في كل محطة انتخابية تشهدها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يراهن الغرب وكيان العدو الصهيوني، وغيرهما من الدول، على فوز القوى الإصلاحية.
ولهذا شهدنا في انتخابات مجلسي الشورى والخبراء، وما أسفرت عنه من تقاسم مقاعد العاصمة طهران بين التيار المعتدل بقيادة رئيس الجمهورية حسن روحاني والتيار الإصلاحي الذي تحالف معه، ارتفاعاً في الأصوات التي تراهن على فوز الإصلاحيين، وبالتالي تحقيق أمنياتهم في إبعاد السياسة الإيرانية عن دعم قضية فلسطين، والمقاومة ضد الاحتلال، وعن الوقوف إلى جانب سوريا ضد مشاريع الهيمنة الاستعمارية وقوى الإرهاب التكفيري، والاهتمام فقط بشؤونها الداخلية الاقتصادية، أي أن تتقوقع إيران ولا يكون لها أي دور إقليمي أو دولي.

ومثل هذا الرهان سارعت "إسرائيل" إلى الترويج له، بالقول أن إيران عمدت في الآونة الأخيرة إلى الحد من تمويل حزب الله في لبنان، الأمر الذي اعتبرته تطوراً جوهرياً، كذلك رأت أن الرأي العام الإيراني يريد انفتاحاً أكبر على الغرب. وفي هذا السياق، أولت صحيفة "يديعوت أحرونوت" اهتماماً خاصاً بالنتائج الأولية للانتخابات، وتحدثت عن حظوظ للتيار الإصلاحي، ورأت أن ذلك يعبّر عن إرهاصات التحول الحاصلة.
لكن هل فعلاً أن مثل هذه الرهانات على تغيير السياسة الإيرانية في المستقبل، وانتقال إيران مجدداً لتصبح قريبة من الغرب تحت عنوان الانفتاح، واقعية أم مجرد أمنيات؟
من الواضح أن قراءة المشهد الانتخابي من قبل هؤلاء المراهنين من أعداء الثورة الإيرانية على إحداث انقلاب سياسي داخل إيران إنما تفتقد إلى الموضوعية ويغلّبون أمانيهم لتحلّ محل الواقع.
فمن خلال قراءة دقيقة وعميقة للواقع الإيراني، وما أنتجته الانتخابات حتى الآن، يمكن تسجيل جملة من الأمور التي تشكل الأساس في التقييم، إن كان لناحية الحكم على العملية الانتخابية والنتائج التي أفضت إليها، أو لناحية الاتجاه السياسي الذي ستسلكه الجمهورية الإسلامية على المستوى الخارجي.

تباينت التقويمات
للنتائج التي تمخّضت
عنها الانتخابات

أولاً: في الحكم على العملية الانتخابية
من دون أدنى شك جرت العملية الانتخابية في أجواء من الديمقراطية والتنافس بين جميع التيارات السياسية التي طرحت برامجها بحرية كاملة.
ولم يسجل، باعتراف المراقبين، ما يعكر صفو الانتخابات من تلاعب وعمليات تزوير أو دور للمال في الحملات الانتخابية للتأثير في الناخبين واتجاهات الرأي العام، كما يحصل في أميركا ولبنان وغيرهما من الدول حيث للمال دور أساسي في تأمين فوز العديد من النواب.
إن هذا المناخ الديمقراطي يسجل لنظام الجمهورية الإسلامية، ويسجل له نجاحه في بناء تجربة ديمقراطية حضارية، وفي ترسيخ مؤسسات ديمقراطية تجري فيها الانتخابات بشفافية ونزاهة، من انتخاب مجلسي الشورى والخبراء إلى انتخاب المرشد، وصولاً إلى انتخاب رئيس الجمهورية، فيما الأقليات تحظى بتمثيل محدد في البرلمان حرصاً على حفظ التنوع في إيران والانفتاح الذي يتمتع به الشعب الإيراني، بعيداً عن أي تقوقع وانغلاق، ما يشكل دحضاً للدعاية الغربية الإسرائيلية المضللة.
من هنا يمكن القول إن الانتخابات عكست مستوى راقياً من الديمقراطية تجلى في:
ــ التنافس بين المرشحين على أساس البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ــ نجاح التيار الإصلاحي المعارض في الحصول على نتائج مهمة، إن كان في مجلس الشورى أو في مجلس الخبراء.
ــ نسبة المشاركة العالية التي ناهزت 63 في المئة، ما يؤكد الحرية التي يتمتع بها الشعب في التعبير عن رأيه وانتخاب من يعبّر عن تطلعاته.

