1ــ الأدبيات النظرية: السياسيون هم المسؤولون عن انهيار الإدارة العامة


التفسير الأكثر تداولاً لأسباب فشل الإدارة العامة في بلدان العالم الثالث، هو وجود نخب سياسية تصادر الموارد العامة من أجل المنفعة الخاصة. تُختصر هذه الحقيقة بمفهوم الدولة أو الإدارة النيو _ باتريمونيالية، الذي يجد أساسه في الأدبيات «الفيبرية». ثمة في هذه الحالة، نصوص وضعية يفترض بالإدارة أن تعمل وفقاً لها، لكن السياسيين يضربون عرض الحائط بهذه النصوص، أو يجيّرونها لمصلحتهم.

سبق تعريف الإدارة العامة اللبنانية كإدارة نيو _ باتريمونيالية، وجرت مقارنتها بالإدارة العامة في الدول التنموية الآسيوية (داغر، 2002). جرى التركيز على الشغور الإداري وخطاب الخصخصة بوصفهما سببين لانحلال هذه الإدارة. أظهرت تلك الدراسة أن الشغور يطال نحو ثلثي المواقع في الإدارة العامة، ويصل إلى 85% أو 90% في الوزارات التي أُنشِئت بعد الحرب، وأنه يتخذ شكلاً كارثياً في الفئات العليا للموظفين. أظهرت حصة مرتفعة للغاية للأجراء أو المياومين في الإدارة، وأن هذه الفئة ممن استوعبتهم الإدارة العامة، كانت لها حظوة خاصة في القرارات الوزارية. أي أن الإدارة استُخدِمت أكثر من أي وقت مضى للتنفيعات. جرى النظر إلى خطاب الخصخصة الذي ساد آنذاك، بوصفه انعكاساً لأيديولوجية نيو _ ليبرالية سادت على المستوى الدولي، وأدّت إلى «شيطنة» الدولة. استفادت نخب العالم الثالث من خطاب الخصخصة للإغراق في خصخصة الدولة، متسبّبة بانحلال الإدارة العامة، وتحوّل دول كثيرة من دول ضعيفة إلى دول فاشلة أو دول منهارة، وقد عرف لبنان التجربة ذاتها. جرت الإشارة إلى أن البديل من هذا المسار الكارثي لإدارات دول العالم الثالث، هو ما حملته تجربة الدول التنموية الآسيوية، التي بنت إدارات عامة على قاعدة الاستحقاق. أظهرت تلك الإدارات فعالية غير مسبوقة في تحقيق التنمية، بزّت فيها فعالية الإدارات العامة في البلدان الغربية.
تم استخدام أدبيات أخرى ميّزت بين نوعين من الإدارات العامة، تلك التي تكتفي بالسهر على تطبيق النظم والأحكام القائمة (regulatory)، وتلك التي تنكّبت لأدوار تدخلية، وجرت تعبئتها لإنجاز مشروع التنمية (constructive)، وكانت الإدارة العامة الآسيوية نموذجها (داغر، 2008). في مكان ثالث، تم استخدام كتابات غيللرمو أودونيل لإظهار كيف أن حقبة ما بعد الحرب الباردة شهدت انحساراً للعمل بالقانون في بلدان كثيرة، وذلك في ظل أنظمة تمت دمقرطتها باعتماد الانتخابات. أتاحت هذه الأخيرة إعطاء شرعية سياسية لخارجين على القانون صادروا مناطق بكاملها وأخرجوها من حكم القانون، ولجأوا إلى العنف كناظم للحياة فيها. تم تناول الإدارة من خلال ربط مسارها بانحسار «الدولة القانونية»، وبتحول هذه الإدارة جزءاً من سلطة الأقطاب السياسيين الذين هم «فوق القانون» (داغر، 2008).
