بعد منتصف يوم اثنين الفصح في ٢٤ نيسان ١٩١٦ بقليل وعلى الدرج الخارجي لمبنى البريد الرئيسي في عاصمة إيرلندا دبلن، كان باتريك بيرسي، مدير المدرسة المحترم، يقف بين ثلّة من عتاة الثوريين الإيرلنديين الشجعان ويقرأ للعموم إعلان قيام الجمهورية الإيرلندية: تأكيد حق الشعب الإيرلندي في حكم نفسه مستقلاً عن بريطانيا، وحدة الشعب الإيرلندي في مواجهة خرافة الانقسام في إيرلندا التي غذّاها الحكم الأجنبي في البلاد وقيام نظام جمهوري مدني يضمن الحريات العامة والمساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص لكل الإيرلنديين والإيرلنديات. وقّع الإعلان السبعة أعضاء في المجلس العسكري للجمهوريين الإيرلنديين. صبيحة ذلك اليوم البارد، كانت قوّة مكونة من مئات ينتمون إلى تحالف من مجموعات مختلفة من المتطوعين القوميين واليساريين والعمال قد سيطرت على مواقع رئيسية عدة في العاصمة وأقامت مقراً للحكومة الجمهورية في بناية البريد.
هذا الحراك كان أول عمل ثوري حقيقي في إيرلندا منذ ثورة ١٧٩٨ والتي من بعدها ضُمت إيرلندا رسمياً إلى المملكة المتحدة (في عام ١٨٠٠). وهو عمل مسلّح اتسم بتحالف قوى ثورية عديدة غلب عليها ممثلو الطبقة الوسطى، لحصولها على تعليم أفضل نسبياً من الطبقات الشعبية العاملة، مع أنّ عمال النقابات كانوا طليعة قواتها الضاربة وقدموا معظم الشهداء. خطّط قادة الثورة لعمل أضخم مما انتهت إليه أحداث ذلك اليوم بكثير، لكن شحنة البنادق التي كان ينبغي لها أن تصل من ألمانيا ــ عدوة بريطانيا في الحرب العالمية ــ لم تصل ولم تتحرك في الساعة الصفر سوى قطاعات محدودة في العاصمة وعدد قليل جداً من المواقع خارجها، ما سهل محاصرة دبلن وتعرّضها لهجوم عنيف.
من دون أسلحة كافية ونتيجة لانعدام الاتصالات بين القطاعات الثورية وعلى الرغم من القتال المستميت والشجاعة الفائقة التي أبداها الثوريون في معارك جرت من شارع إلى شارع ومن طابق إلى طابق، فإن قوات الاحتلال البريطاني ما لبثت أن امتصت الصدمة الأولى واستقدمت تعزيزات هائلة وأطلقت حملة عنف غير مسبوق، حولّت دبلن إلى أطلال ولم توفر مدنيين أو نساء أو أطفال وهو ما دفع بقيادة الثورة إلى الاستسلام من دون قيد أو شرط مساء يوم السبت التالي. أعدمت السلطات ستة عشر من كبار قادة الثورة خلال أيام قليلة من وقف القتال وذلك بعد محاكمات صورية، بل وأطلقت النار على الزعيم اليساري جيمس كونوللي وهو جالس على كرسي لأنه كان مصاباً ولم يقوَ على الوقوف في وجه فرقة الإعدام. وشنّت سلطات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة النطاق بين المتعاطفين مع الثورة وفرضت أحكاماً عرفية قاسية على المواطنين وجُرّم العمل السياسي في محاولة محمومة لاستئصال جذوة التمرد.

الثورة فشلت عسكرياً وأُنهيت الجمهورية خلال أقل من أسبوع

إذن، الثورة فشلت عسكرياً وأُنهيت الجمهورية خلال أقل من أسبوع. اتهمها البعض ــ ومنهم إيرلنديون من المتعاطفين مع الحكم البريطاني ــ بأنها عمل متسرع تسبّب في حمام دم. وبعض فئات الطبقة الحاكمة في إيرلندا المعاصرة، تشعر بالحرج من استذكار الأحداث الدامية لأسبوع فصح عام ١٩١٦، حتّى أنّ بعض اليسار الأوروبي اعتبرها غير ناضجة لكونها قومية الجذور، فخانت بذلك قضية العمال. لكن المؤرخين المعاصرين اليوم يكادون يُجمعون على مفصلية هذه الأحداث، ليس في تاريخ إيرلندا فقط، بل وفي تحولات الأحداث في أوروبا كلها وعلى المسرح العالمي. فالثورة أعادت الاعتبار، بقوة، لفكرة استقلال إيرلندا في الخيال الشعبي الإيرلندي. وبدلاً من قتل فكرة الجمهورية في قلوب الشعب الإيرلندي أدّى القمع الأعمى الذي مارسته قوات الاحتلال البريطاني إلى تحول الثوريين المغامرين إلى شهداء وأبطال للأمة الإيرلندية، فتراجعت شعبية دعاة الحكم الذاتي تحت السلطة البريطانية وبالتالي بزوغ نجم الجمهوريين وهو الأمر الذي أدى ــ بعد مناورات سياسية وصراعات أهلية دامية ــ إلى استقلال إيرلندا وإن كان غير مكتمل بإبقاء شمالها جزء من المملكة المتحدة. كذلك فإن الثورة أوقفت تجنيد الإيرلنديين للخدمة في الجيش البريطاني خلال مذبحة الحرب العالمية الأولى التي شارك فيها حوالى ربع مليون من الشباب الإيرلنديين قضى أكثر من خمسين ألفاً منهم في خدمة حكومة جلالة الملكة التي تحتل بلادهم.
