في 20 آب عام 2012، دخل المسلحون بعض أحياء حلب الشرقية، الأحياء الفقيرة، ونطاق حلب العشوائي. تمترسوا بين بيوت الناس الفقراء والطبقات المستورة واستوطنوا المدارس والمستوصفات والبلديات والمساجد وأغلقوا الشوارع وأعلنوا التحرير وإسقاط النظام.
لم تكد تبدأ المواجهة التي استعد لها الجيش السوري حتى حصلت موجات نزوح كبيرة من حلب، جاوزت في أيام قليلة نصف مليون نازح انتقلوا إلى الجهة الغربية من المدينة، الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية. البعض سكن بيوت أقاربه وافترش الحدائق والدوارات والمحلقات. وبعضهم الآخر نزح إلى مدن الساحل السوري ووصل إلى أماكن لجوء ونزوح بعيدة.
إنّ ثورة تبدأ خطواتها بأن تكون سبباً مباشراً لتهجير أكثر من نصف مليون إنسان في أيام قليلة وخراب بيوتهم ومحالهم التجارية واستباحة دمائهم وأرزاقهم وأعراضهم من مدينة واحدة، هي ثورة مشبوهة منذ أول يوم خلعت فيه سلميتها وارتدت ثيابها المسلحة وتزنرت بحزامها الناسف وأعلنت خطابها الطائفي الإقصائي المتطرف، كأنها تطالب بشعارات تستثني منها قطاعات واسعة من الشعب السوري. يمثل ذلك حكماً ظاهرياً على ما يُسمّى «ثورة سورية»، مع استبعاد كلّ المظاهر الواسمة لها وتثبيت تبعيتها وخضوعها لرغبات أعداء سوريا في الإقليم والعالم والتلاعب بمصير الكيان السوري عبر الفتنة والمقامرة بالحرب المذهبية والطائفية. وهي باتت السيناريو الأكيد لمشروع التقسيم والتفتيت للمنطقة التي وُعدت بالفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد.

معارضة الزوج المخدوع

إنّ فشل «الثورة السورية» بعد تعرية ثوارّها ونخبها ومفكريها، هذه اللوثة المشرقية التي أصابت كل معارضات هذا الزمن المأزوم وعلى الإيقاع نفسه وبالتوقيت ذاته وضمن إشارة بدء قادمة من المايسترو الغربي لتسد فراغ الأفول الأميركي عن المنطقة، تسجل الريادة لإخوتنا العراقيين، قبل أن تنتقل عدواها إلى الليبيين والسوريين (الثورة والتغيير بالدعم الخارجي). وأصبحت مؤصلةً شرعياً ودينياً بانضمام القرضاوي واتحاده وحركة الإخوان المسلمين للتأسيس الفقهي للتدخل الأجنبي في «تحرير» البلدان المسلمة ودمقرطتها. وفي وقت استقرّت المعارضة و«الثورة السورية» على بعض الشعارات المضللة، كانت التعليمات قد وصلت إلى المعارضة السورية (وفق مصادرها المنشورة ذاتها)، بعد احتلال العراق، أن ساعة التغيير حانت في سوريا ويجب أن تُستقبل القوات الأميركية بمشروع معارض جاهز بعد إسقاط الدولة السورية. بدأت الجوقات المعارضة تطلق أنغامها على ألحان المايسترو الغربي وإيقاع طبول الكاوبوي الأميركي، في حين وقفت سوريا وحيدة تدعم المقاومة العراقية في وجه الاحتلال الأميركي مدركة أن دورها هو التالي.