ثانياً: في النتائج
تباينت التقييمات للنتائج التي تمخضت عنها الانتخابات؛ فالبعض رأى فيها فوزاً كبيراً للتيار الإصلاحي، والمعتدل، وتراجعاً للتيار الراديكالي المبدئي، وآخرون رأوا فيها توازناً بين التيارات المختلفة، المعتدل والإصلاحي والراديكالي، وأن المستقلين هم من سيرجّحون كفة تيار من التيارات الثلاثة.
لكن أيّ مدقق في النتائج الأولية، التي لن ترسم الصورة النهائية للمشهد في مجلس الشورى والخبراء قبل إجراء الجولة الثانية من هذه الانتخابات، يتبين له الآتي:
1 ــ ان هناك تضخيماً لفوز الإصلاحيين على نحو يظهر كأنهم امتلكوا الأغلبية في مجلس الشورى، في حين أن الأرقام تؤشر إلى توزع المقاعد على التيارات الثلاثة، مع غلبة ولو ضئيلة للتيار الراديكالي المبدئي. حيث نال الاصلاحيون والمعتدلون، حسب وكالة "فرانس برس" الفرنسية، 95 مقعداً، في حين نالت قائمة المبدئيين 103 مقاعد، وحصل المستقلون على 14 مقعداً، إضافة إلى أربعة مقاعد للمبدئيين المعتدلين كانوا مدعومين من الإصلاحيين، وخمسة ممثلين للأقليات، فيما لم تحسم نتائج 50 معقداً بانتظار الدورة الثانية.
2 ــ لقد تم اعتبار المعتدلين جزءاً من الإصلاحيين، وتصنيف المبدئيين المعتدلين بأنهم أقرب إلى الإصلاحيين، ليجري على أساس ذلك الاستنتاج أن الإصلاحيين حققوا فوزاً كبيراً، على حساب المبدئيين الذين يتم وصفهم من قبل الخارج بالمحافظين. غير أن هذا الاستنتاج غير صحيح، لأنه بُني على حساب غير موضوعي للنتائج ومبالغ فيه. فالتحالف الانتخابي شيء والمواقف السياسية والرؤى البرنامجية لكل تيار من التيارات شيء آخر. وبالتالي لا يمكن الخلط بين الأمرين. وإذا ما فصّلنا بين هذه التيارات، فإن النتيجة التي حصل عليها التيار الإصلاحي الذي كان سابقاً يقاطع الانتخابات تصبح أقل بكثير مما يصوّر.