لكن هذه التجربة القاسية، كانت ذات أصداء واسعة وصلت الى أبعد بكثير من شواطئ الجزيرة الإيرلندية وأثارت زوابع من الجدل العاصف في أوروبا، لا سيّما في أوساط اليسار الأوروبي. لينين نفسه دافع عن الثورة المهزومة وكذلك تروتسكي. البعض اعتبرها مصدر إلهام للثورة الروسية عام ١٩١٧ بوصفها قدّمت للينين ورفاقه البلاشفة تجربة عملية ملموسة عن إدارة العمل الثوري المسلّح وفهم كيفية تعاطي الطبقات المختلفة والقوى الاجتماعية مع التغيير المسلح. أيضاً، فإن الثورة في ألمانيا والحركات الوطنية في الهند (١٩١٩) وفلسطين (١٩٢٠) ومناطق عديدة أخرى تعلّمت من شجاعة إيرلندا في مواجهة السلطات ويُعتقد بأنّها ساهمت على المدى القصير في إنهاء الحرب العالمية الأولى وعلى المدى المتوسط في تآكل وأفول الإمبراطورية البريطانية عن المسرح العالمي.
الحماس القومي الذي غلّف ثورة الفصح كان إطاراً لبذرة وعي طبقي أعمق بين العمال الإيرلنديين. ففي قلب الثورة كان القائد العسكري للقوات الجمهورية جيمس كونوللي يقول لرفاقه: «إن احتمال نجاحنا ضئيل للغاية، لكن إن انتصرنا فلن نحوز على الحرية السياسية فحسب بل وسيكون هنالك تحرر اقتصادي». لكن شرارة النضال التي أطلقها كونوللي ورفاقه لم تجد وقتها مناخاً مؤاتياً بين سكان إيرلندا الذين فوجئ معظمهم باندلاع القتال في العاصمة والمناطق الأخرى القليلة. وهكذا قاتل الثوار من دون دعم شعبي واسع وانتهوا إلى الهزيمة الكاملة في اليوم السادس. على أنّ الأحداث المفصلية الدرامية في التاريخ الإنساني ــ يقول البروفيسور لوك جيبون، أحد أهم المتخصصين في تلك الفترة من تاريخ إيرلندا ــ لا يمكن فهم أبعادها وتأثيرها الحقيقي إلا بعد وقت طويل من انتهائها. وهي الظاهرة التي وصفها مؤسّس علم السيكولوجيا سيغموند فرويد بأنها ظاهرة التأثر اللاحق ــ أي أن الخبرات تظهر لاحقاً للأحداث في أعمال الفكر والتعبير الإنساني المختلفة وغالباً من دون وعي. ويتهم البروفيسور جيبون ــ في خطاب ألقاه في مؤتمر أكاديمي حول ثورة عيد الفصح ــ دوائر الحكم في إيرلندا المعاصرة بفرض حصار غير معلن على كونوللي ورفاقه النبلاء، بتضييق مساحات التعبير الأدبي والفني عن ثورتهم واقتصار الذكرى على مقالات الصحف. لكن ورغم كل ذلك تبقى ثورة عيد الفصح، بعد مئة عام، مصدر إلهام لكل الثوريين والفقراء والحالمين بالتغيير. ولا شك أن إيرلندا المعاصرة ستجد نفسها مجبرة في نيسان المقبل على قراءة متجددة لمعنى ثورتها الأجمل، بعد أن لم يعد ممكناً التضييق على الوقائع التاريخية بفضل الإنترنت. أنت إذا مررت اليوم أمام الدرج الخارجي لمكتب البريد الرئيسي في دبلن وفي الشارع الذي أعيد تسميته باسم كونوللي، لن تقدر إلا أن تسمع صدى كلمات بيرسي وهو يقرأ على الأمة إعلان الجمهورية ــ الثوريون لا يموتون أبداً.
* مستشار في إدارة الأعمال وعلاقات الشرق - الغرب ـ لندن