يبدو أن العالم فهم منطق المعارضة السورية وفهم لغتها

المعارضة هي مراهقة، متشتة، طفيلية، متناقضة، حاقدة، ذرائعية، غارقة في تبعيتها للدول المعادية لسوريا، بما فيها دولة الكيان الصهيوني. غطت التخريب والدمار وسفك الدماء في سوريا عبر تصريحاتها الملتبسة في تبرير العنف الموجه للدولة ومؤسساتها الوطنية الجامعة.
الإقرار الدولي بوجود 163 فصيلاً إرهابياً متداولاً ومشتركاً ضمن التشكيلة المسلحة «للثورة السورية» لإسقاط الدكتاتورية والاستبداد، يدلّ على حجم التضليل والنفاق والاختباء وتبادل المنفعة والارتزاق الذي تقاسمته كوادر المعارضة السورية (بشقيها الداخلي والخارجي) مع الإرهاب والإجرام «الثوري». وعند نفي حسن النية تماماً عن كوادر «المعارضة السياسية» و«الثورة السورية» (كون الوضع الذي كانت تُساق إليه سوريا كارثيّ منذ السنة الأولى ولأن معارضة الفنادق التزمت خطابها الإقصائي الذي يحاكم النيات لخمس سنوات من دون أن تقوم بأي مراجعة أو تنقية لأسلوبها الإجرامي)، يُثبت أنها كانت تُساق بريموت التبعية لتخريب سوريا وتقسيمها.
تعترف هذه المعارضة اليوم وتوافق على أنها مثل «الزوج المخدوع» وأن ثورتها الطاهرة المقدسة اليتيمة (!) كان يدخل خدرها كل يوم وافد جديد وأنه داخل بيتهم الثوري المقدس يوجد 163 فصيلاً إرهابياً إجرامياً تشكل الجسم الصلب لهذه الثورة والذي ذاق منه الشعب السوري الويلات والكوارث، بينما ما زال بعض الواهمين يدّعون الطهر والبراءة مما حصل ويدعون الدفاع عن حقوق السوريين!

معارضة أمام صرّاف آلي!

الحقيقة الواضحة، أنّ صرف كل رصيد المعارضة السورية في اجتماع واحد تحت رعاية السعودية بقصد توحيدها في وفد واحد، دُعي «وفد معارضة الرياض»، يُثبت ما وسمت به أطياف المعارضة من الشبهات التي لبستها منذ بدء الحرب على سوريا وتُعرّي تبرير الإرهاب والعنف والتسليح المنظم لما دُعي بـ«الثورة السورية». الوقائع تظهرها أنها لم تكن إلا حالة نفعية ارتزاقية تابعة متحولة تنقلت بدون ممانعة وبسلاسة مذهلة (!) بين الدول الإقليمية (مجلس اسطنبول فائتلاف الدوحة ثم معارضة الرياض) ودفع لأجل أوهامها الواهية الشعب السوري الدماء الزكية ودفعت سوريا، الأرض والدولة، الأثمان الغالية والأكلاف الباهظة. فهل السوريون موعودون بمعارضة آذارية مرتزقة، تأتي بها جلسات المفاوضات أو صناديق اقتراع «ديمقراطية» يشتريها النفط الخليجي وصفقات البترودولار المشبوهة وشركات تبييض الأموال والأيادي المجرمة؟ يبدو أن العالم فهم منطق المعارضة السورية وفهم لغتهم وقدّر ثمنها حقَّ قدرها وأصبح خبيراً بها، لذا فقد وضعها وجهاً لوجه أمام الصراف الآلي النفطي.
اعترف البروفسور برهان غليون في مقالاته الأخيرة ولقاءاته المتلفزة أن المعارضة السورية ومشروعها، بالإسناد الخارجي وتبعيته للأميركيين والخلجان، قد وصلت أخيراً لمرحلة اكتشاف الحقيقة ورؤية الخديعة. فإنه (مع غيره من منظري الثورة ككمال اللبواني وعزمي بشارة) يدور في حلقة مفرغة من التشخيص والتهويل والنقد الذاتي وكأن الأحداث في سوريا قد بدأت البارحة. لا بأس من أن تعيد المعارضة درسها من جديد، بعد اعترافها بفشل الاعتماد على أميركا والغرب وتوابعها.
يطالب غليون بمشروع جديد للملمة الشباب العربي ويهول على الدول الخليجية من التخلي الغربي والتمدد الإيراني. عند بحثه الحثيث عن هذا المشروع، لا يجد إلا «الربيع العربي» ليغري الشباب العربي باتباعه، من دون أن ينتبه أو يُنبهه أحدٌ من غفلته فيقول له إن الربيع العربي قد نفقت جثته في أراضي العرب، مخلفاته المتبقية وعظامه النخرة لا تصدر إلا الغازات السامة والروائح النتنة ولم يعد ممكناً إحياؤه من جديد، إنما يمكنه ــ كما يعرف ــ الاستفادة من عوائد الغاز والنفط القادمة. هذا الربيع لم يقدم نموذجاً عاقلاً واحداً في كل ساحاته المشتعلة المدمرة.
إن الإعلان الأميركي القديم عبر عرّاب المعارضة السورية روبرت فورد وملقنها جون كيري وبقية الجوقة الأميركية واستطالاتها وتبعها في المنطقة، بما فيهم التركي خالد الخوجا ممثل رئيس الائتلاف، أنه «يجب المحافظة على الدولة السورية ومؤسساتها بما فيها الجيش السوري ويجب أن ينضم مسلحو المعارضة إلى معركة مكافحة الإرهاب في سوريا والعراق إلى جانب الجيش السوري وأن الحل في سوريا حل سياسي يعتمد الحوار»، يعني انتصار الدولة السورية بأكلاف باهظة في وجه المدّ الحاقد الظلامي وجموع المضللين وسفراء الرجل الأبيض.
وبعيداً عن التوصيفات القاسية التي فرضتها علينا السنوات المحمومة للحرب على سوريا والتي عبرنا بها عن التيار المستأجر والمتاجر بالدماء السورية، الذي فتح بازارات على «الدم» في قطر وتركيا والأردن وفرنسا وبريطانيا وبقية دول العالم عبر شاشات العولمة الجديدة، هؤلاء جميعاً وصفوا ما حدث في سوريا بـ«الثورة» وهم أنفسهم من استخدمها مصدر ارتزاق. نجوم المعارضة اليوم، بكل أطيافها، يتسابقون لحجز مقاعد في التسوية القادمة في جنيف بعد أن حرقوا كل أوراقهم على الأرض السورية، لأن رفاهية الارتزاق من الانضمام إلى داعش أو النصرة غير متوفرة ولأن من سيبقى من المعارضة لن يجد أمامه إلا خيار الإرهاب، وهو خيار مؤذٍ وسيودي بصاحبه الى المهالك.
أما الترويج الإعلامي عالي الصوت للرواية الشائعة بأن «المعارضة» ليست شريكاً أساسياً وسبباً أولياً في إطلاق الأعمال الإجرامية، التي أدت إلى النكبة السورية، فهو تصور يستخف بعقول الشعب العربي السوري الذي لن ينسى أن المسلحين الرابضين بانتظار «الوليمة»، هم أنفسهم من أطلق سلسلة القتل والخراب والتدمير، مهما تعالت أبواق التنظير والتزوير والتبرير.