برزت خلال العقدين الأخيرين أدبيات جديدة تناولت تجارب الدول الضعيفة والفاشلة، والممارسات الإدارية في هذا الصنف من الدول. ركّزت غالبية الدراسات على تحليل المستوى السياسي، أي القيادة السياسة للبلاد والنخبة السياسية، بوصفهما مسؤولتَين عن انحلال الإدارات العامة في هذه البلدان. عرّف روتبرغ «الدولة الفاشلة» بتلك التي تنحسر فيها سلطة الدولة المركزية لمصلحة مقاولين سياسيين ينازعونها سلطتها، وتتفشى فيها الممارسات الإجرامية، ويغيب فيها الاحتكام إلى القانون، وتفقد الإدارة العامة فيها الحس بمسؤوليتها كإدارة، وتقهر المواطن بطرق وضيعة (روتبرغ، 2002: 87). ركّز ويليام رينو في كتاباته على دور النخب السياسية في الدول الضعيفة في ضرب الإدارة العامة الرسمية. أظهر أولاً، أن ذلك يتم لصالح بدائل مثلتها «إدارات الظلّ» (shadow state) التي تعكس نفوذ الأقطاب المستفيدين من الواقع القائم (رينو، 2000: 3)، وثانياً، أن حكام هذه البلدان يلجأون إلى «التدمير المتعمّد لمؤسسات الدولة الرسمية» (intentional destruction of state institutions)، لتأمين استمرارهم في الحكم (رينو، 2003: 323-330). بيّن أن هؤلاء الرؤساء يخشون وجود إدارات حكومية فاعلة تحظى بالحصانة والاستقلالية، وأنهم يفضلون عليها شبكات الموالين غير الرسمية التي تعمل من خلف ستار المؤسسات الرسمية. أظهر أن افتقاد هؤلاء الرؤساء الشرعية السياسية هو ما يجعلهم يستخدمون كل موارد الدولة التي في متناولهم وفق اعتبارات خاصة، بدل تخصيص الإنفاق العام وفق مبدأ عمومية الحقوق للمواطنين. أما مرجعية القانون، فلا يحتاج إليها الحاكم في كل هذه الحالات، إلا لكي يثبت لمواليه أنه قادر على تجاهلها لتأمين منافع لهم. كتب باحثون عدة، منهم جان ــ فرنسوا بايار وبياتريس هيبو وآخرون عن مسار الإدارة العامة الأفريقية، بوصفها إدارة تمتهن الجريمة (criminalisation) (بايار وآخرون، 1997). كتبت ماري كالدور ودنيزا كوستوفيكوفا وغيرهما عن سيرورة تولي الإدارات الحكومية التي نشأت في سياق تفتيت يوغوسلافيا السابقة، مهمات ضمن إطار شبكات الجريمة الدولية. باتت تلك الإدارات أوكاراً تنفّذ مهمات إجرامية لصالح ممولين دوليين (كوستوفيكوفا وبوجيسيك، 2006).

2ــ بيئة الإدارة العامة

يكتشف الراغب بدراسة بيئة الإدارة العامة أن ليس ثمة أدبيات نظرية في ميدان سوسيولوجيا الموظف الحكومي أو سوسيولوجيا الإدارة العامة في البلدان النامية. يستعرض الكاتب كوبانز كل المقاربات لمسألة الدولة في البلدان النامية، في علوم الأنتروبولوجيا والسياسة والقانون، ويخلص إلى تأكيد غياب علم خاص اسمه سوسيولوجيا الإدارة العامة في البلدان النامية (كوبانز، 2001). حظيت الإدارة العامة في البلدان الصناعية بالمقابل، بدراسة سوسيولوجيتها، أي تكوينها البشري ومواصفاته.
شهدت المتصرفية نشوء أول إدارة حكومية لبنانية بالمعنى الحديث للكلمة. قال اقتصاديون في مديح تلك التجربة إن أهل المتصرفية كانوا يدفعون ضرائب أقل من غيرهم. تم إعفاؤهم من ضريبة الـ 10 في المئة على محصول الحرير والضريبة على أشجار التوت. نسي هؤلاء الاقتصاديون أن عدم وجود مداخيل ضريبية للدولة كان يعني أيضاً عدم وجود إنفاق عام. أفضل طريقة لإظهار التفاهة المجرمة لتلك الإدارة، المقارنة مع اليابان، حيث منعت الحكومة الهجرة، في وقت كان فيه نزف الهجرة في لبنان يفقد أريافه ما راكمته من زيادة سكانية ضاعفت عدد سكانه خلال أقل من نصف قرن. وذلك تبعاً للنسب القابلة للتعميم التي أوردها الكاتب شربل داغر (داغر، 2013: 82). وقفت اليابان وراء المنتجين في القطاع الزراعي، بدعم المدخَلات وتثبيت مداخيل المزارعين ورفع إنتاجيتهم، جاعلة من قطاع الحرير مصدر تمويل عملية التصنيع، في حين دُفِع العاملون في قطاع الحرير اللبناني وهم غالبية السكان، إلى الهجرة. تفرّجت الدولة عليهم وهم يواجهون عزّلاً منافسين يحظون بدعم الدولة لهم، أكانوا مصانع غزل فرنسية أم منتجي حرير يابانيين وصينيين (ديب، 2012: 79). وضعت السلطنة والقوى الاستعمارية مصير شعب في عز ديناميكيته الديموغرافية والاقتصادية بين أيدي متصرّفين ليسوا معنيين به.
