبنان بخير نسبياً، كما ليس ثمّة دلائل بأنّ ليبيا قد «ذهبت». وثمّة فرق بين ما يتمناه الإعلام المعادي وما هي الحقيقة على الأرض.

هل هناك سايكس بيكو جديد؟

أهداف الحرب الحالية على سوريا هي أولاً القضاء على سوريا كنموذج نادر من الدول التي تحافظ على سيادتها الوطنية في زمن العولمة الجارف والنيوليبرالية الزاحفة. وثانياً القضاء على سوريا آخر معاقل العروبة العلمانية الأفضل إشراقاً في تاريخ العرب المعاصر. وثالثاً حسم الصراع العربي الإسرائيلي لمصلحة إسرائيل وإنهاء القضية الفلسطينية. ورابعاً، شقلبة خرائط سايكس بيكو التي قسّمت المنطقة عام 1916.
ولكن السؤال هنا هو: هل ترقى جهود أميركا وحلفائها في سوريا والعراق إلى مستوى تغيير خرائط وإسقاط دول؟

ثمّة
حقائق تاريخية تظهر
أنّ
الاستعمار ليس
قدراً لا يردّ

ثمّة أموال طائلة أنفقت لضرب سوريا منذ 2005 وتُحسب بمئات المليارات. وبعض هذه الأموال أنفق لشراء ذمم سوريين في ائتلافات ومجالس خارجية قدّمت مدافع إعلامية يومية لا غير، عبر فضائيات وصحافة وإذاعة، للدسّ والتحريض ضد سوريا. ومعها مئات وسائل الإعلام العربية والأجنبية تضخ ضد سوريا، وتصريحات دائمة لزعماء عرب وغربيين عن ضرورة تنحّي الرئيس السوري واحتمال تقسيم سوريا و«صعوبة» إنهاء تنظيم «داعش» (لأنّه وليدهم)، الخ.
المجموعات المسلحة والحملات الدبلوماسية والإعلامية هي كلّها وسائل حرب، لكنّها غير كافية لتغيير خرائط، بل تشبه كثيراً محاولة إسرائيل «تغيير وجه المنطقة» عام 1982 بمجرّد اجتياحها للبنان، ليتبيّن لها ضخامة هدفها وضآلة ما وظّفته من إمكانات عسكرية وإعلامية ودبلوماسية. وغني عن القول إنّ المشروع الإسرائيلي فشل بعد شهرين من انطلاقه، بدءاً من تراجع إسرائيل عن بيروت في أيلول 1982 ثم بعودة المقاومة الفلسطينية واللبنانية بدعم سوري إلى ضاحية بيروت في أيلول 1983. ومنذ ذلك الوقت، أثبت لبنان الصغير مرّة بعد مرّة مناعته تجاه إسرائيل ومَن وراءها من عرب وغربيين، كما كان عصيّاً على التقسيم رغم 15 عاماً من الحرب على أرضه. فإذا كانت هذه تجربة لبنان، فكيف بسوريا القويّة وتحالفاتها الإقليمية والدولية؟