مرحلة جزِّ اللحى وتغيير الرايات والولاءات

ربط الانهيارات السريعة للقوى المسلحة على الجبهات السورية المختلفة والأصوات المتعالية المتبادلة لتهم التقصير والخيانة بين المسلحين، إضافة إلى المعلومات التي كشفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن استفادة القوات الجوية الروسية من معلومات قدمها «الجيش الحر» لضرب الإرهاب في سوريا، تدلّ بوضوح على دخول جبهة «الثوار السوريين» والمتطرفين الإسلاميين على الأرض في اللعبة الروسية وبدء تشرذم هذه الجبهة المسلحة (الجهادية!) وتفتتها طمعاً بالمغريات السياسية التي وعدت بها وخوفاً من التكلفة العالية الواجب دفعها أمام الجبهة الأخرى المتينة والمؤلفة من التحالف الرباعي والمقاومة.
حالياً، تتدحرج كرة النار وتنجح سياسة بوتين الواقعية، جزئياً، في تفريق وتفتيت المعارضة المسلحة، بحيث أن من سيبقى يحارب الدولة السورية وحلفاءها سيوصم بالإرهاب وسيدفع وحده الثمن في حرب لا ترحمه. في حين أنّ من قبل بالحل السياسي، فسيكون مكانه محفوظاً على المأدبة القادمة.
إن مرحلة جزِّ اللحى أو تقصيرها وتغيير الرايات والولاءات قادمة بقوة وستميز سياسات جبهات المسلحين والإرهابيين والمعارضين في المستقبل القريب بجانب مفاوضات جنيف (مهما تعثرت بتدلل المعارضة أو مزايدتها) لتأمين الغطاء السياسي لمعركة طحن الإرهاب في المنطقة. سيتقدم الانتهازيون وبعض العقلانيين، بينما سيدفع العقائديون ثمن الأوهام والأحلام في لعبة كبيرة مسارحها أوطان تشتعل وتحترق وتتفتت وموسيقاها آلام الشعوب وعذاباتها ووقودها أنهار دافقة من الدماء الطاهرة المحرمة.
* كاتب سوري