بنى الانتداب إدارة عامة محدودة الحجم والفعالية، تحت وطأة هاجس عدم تحميل الموازنة العامة أي عجز. وجدت الإدارة الاستقلالية الأولى شعباً بالكاد حافظ على العدد الذي كان قد بلغه عام 1852، أي قبل نحو قرن، بسبب الهجرة والمجاعة (داغر، 2013: 88). لم تتغيّر مواصفات الإدارة العامة الموروثة من الانتداب بعد الاستقلال. خلال الستينيات، حين كانت مختلف بلدان العالم الثالث تبني إدارات حكومية تدخلية، وتضع أهدافاً تنموية للإدارة العامة، كانت القيادة السياسية للبلاد تصر على إعفاء الإدارة من أي دور تنموي، وتقف متفرّجة أمام انهيار الأرياف، التي كانت ميدان عمل ومصدر عيش غالبية اللبنانيين. انتقدنا في نص سابق تجربة بعثة «إيرفد» لإغفالها في معرض تعيين أهداف التنمية، أن هذه الأخيرة هي «تصنيع متأخر». إن موقفاً أكثر إنصافاً لا بد من أن يقرّ بأن البعثة نفسها كانت وراء إقرار قانونين لإنشاء وزارة تخطيط أو تصميم عام واسعة المهمات، وإنشاء مصرف وطني لتمويل التنمية. لكن المستوى السياسي، أي رئيس الجمهورية والنخبة السياسية والاقتصادية تخلوا عن تلك المشاريع بعد انتهاء عهد شهاب. امتنعت الدولة عن التنكّب لأي دور تنموي، وتركت إداراتها شاغرة، التزاماً منها بقاعدة تحقيق فائض دائم في الموازنة، وفقد الريف ما بين 40% و65% من قاطنيه خلال عقد الستينيات والنصف الأول من السبعينيات، بالهجرتين الداخلية والخارجية.
شهد العهد الرئاسي الأخير قبل الحرب الأهلية مبالغات من قبل السياسيين في استخدام الإدارات العامة للتنفيعات، لكن ذلك لم يكن الأهم. الأهم أن الإدارة العامة دُفِعت إلى حالة من عدم القدرة على ممارسة صلاحياتها، أدت إلى انهيار قدرة الدولة على ممارسة سيادتها الداخلية وصون سيادتها الخارجية، وإلى عجزها عن مواكبة الفورة الاقتصادية آنذاك التي حملت معها تضخماً كبيراً واستقطاباً فادحاً للدخل. أدى كل ذلك إلى سقوط شرعية النظام السياسي القائم واندلاع الحرب الأهلية. يمكن اختصار حقبة ما قبل الحرب الأهلية بالقول إن الإدارة العامة قصرت همّها على تطبيق الأحكام والنظم القائمة في أحسن الأحوال، من دون أن يكون لها أي دور تدخلي وتنموي.
يفسّر عدم تعيين دور تدخلي وتنموي للإدارة بعد الحرب، التردّي من دون قرار لبيئتها، ولمواصفات الإداريين. سادت قناعة بأنه لا حاجة إلى الإدارة العامة لإنجاز إعادة الإعمار والتنمية. نُظِر إليها بوصفها مجرّد عبء ينبغي التخفيف قدر المستطاع من وطأته. لم تُعيَّن لها أهداف تفترض تعبئة في أوساطها. يجد كل هذا ترجمته في الشغور والإحباط اللذين يميّزان الإدارة. يتعاون الشغور (vacancy)، وعدم الأخذ بمعايير الاستحقاق (meritocraty)، وعدم التعرّض للمحاسبة (accountability)، للإبقاء على عناصر بكفايات متردّية في شتى المواقع. تقدّم هذه الإدارة في حالتها الراهنة صورة عن إدارات الدول الضعيفة والفاشلة.

أ ــ الشغور

الشغور هنا، بالإضافة إلى المعنى الاعتيادي للكلمة، هو عدم إمكان التعويل على الموجودين في المواقع الإدارية المختلفة. يُنسّب أناس من دون أن توصّف مهماتهم. يأتون إلى وظائفهم لشرب القهوة. وإذا أُتيح لهم ألا يضعوا قدماً في إداراتهم، فإنهم لا يأتون إلا لقبض معاشاتهم. لا يستفيد العاملون في الإدارة العامة من دورات تأهيل وتمكين، ما يجعل وجودهم في الإدارة غير ذي طائل، ويمنع الاستفادة منهم لتحسين الأداء. يوضع الناس في شروط لا تسمح لهم بتطوير أنفسهم مهنياً. الأمر الأشد أذى على المستويين الفردي والعام، هو أن الإدارة العامة تقضي على الكفوئين الذين ينتسبون إليها. تحطّم رغبتهم بالعمل والتعلّم.