الهدنة خدعة حرب

تباكى المعسكر المعادي لسوريا على مصير منطقة حلب بعد الإنجازات التي حقّقها الجيش السوري وحلفاؤه هناك، كما تباكى عام 2012 خلال معركة مدينة حمص. ولئن كانت معركة حلب حاسمة للحرب، فثمّة «يوفوريا» تريد إبطاء عجلة الجيش السوري عبر جزرة وقف القتال والعودة إلى جنيف. ونمطية الكرّ والفرّ هذه رسمت الحرب السورية منذ 2013، وباتت معروفة ومتوقعة: يرسل أعداء سوريا جحافل طازجة كل عام بعد تسليحها وتدريبها ــ من «جيش حر» ثم «جبهة نصرة» ثم «داعش» ــ فتهزم سوريا وحلفاؤها الموجة الأولى فيُكثر الأعداء الكلام المعسول عن حل سلمي وعن تهدئة وما إلى هنالك ويقبلون عقد الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات في جنيف وميونيخ. ثم يتبيّن لاحقاً أنّها فترة استراحة تفصل سوريا عن هجوم عسكري جديد يحضرون له ويرسلون جحافل جديدة، وعندها يتراجعون عن الكلام السلمي ويعودون إلى منطق الحرب وضرورة تنحي الرئيس السوري وتسليم البلاد للجحافل القاتلة.
وقرار مجلس الأمن 2268 بوقف القتال في 27 شباط 2016 هو فصل من هذا السياق الكاذب: هو هدنة لأعداء سوريا لالتقاط أنفاسهم ولتحضير مجموعات جديدة، جاء في وقت كاد الجيش السوري وحلفاؤه يصلون الحدود التركية ويقفلون مصدر الشرور. وتهيّئ الإدارة الأميركية بصراحة للخطوة التالية من العدوان، إذ أرفقت قرار مجلس الأمن بتصريحات مريبة وسلبية أنّ عدم نجاح وقف القتال سيجعل أميركا تتخذ خطوات بديلة. وهذه رسالة إلى جحافل الغزاة ووراءها تركيا والسعودية، أن تبذل جهدها لإفشال القرار الأممي على الأرض تمهيداً لمرحلة جديدة.
سوريا 2016 ليست سوريا 1916
في المواجهة السورية الإسرائيلية في لبنان من نيسان 1981 إلى شباط 1984 اكتشف الرئيس السوري حافظ الأسد بعداً استراتيجياً عزّز مناعة سوريا حتى اليوم، ذكره بالتفصيل لكاتب مذكراته باتريك سيل: «أنّه يمكن لدولة صغيرة من دول العالم الثالث كسوريا أن تصمد بوجه الولايات المتحدة وتنتصر».
ذلك أنّ قوات الحلف الأطلسي والجيش الإسرائيلي كانوا في لبنان عام 1982 تواجههم سوريا وحيدة إلى جانب فصائل فلسطينية ولبنانية صغيرة. وما حدث أنّ سوريا صمدت في البقاع ودعمت هذه الفصائل في بيروت والجبل حتى دفعت أميركا إلى الفرار من لبنان وأجبرت الرئيس أمين الجميّل على أن يحضر صاغراً إلى دمشق في شباط 1984 ويلغي اتفاق 17 أيار مع إسرائيل. وسوريا بعد مواجهة إسرائيل في لبنان باتت أقوى بكثير ودولة محورية إقليمية يحسب لها ألف حساب. واليوم صمدت خمس سنوات من الحرب الكونية عليها، فبقي الرئيس بشار الأسد وبقيت دولتها وحكومتها وأجهزتها وجيشها وجهازها الدبلوماسي وبرامجها الاجتماعية وحضورها العربي والدولي. وليس من المنطق مطلقاً الكلام عن تغيير خريطة اتفاق سايكس بيكو وعن تقسيم سوريا.
نعم، كان زمن الحرب العالمية الأولى مناسباً لمعاهدة سايكس بيكو (عام 1916) التي قسّمت سوريا عام 1920. ولكن ثمّة حقائق عن تلك الأيام تظهر أنّ الاستعمار ليس قدراً لا يردّ. ففرنسا آنذاك جزّأت منطقة نفوذها إلى ستة أقاليم: دويلة درزية في الجنوب ودويلة علوية على الساحل ودولة لبنان الكبير بأغلبية مسيحية، ودويلة سنيّة في الشمال (حلب) ودويلة سنيّة في الوسط (دمشق) ومنطقة نفوذ اقتصادي في الجزيرة (القامشلي) ولواء في الإسكندرون وأعطت كيليكيا لتركيا. ولكن الشعب السوري رفض التجزئة فانتفض وخاض ثورة كبرى في العشرينيات انطلقت من «الدويلة الدرزية» ودامت بضعة أعوام ومنعت فرنسا بالقوة من تنفيذ مشروعها حتى أنهت الدويلات وولدت جمهورية سورية موحّدة إلى جانب الجمهورية اللبنانية. الحقيقة كانت أنّ شعباً اعتبرته فرنسا مغلوباً على أمره لأنّه خارج من 400 عام من الحكم التركي ولا حول ولا قوة له، منع تنفيذ مؤامرة سايكس بيكو إلى حد كبير.