ثالثاً: الانتخابات ومستقبل سياسات إيران
إن التيار المعتدل الذي يقوده الرئيس حسن روحاني، والذي تحالف انتخابياً مع التيار الإصلاحي، لا يمكن تصنيفه على أنه يؤيد وجهة نظر الاصلاحيين؛ فهو وإن كان يتميز بالمرونة والدبلوماسية في خطابه مع الخارج والانفتاح في الداخل، إلا انه في الوقت نفسه يتميّز بالحزم في الدفاع عن مبادئ الثورة الاسلامية وعدم المساومة عليها.
وهذا ما عكسته مواقفه وسياساته خلال المرحلة الأخيرة من المفاوضات النووية التي انتهت بنجاح إيران في انتزاع الاعتراف بحقوقها النووية وعدم تقديم أي تنازلات تمس سيادتها وحرية قرارها ومواقفها المبدئية من القضايا العادلة في المنطقة، وفي المقدمة قضية فلسطين والوقوف إلى جانب سوريا في مجابهة قوى الإرهاب التكفيري، ودعم المقاومة في لبنان. وهي القضايا التي طالما حاولت الولايات المتحدة، دون جدوى، إدراجها في إطار المفاوضات النووية.
كذلك من المعروف أن روحاني من رجالات الثورة وقادتها الذين أسهموا في بناء مؤسسات الجمهورية الإسلامية بعد إسقاط نظام الشاه، وشغل مناصب مهمة، وأبرزها تمثيل مرشد الثورة، الإمام علي الخامنئي، في المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يصوغ سياسات إيران الداخلية والخارجية، كما تولى في مرحلة من المراحل إدارة المفاوضات النووية بتكليف من المرشد، وقد وصفه المسؤولون الغربيون بأنه يمتلك قدرة دبلوماسية في التفاوض إلى جانب الحزم في الدفاع عن حقوق إيران. ولهذا فإن رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو حذر من الرهان على تبدّل موقف إيران في ظل رئاسة روحاني، ووصف انتخابه للرئاسة في حينه بأنه "مصيدة العسل" للغرب.
وإذا كان تيار الرئيس روحاني اليوم يدعو إلى الانفتاح والاستفادة من الفرص الاقتصادية بعد فك الحصار عن الجمهورية الإسلامية، إلاّ أنه يرفض السماح للشركات الأجنبية باستغلال ذلك للتغلغل داخل إيران وبناء مراكز نفوذ لها، أو إعطاءها امتيازات تمس بسيادة إيران واستقلالها الاقتصادي، وهو ما كان قد نبّه إليه الإمام الخامنئي، وما ينطبق على تيار الرئيس روحاني يسري أيضاً على التيار المبدئي المعتدل.
من هنا فإن التمايز بين تيار الرئيس الروحاني والتيار المبدئي المعتدل، وبين التيار المبدئي الراديكالي لا يمس جوهر الموقف الذي ينطلق من مبادئ الثورة والسياسات التي أرسى أسسها قائدها الإمام الخميني، ولكن التمايز هو في التكتيك وأسلوب وطريقة تحقيق هذه المبادئ والسياسات.
لا شك في أن الانتصار الجديد الذي حققته الجمهورية الإسلامية في المفاوضات النووية في ظل رئاسة روحاني شكل رصيداً مهما له لدى الشعب الإيراني، أسهم في تمكين تياره من تحقيق تقدم في انتخابات مجلس الشورى والخبراء.
انطلاقاً ممّا تقدم، يمكن القول إن نتائج الانتخابات عززت القوى والتيارات الملتزمة بمبادئ الثورة والرافضة لأي مساومة عليها، وإن الانفتاح الذي حصل مع الدول الغربية إنما جاء على أساس اعتراف هذه الدول بإيران دولة نووية واحترام سيادتها واستقلالها. ولهذا كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى زيادة تأييد الشعب الإيراني ودعمه لهذه السياسات التي أدت إلى تحقيق الانتصار الثاني لإيران، بعد الانتصار الأول لثورتها الإسلامية، وهو انتصار وضع إيران في مصاف الدول المتقدمة التي تملك المعرفة والقدرة على تحقيق قفزات في التنمية الاقتصادية والتقدم الصناعي، بعد أن نجحت في امتلاك التكنولوجيا النووية بقدراتها الذاتية وكسرت احتكار الغرب لهذه التكنولوجيا وتحكّمه فيها.
وبهذا المعنى فإن إيران تقدم لدول العالم النامي نموذجاً يؤكد لها أنه بإمكانها تحقيق تطورها وتقدمها وبلوغ المعرفة إذا ما امتلكت الإرادة الوطنية المستقلة والتصميم ورفض الخضوع لسياسات التبعية السياسية والاقتصادية للدول الغربية. ونستطيع القول إن الانتخابات الإيرانية التي قدمت نموذجاً حضارياً، جاءت لتؤكد انتصار النموذج الإيراني في بناء دولة مستقلة مرتكزة على مؤسسات ديمقراطية تمكنت بعد نحو أربعة عقود من الارتقاء بها إلى مصاف الدول المتقدمة في العالم.
* صحافي لبناني