في شروط الإدارة العامة لما بعد الحرب، يمكن أن يكون المسؤول الإداري غير راغب في التعرّف إلى مكونات عمله التقنية. يمكنه أن يبقى في موقعه سنوات من دون أن يفقه شيئاً من المهمات الملقاة على عاتقه، أو يعيرها أدنى اهتمام. قد يتخلى عن مهمات هي في صلب موقعه والأساس فيه. لماذا يتصرّف على هذا النحو؟ لأن تعيينه حصل بوساطة وتدخّل من أحد النافذين، أو لأنه يعتبر أن موقعه تمثيلي وسياسي، حتى حين يكون هذا الأخير تقنياً بحتاً يفترض عملاً ومواظبة.
يخرج العاملون في الإدارة العامة بعد سنوات طويلة إلى التقاعد صفر اليدين، لا يملكون ما يعتدّون به. وحين يحالون إلى التقاعد أفواجاً أفواجاً، لا يتم استبدالهم. يُمضي المواطنون أعمارهم وهم يسمعون عن تعيينات يقتضي إجراؤها، وهي لا تتم. لا يكون النقص بسبب عدم وجود كفوئين، بل لأن المستوى السياسي لا يرغب بتقوية الإدارة. عند رينو، أنه يخاف الإدارة العامة ويعمل على تحطيمها، كما سبقت الإشارة.

ب ــ العدوانية محل القانون

شعور الإداريين بعدم جدوى وجودهم حيث هم، ينجم عنه عدم رضى على الذات ينعكس عدوانية تجاه الآخرين. مشكلة هؤلاء هي مع أنفسهم. لكن شعورهم بالنقص يصبح مشكلة يتحمّل عواقبها الآخرون. قد تتطوّر حالة «العطالة» عند الإداريين على مدى السنوات إلى عجز كامل عن الدخول في تفصيل من تفاصيل عملهم. في الغالب الأعم، يجتمع الشعور بالفشل، مع احتجاج المعنيين بالأداء الفاشل، ليدفعا بأصحاب العلاقة إلى التفتيش عن حماية. تكون هذه الحماية خارجية، عند زعيم أو تيار سياسي.
لكن الحماية تقوم أيضاً على تطوير المقدرة الشخصية على ممارسة العدوانية تجاه الأقران والمرؤوسين. «يتمترس» البعض في مواقع ويدافعون عن وجودهم فيها بعدوانية فائقة. تجعل هذه العدوانية حياة الواقعين تحت تأثيرهم جحيماً. لا يجد الإداريون من هذا النوع من يواجههم أو يضعهم عند حدّهم. يعرّض نفسه للأذى من بين هؤلاء، في مجتمع تحكمه ثقافة «المكانة» (honour)، من لا يعود قادراً على تعيين قدر نفسه، أي من لا يعرف حدوده، و«يتطاول» على الكلّ بمن فيهم الأقوى منه.
قد يتواطأ كثيرون من مختلف مستويات الإدارة لإفشال من يحتكم إلى القانون، لكي تكون القاعدة هي عدم المحاسبة، ولكي يكونوا هم في مأمن، أي في حلٍّ من الخضوع لأحكام القانون، إذا حصل ما يُوجب محاسبتهم. في النزاعات داخل الإدارة، لا يربح بالضرورة من تكون مرجعيته القانون، ومن يستقوي به. يربح من يوسّط النافذين في الإدارة الذين يمكن أن يقفوا بجانبه ولو كان ضد القانون. يعكس ذلك خصائص بيئة تجعل القوة أو النفوذ وليس مرجعية القانون، القوة الفصل.
تجعل حصة «العاطلين من العمل» الكبيرة في الإدارة منها بيئة حيث الإقلال من احترام الآخر هو القاعدة. يتعمّد الفاشلون أذية من يعمل بالتطاول عليه والإقلال من قيمته، بحيث يفقد الرغبة بالعمل وينكفئ. تبدو الإدارة كأنها محكومة بنظام يقوم على معاقبة من يعمل والحطّ من قيمته. تؤدي عقدة النقص عند البعض بشأن قيمتهم الشخصية (status inconsistency) إلى ضغينة فادحة لديهم (resentment) يكون ضحاياها من يستضعفونهم (بيترسن، 2001: 22). يشكّل هذا البعض نسبة ضئيلة، لكنها ذات قدرة فائقة على تعميم المشاعر السلبية. تحكم هذه المشاعر (emotions) بيئة الإدارة العامة، وتجعل منها جحيماً.

ج ــ التسييب

حين تحصل تعيينات في المستويات العليا للإدارة ينجم عنها فراغ إضافي في السلطة والقرار، تتعطّل أكثر القدرة على اعتماد القانون وتوسيطه والاحتكام إليه. يصبح من هم في المراتب الأدنى من الإدارة أقل أماناً وأكثر تعرّضاً للتعسّف والعدوانية. تصبح المعارك التي يخوضونها لتطبيق القانون بدون أمل وخاسرة. تُصبح الإدارة في حالة تسيّب كاملة، حين يتخلّى المسؤول عن دوره في إنفاذ القانون.