لن ينجح سايكس بيكو جديد

على أعداء سوريا أن يراجعوا كتب التاريخ ليعرفوا أنّ فرنسا في عشرينيات القرن العشرين احتاجت إلى مئات آلاف الجنود (بدأت بـ 160 ألف جندي ووصلت إلى 300 ألف) واستثمارات ضخمة لتثبيت احتلالها وتنفيذ سايكس بيكو في سوريا الضعيفة التي لم يزد عدد سكانها على بضعة ملايين. ولذلك، فالأكيد أنّ إعادة رسم الخرائط اليوم لا يعدو كونه أضغاث أحلام. فسوريا اليوم دولة مركزية ــ رغم أزمتها ــ وجيشها منتشر في كل أنحائها وحكومتها نشطة وأسلحتها استراتيجية وجاهزة.
وثانياً، أثبتت الحرب السورية بهتان حدود سايكس بيكو لمصلحة سوريا. فكان من الطبيعي أن يقف إلى جانب سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، في وجه سلسلة من الأعداء ــ تركيا وإسرائيل وممالك النفط جنوباً. وهذا العمق الجغرافي يمكّنها لو احتاج الأمر من رفد الساحات بمئات ألوف الجنود والمقاتلين لمواجهة أي غزو أجنبي شبيه بغزو العراق. وإنّها لمفارقة أن لا يجد أعداء سوريا قوات محلية أصيلة من شعوب العراق ولبنان وفلسطين لضرب سوريا فيستجلبون مرتزقة عرباً وأجانب من 80 دولة.
وثالثاً، سوريا تتمتّع دوليّاً بدعم روسيا وإيران، وهو ما لم يكن متوفراً للعراق عام 2003، والأكيد لم يكن متوفراً لبلاد الشام عام 1918.
إنّ أي مسّ بخرائط المشرق العربي لا يحتاج إلى أقل من حرب عالمية وحضور عسكري دائم لقوى كبرى. وهو غير متوفّر أو لا يلوح في الأفق، ولا تستطيع أي دولة إقليمية أو مجموعة دول إقليمية تطبيقه. ويبقى الحراك الأميركي وحده إذا قرّر أن يرسل قوة عسكرية يجب أن تكون أضخم بكثير مما أرسله إلى العراق، لا أن يدير حرباً بالوكالة عبر قطر وتركيا وإسرائيل والسعودية. وأميركا ليست فاعلة هذا، فهي منذ نيسان 2009 أعلنت بلسان رئيسها الجديد باراك أوباما أنّ زمن خوض أميركا حروباً بجنودها مباشرة على الأرض قد انتهى. وهي تحاول تطبيق سياستها بالدبلوماسية وبليّ ذراع حلفائها الأوروبيين والعرب والآسيويين لتنفيذ مآربها.
الحرب خدعة، وحرب سوريا ليست استثناءً، وإحدى خدع الحرب ادّعاء العدو الجنوح نحو التهدئة والسلم، بينما تكون النيات أكثر شرّاً بالنسبة إلى المرحلة المقبلة من سابقتها. وربّما كانت المرحلة المقبلة المزيد من المعارك، إلا أنّها لن ترقى إلى مستوى تغيير خرائط. ولذلك، يأملُ كثيرون أن تعود إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2017 إدارة مغامِرة تجدّد زمن الحملات الكبرى.
* أستاذ جامعي