تُرهِب بعض الإدارات الحكومية المواطنين لكي لا يطالبوا بحقوق لهم. تفرض خوات عليهم مقابل توفير الخدمات التي هي حقوقهم. يركض البعض لملء مواقع في هذه الإدارات لأنها توفّر لهم سلطة يمكن استخدامها في الانتفاع المادي. امتلأت الصحف على مدى السنوات السابقة بأخبار السرقات التي جرت في إدارات تتولى إدارة المال العام. من جملة الفضائح، ما أظهره تقرير أعدّه خبراء دوليون أفاد بأن نظام المعلوماتية المعتمد في وزارة المال، كان يتيح لإداريين الدخول إلى الموازنات السابقة وتعديل وتبديل القيود فيها ساعة يشاؤون («الأخبار»، 7/1/2011). يصر مدير عام في وزارة خدمات على جعل خدمة الإنترنت فضيحة في عموم لبنان، ولا يستطيع أحد أن يكف شرّه عن الناس، رغم الشكاوى الجزائية والتنبيهات والإحالات على التفتيش بحقه («الأخبار»، 26/7/2013). لم ينجم عن نشر كتاب «الإبراء المستحيل» الطافح بالوقائع، أي تحرّك لمؤسسات الرقابة أو القضاء.
هناك إدارات يكتسب مسؤولوها سلطتهم من أنهم أدوات لشبكة دولية/ إقليمية/ محلية تستخدم لبنان «ساحة حرب» (داغر، 2012). تنمّ ممارسة هؤلاء عن إخلال فاضح بموجبات الوظيفة العامة، ولا يتعرّضون لمساءلة قانونية. إذا كان لبنان «كياناً وظيفياً»، مبرّر وجوده منذ القرن التاسع عشر أن يكون «ساحة حرب»، هل يصح إسقاط تعريفات الإدارة في بلدان طبيعية على إدارته؟ ينبغي الانطلاق من «الوظيفة» هذه لفهم مهمات وأداء الإدارة فيه. يعكس مسار الإدارة العامة اللبنانية منذ 2005، سيرورة إضعاف إضافي متعمّد للدولة، لجعلها ساحة في خدمة الأجندات الأجنبية. يعكس أداء هذه الإدارة كون قسم من النخبة السياسية هم مأجورون عند الخارج.
في كل هذا، يبقى الجمهور المعني بخدمات الإدارة خارج أي فعل أو تأثير على مسلكيتها. هذه الأخيرة مستقلة، بمعنى عدم التعرّض للمساءلة. ميّز بيتر إيفانز بين نوعين من الاستقلالية للإدارة العامة. الأولى هي التي تميّزت بها الدولة التنموية الآسيوية، وعبّرت عنها قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه بمعزل عن الضغوط السياسية وتأثير مجموعات الضغط. والثانية هي التي عكستها تجربة الإدارة العامة في الكونغو أيام موبوتو مثلاً، وذلك بمعنى عجز الجمهور أو الرأي العام أو المجتمع المدني عن محاسبتها أو مساءلتها (إيفانز، 1992: 151).

3 ـــ المطلوب إدارة تدخلية وتنموية

في دراسته المشوّقة عن الإدارة العامة اللبنانية المنشورة عام 1966، اعتبر رالف كرو أن هذه الأخيرة تكتسب شرعيتها من صفتها التمثيلية، أي من كونها تعكس في تكوينها مكوّنات الاجتماع اللبناني الطائفية ورضى الشعب اللبناني عن هذه المواصفات. أشار إلى «التصرفات الإدارية غير الرسمية» التي تناقض «الأهداف الرسمية للإدارة»، وحمّل النخبة السياسية مسؤولية استمرار التجربة اللبنانية أو انهيارها (كرو، 1966). بيّن مالكولم كير أن المنازعات على المناصب الإدارية التي هي غالباً «فخرية»، تشغل حيزاً مهماً من أوقات المجالس الوزارية المتعاقبة (كير، 1966). لا تعكس السياسات الحكومية بالمقابل، مقاربات تمييزية فاقعة في التنسيب إلى الإدارة العامة، أو تمييزاً فاضحاً على أساس طائفي أو مذهبي في رصد الموارد، كما تفصّل ذلك الأدبيات النظرية (إيسمان، 1997). يبدو خطاب «المظلوميات» الطائفية أو المذهبية أقرب إلى الهراء. يبدو جميع اللبنانيين متساوين كضحايا لعقم الدولة. أثبتت التجربة اللبنانية المعاصرة برمّتها، أن تمثيلية الإدارة الحكومية للمكونات اللبنانية لم تكن كافية لتوفير ما يعين اللبنانيين على البقاء في بلادهم. أثبت فشل هذه التجربة أن ما كان ينقصهم على الدوام هو إدارة حكومية تنموية وتدخلية.
تحصر النخبة السياسية همها في الحفاظ على الشكليات والأعراف. تمارس ما يُتعارف على أنه «السياسة من دون مضمون» (procedural)، أي السياسة التي تتوخى تقاسم المواقع والمحافظة عليها. تعرّف ماري كالدور «الديمقراطية التي تنطوي على مضمون» (substantive democracy) بأنها الممارسة الانتخابية التي تمكّن الناخبين من أن يؤثروا في القرارات التي تتناول شروط حياتهم (كالدور، 2008: 35). لا تؤدي الانتخابات كائناً من كان الأطراف الرابحة فيها إلى إحداث تغيير في شروط حياة اللبنانيين. يستنفد الصراع السياسي طاقات المنخرطين فيه، ولو أنه عديم الفائدة للمواطنين المعنيين بتحسين شروط حياتهم. يجري التطاحن على مواقع في الإدارة العامة، دون الاهتمام بجدواها لجهة المنافع والخدمات التي توفرها للمواطن. يتم التصارع على مواقع لا قيمة لها من وجهة نظر مصالح الجمهور. تتحمّس قوى سياسية لملء الشواغر في الإدارة، وتدعو مناصريها إلى التقدم لملء هذه المواقع. وهي لا تعرف في الأرجح أنها تقترح عليهم مستقبلاً مهنياً مليئاً بأسباب الخيبة والفشل.
لا تعرف القوى السياسية في الأرجح أن النضال من أجل إصلاح الإدارة ينبغي أن يكون هدفه الأول تعيين مهمات تنموية لها مقدمة لرفدها بدم جديد. يلعب التركيز على موضوعة الفساد، بمعنى الانتفاع من الموقع العام، دور التعمية على معضلة الإدارة العامة الحقيقية. لا ينتبه المنتقدون إلى أن المشكلة هي في مكان آخر. إخفاق الإدارة العامة هو في عدم وجود دور تنموي لها. يجعل «إجماع» النخبة على عدم تعيين دور اقتصادي للإدارة العامة، النقد الموجّه لها يدور في فراغ، وبغير طائل. وفّر التيار النفعي الجديد (neo-utilitarism) التسويغ النظري للسياسات الإدارية النيو _ ليبرالية منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي. عمد ممثلو هذا التيار إلى «شيطنة» الدولة والدعوة إلى اعتماد «دولة الحد الأدنى» في الإصلاح الإداري الذي اقترحوه. ذهب المتطرفون منهم إلى اقتراح إلغاء الإدارة العامة «الفيبرية»، واستبدالها بإدارة عامة على أساس التعاقد. قدّم بيتر إيفانز، ممثل تيار المؤسساتية المقارنة، نقداً مفحماً لمفهوم الدولة كما صاغه النفعيون الجدد. أظهر الاستحالة النظرية والعملية لهذه الأخيرة. بيّن التناقض عند منظّريها، بين أخذهم بنظرية «التفتيش عن الريع» (rent seeking)، أي اتهام كل الموظّفين الإداريين بدون استثناء باستخدام الموقع العام للاستفادة الشخصية، وبين إبقائهم على التعريف النيو _ كلاسيكي للدولة، كدولة _ شرطي، تتولى مهمات إيجابية لجهة حماية الأفراد والملكية وإنفاذ العقود الموقعة (إيفانز، 1995: 25).
بيّنت الدراسات من جهة أخرى، الدور الرئيسي الذي لعبته المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في تحطيم الإدارات العامة لبلدان العالم الثالث، من خلال اشتراطها خفض أعداد الإداريين وكلفتهم، للموافقة على تقديم القروض والمساعدات لهذه البلدان. استخدم الموقف المعادي لدور الدولة تعابير من نوع «ترشيق» الإدارة («leaner٬ meaner «government) للتعبير عن نفسه. أظهرت الدراسات التردي المريع لمداخيل الموظفين الحكوميين وشروط عملهم نتيجة الأخذ بالإصلاحات النيو _ ليبرالية. بل لم تعد الإدارات العامة قادرة على توفير متخصّصين لديهم القدرة على محاورة مبعوثي المؤسسات الدولية الذين يسوّقون سياساتها الاقتصادية (هيرشمان، 1999: 296-297). وجد الأخذ بمفهوم «الإدارة العامة الجديدة»، كتطبيق للأفكار النيو _ ليبرالية، ترجمته في التعاقد مع شركات خاصة لتوفير خدمات كانت توفرها الإدارات العامة، ومنح استقلالية للعديد من الإدارات والمؤسسات العامة. بيّن مانينغ أن إخراج مؤسسات عامة كثيرة من عهدة الدولة، بجعلها شبه _ مستقلة، أتاح للقائمين على هذا «الإصلاح» التخلّص من عبئها المادي، وتحطيمها في الوقت عينه (مانينغ، 2001). هذا ما جرى في قطاع الصحة في لبنان.
أخذ إيفانز (1992) وشالمرز جونسون (1987) وغيرهما من المفكرين المنتمين إلى تيار المؤسساتية المقارنة على عاتقهم تعريف الدولة التنموية التي تحتاج إليها البلدان النامية لتحقيق «تصنيعها المتأخر». قدموا الإدارة العامة في الدول التنموية الآسيوية نموذجاً ينبغي أن تقتدي به دول العالم الثالث. يوضح هذا النموذج الأهداف التي يجب على الإدارة العامة أن تجهّز نفسها لتحقيقها. الإدارة المطلوبة ينبغي أن تكون تدخلية، تتولى: أولاً، التخطيط الاقتصادي الذي يعيّن كيفية تدخّل الدولة حيث هناك «إخفاقات للسوق»، ويحدد الحوافز التي ينبغي أن توفّر للقطاع الخاص للسير في المشروع الحكومي؛ ثانياً، تمويل القطاعات المنتجة بواسطة مصرف وطني للتنمية؛ ثالثاً، اعتماد الدعم والحماية الجمركية لتشجيع قيام صناعات ناشئة، أي توفير ما يؤمّن للمؤسسات القدرة على إنجاز «تمرينها» التكنولوجي في ظل الحماية؛ رابعاً، تدخّل الدولة لتنسيق الاستثمار، بما يسهّل للمؤسسات حيازة التنافسية، ويتعارض مع الإيمان الذي تدحضه الوقائع، بأن المنافسة هي المدخل الوحيد لتحقيق الفعالية الاقتصادية؛ خامساً، التأكد من أن القطاع الخاص يبذل ما يجب عليه من جهود لحيازة الفعالية.
تفيد العودة إلى نص إيفانز التأسيسي (1992) لفهم كيفية بناء الإدارة المطلوبة. نجحت الإدارة العامة الآسيوية في بناء الدولة الوطنية وتحويل تلك البلدان إلى قوى صناعية متقدمة، لأنها اعتمدت أولاً المبادئ «الفيبرية»، أي التنسيب على قاعدة الاستحقاق وتوفير مسار مهني آمن للموظف الحكومي. هذا ما أعطاها تماسكها وقدرتها على خدمة النمو الرأسمالي في الغرب. جرى قبل سنوات اقتراح إجراء إصلاح إداري جزئي في لبنان، يوفّر للإدارات المعنية تنفيذ برنامج جدي لحفز الاستثمار، الموارد البشرية التي تحتاج إليها (داغر، 2004).
أضاف إيفانز ما سمّاه «العناصر اللا _ بيروقراطية في عمل الإدارة»، كخاصية إضافية للإدارة العامة الآسيوية. أعطى ذلك «فيبرية معزّزة» (reinforced veberianism)، وجدت ترجمتها في الفعالية الفائقة التي عُرِفت بها الإدارة الآسيوية لتحقيق التنمية. كانت السلطة التي مورِست على الإدارة من خارجها وراء تلك الفعالية الفائقة (إيفانز، 1992: 163). عند إيفانز أيضاً، أن تعريف دولة القرن الواحد والعشرين التنموية يتطلّب الأخذ بالاعتبار للتحوّل في شروط النمو الاقتصادي، الذي يجعل المعرفة (knowledge) أساس النمو. يتطلّب ذلك من الدولة دوراً أكبر لجهة تأهيل رأس المال البشري، ومقدرة أكبر لدى الإدارة العامة (bureaucratic capacity) للتعامل مع اقتصاد أكثر تعقيداً يلعب القطاع الخاص دور المحرّك فيه (إيفانز، 2008). أثبتت التجربة التاريخية أن غياب البيروقراطية الحكومية وليس حضورها القوي، كان العائق الأكبر أمام التنمية (إيفانز، 1995: 40). تنقض هذه التجربة كل السياسات النيو _ ليبرالية التي تدفع البلدان النامية منذ أكثر من ثلاثين عاماً أثمانها.
* باحث لبناني

المراجع
-Bayart Jean-François٬ Stephen Ellis٬ Béatrice Hibou٬ La Criminalisation de l›État en Afrique٬ Bruxelles٬ Complexe٬ coll. « Espace international »٬ 1997٬ 168 pages.
-Copans Jean٬ “Afrique noire: un Etat sans fonctionnaires ?”٬ in Autrepart٬ (20)٬ 2001٬ pp. 11-26.
-Crow Ralph٬ “Confessionalism٬ Public Administration٬ and Efficiency in Lebanon”٬ in L. Binder (ed.)٬ Politics in Lebanon٬ N.Y.: John Wiley and sons٬ 1966.
-Dib Nour٬ “Une comparaison entre le Liban et le Japon dans la production de soie naturelle”٬ mémoire de licence en sciences économiques - Université libanaise٬ 2012.
-Esman٬ Milton. 1997. “Public Administration٬ Ethnic Conflict٬ and Economic Development٬” Public Administration Review٬ 57(6): 527-533.
-Evans Peter٬ «A comparative Institutional Approach»٬ in P. Evans٬ Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation٬ Princeton Univ. Press٬ 1995٬ pp. 21-42.
-Evans Peter٬ «The State as a Problem and Solution: Predation٬ Embedded Autonomy and structural Change»٬ in S. Haggard٬ R. Kaufman (eds.)٬ The Politics of Economic Adjustment٬ Princeton univ. press٬ 1992.
-Evans Peter٬ “In Search of The 21st Century Developmental State”٬ Working Paper٬ N. 4٬ The Centre for Global Political Economy٬ Univ. of Sussex٬ December٬ 2008٬ 22 pages.
-Hirschmann David٬ “Development Management versus Third World Bureaucracies: A Brief History of Conflicting Interests٬ ” Development and Change٬ vol. 30٬ no. 2٬ 1999٬ pp. 287 – 305.
-Johnson Chalmers٬ «Political institutions and economic performance: the government business relationship in Japan٬ South Korea and Taïwan»٬ in F. Deyo (ed.)٬ The Political Economy of the New Asian Industrialism٬ Ithaca: Cornell univ. press٬ 1987.
-Kaldor Mary٬ “Democracy and Globalization”٬ in Working Paper Series٬ London School of Economics٬ 2008.
-Kerr Malcolm٬ “Political Decision Making in a Confessional Democracy”٬ in L. Binder (ed.)٬ Politics in Lebanon٬ Univ of Chicago٬ 1966٬ pp. 187-212.
-Kostovicova D٬ V. Bojicic-Dzelilovic٬ “The Balkans in Globalization’s Throes: Examining the Transnational Quality of the Region’s Problems”٬ in I P Journal٬ 1/4/2006٬ 9 pages.
-Manning٬ N. «The Legacy of the New Public Management in Developing Countries»٬ International Review of Administrative Sciences٬ 67٬ 2001٬ pp. 297-312.
-Petersen Roger D.” An Emotion-Based Approach to Ethnic Conflict”٬ in Petersen R٬ Understanding Ethnic Violence٬ Fear٬ Hatred٬ and Resentment in Twentieth-Century Eastern Europe. Cambridge: Cambridge University Press٬ 2001.
-Reno William “Shadow States and Political Economy of Civil Wars”٬ in Mats Berdal٬ David M. Malone (eds.)٬ Greed and Grievance: Economic Agendas in Civil Wars٬ London: Lynne Rienner٬ 2000.
-Reno William٬ “The Changing Nature of warfare and the Absence of State-Building in West Africa»٬ in D. Davis٬ A Pereira (eds.)٬ Irregular Armed Forces and their Role in Politics and State Formation٬ Cambridge Univ. Press٬ 2003.
-Rotberg Robert٬ “The New Nature of Nation-state Failure”٬ in The Washington Quarterly٬ Summer٬ 2002٬ pp. 85-96.
ـــ ألبر داغر، «الدولة اللبنانية وفقاً لمفهوم دولة القانون الديموقراطية»، أيلول 2008، نُشِرت في ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 2012، ص 19-30.
ـــ ألبر داغر، «أفكار اقتصادية لبرنامج حكومي غير تقليدي»، نُشِرت في النهار، 17 تشرين الثاني 2004، ثم في ألبر داغر، أية سياسة صناعية للبنان: مقاربة مختلفة لدور الدولة في الاقتصاد، بيروت، «المركز اللبناني للدراسات»، 2005، 197 صفحة، ص 163-170.
ـــ ألبر داغر، «الإدارة العامة والتنمية: مقارنة بين تجربتي لبنان وشمال شرق آسيا»، مؤتمر «المركز اللبناني للدراسات» - 15 و16 شباط 2002- نُشِرت في النهار، 16 آذار 2003، ثم في ألبر داغر، أية سياسة صناعية...، ص 33 – 49.
ـــ ألبر داغر، «الدولة اللبنانية وفقاً لمفهوم دولة القانون»، نُشِرت في النهار، 7 شباط 2008، ثم في ألبر داغر، أزمة...، ص 11-19.
ـــ ألبر داغر، «لبنان كـ«ساحة حرب» دائمة»، الأخبار، 5 كانون الأول 2012.
ـــ شربل داغر، بين السلطان والمقاطعجيين والعوام: الحراك والأفق، دار سائر المشرق، 2013، 511 صفحة.