حلّلنا في المقالة السابقة فكرة الرفض المطلق لممارسة العنف من وجهة نظر مسيحيّة، وأوضحنا المنطق الداخليّ لمحبّة الأعداء وإدارة الخدّ للضاربين، ورأينا أنّه من وجهة مسيحيّة النضال وليس اللاعنف هو المطلوب، وأنّ النضال اللاعنفيّ هو الأكثر انسجاماً مع الإيمان المسيحيّ، وأنّه في حالة التأكّد من استحالة النضال اللاعنفيّ من الممكن من وجهة النظر هذه ممارسة النضال العنفيّ دفاعاً عن الإنسان، على أنّه أهون الشرّين. على أنّ لكلّ من النضالين خصائصه والأهمّ شروطه (وبالأخصّ هنا سنشير إلى شروط النضال العنفيّ).


تفوّق النضال اللاعنفيّ عندما يكون متاحاً

إنّ تفضيل النضال اللاعنفيّ على ذاك العنفيّ لا يعود فقط لأسباب إيمانيّة وأخلاقيّة، بل له أسباب مادّية، تكتيكيّة واستراتيجيّة. فالنضال اللاعنفيّ بسبب من احترامه لحياة الخصم، أو العدو، يسمح بوجود تجانس بين الوسيلة والغاية بحيث يتجنب تسميم الغاية بواسطة الوسيلة، ويسمح بمواجهة إشكاليّة تسلّح الخصم وتفوّقه بالسلاح الذي عادة ما يسمح للخصم بتحقيق انتصار ساحق. كما أنّ النضال اللاعنفيّ يُبقي ثمن المواجهة (من ضحايا ودمار) أقلّ من ثمنها بواسطة النضال العنفيّ. ثمّ أنّه يسمح بمشاركة قطاعات واسعة من الشعب في عمليّة التحرير عوض أن تنتصر للشعب مجموعة مسلّحة صغيرة عادة ما تنقلب لاحقاً على الشعب باسم نضالها وتضحياتها، فتستأثر بالسلطة وتظلم. والنضال اللاعنفيّ يسمح ويساهم بشقّ صفوف العدوّ/ الخصم إذ أنّه يضرب مصداقيّته ويثير الانقسام في صفوفه بفضح جرائمه، وفوق ذلك ينزع الخوف من جمهور العدوّ/ الخصم ذاك الخوف الذي قد يدفعه إلى التكتّل والتحجّر في مواقفه. وأخيراً، فإنّ النضال اللاعنفيّ يجرّ العدوّ/ الخصم إلى ساحة لا يعرف كيف يتعامل معها، فالقامع العنفيّ يعرف تماماً كيف يواجه مقاومة عنفيّة لأنّ العنف ميدانه المتميّز، ولكنّه لا يرتاح لمقاومة لاعنفيّة لأنّه يعرف أنّه كلّما قمعها ألّب الرأي العام ضدّه، وفضح طبيعته الوحشيّة.
طبعاً، هذا كلّه في حال كان للنضال اللاعنفيّ حظٌّ في الوجود والفاعليّة والتأثير.

مبادئ ضروريّة للنضال العنفيّ

لكن بعد التحليل وتقدير الأوضاع، إن وجدت المجموعات المناضلة أنّ النضال اللاعنفيّ غير متاح (كما في حالة الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان، أو داعش)، وأنّه بالتالي لا مجال سوى لممارسة النضال العنفيّ، عندها تنبغي المواجهة العنفيّة. إلاّ أنّ محبّة الأعداء تحتّم الالتزام بشكل صارم ببعض الضوابط خلال هذا النضال، وهي ضوابط لها أبعاد أخرى عدا المسيحيّة أو الأخلاقيّة. إنّ للنضال العنفيّ المتفلّت من أيّ ضابط محاذير متعدّدة وخطيرة قد تدفع بالنضال العنفيّ إلى الانحراف عن أهدافه المُعلَنة.

من الضروريّ تنمية النزعة النضاليّة وإعطاؤها حقّها في التربية

المنزلق الأوّل هو أنّ العنف الذي لا ضوابط له، يأخذ بمجامع الإنسان وعقله فيعطيه شعوراً واهماً بأنّه كلّي الاقتدار، فإذا به ينزع إلى تدمير الآخرين مجّاناً من دون هدف، وعادة ما ينجرف لممارسة التدمير المجّانيّ والتعذيب، وينقلب هكذا الدفاع عن الحقّ إلى جريمة.
المنزلق الثاني، هو أنّ الإنسان بلا ضوابط قد يتماهى بالعدوّ المعتدي، فيتمثّل مواقف ذاك العدو وأساليبه من قمع وتعذيب ووحشيّة واستغلال، فيمارس هذه الأمور ذاتها مع الناس الذين هم تحت سلطته أو الذين لا يفكّرون مثله داخل البلد الواحد، أو المجموعة نفسها.
ثالثاً، يمكن للإنسان أن يُسقِطَ على خصمه (أو عدوّه) رغبته الذاتيّة بتدمير ذاك الخصم (كما في الحروب الأهليّة، وخاصّة بين الطوائف) فيصوّر الخصم على أنّه شرّ مطلق، ويخرجه من نطاق الإنسانيّة، وذلك تمهيداً لتبرير الفظائع التي ينوي ارتكابها بحقّه.
وأخيراً فإنّه يمكن للإنسان المدافع عن مثال أعلى كالحرّية والكرامة والوطن وفلسطين والمسيحيين والمسلمين وأيّ أمر آخر، أن يماهي بين ذاته و/أو مجموعته من جهة، وبين المثل الأعلى من جهة أخرى، وبذلك يسمح لنفسه بارتكاب الفظائع والمجازر بخصمه وعدوّه، بحجّة الوفاء للمثال الأعلى والدفاع عنه.
إذاً، من الضروريّ أن يتمّ النضال العنفيّ ضمن ضوابط صارمة ليس فقط لأسباب إيمانيّة وأخلاقيّة، وإنّما حتّى لا ينقلب النضال إلى تدمير، ويتحوّل المناضلون شيئاً فشيئاً إلى قامعين شبيهين بالذين كانوا يقاتلون يوماً ضدّهم. ومن هذه الضوابط الصارمة: اجتناب احتقار الخصم وتجريده من إنسانيّته، وتجنّب تمجيد العنف كعنف أو إضفاء مشروعيّة مطلقة عليه، فالعنف يجب أن يبقى وسيلة وليس هدفاً، وأخيراً حصر العنف في هدف إزالة الظلم، ممّا يعني أنّه ينبغي احترام حياة الخصم عبر تجنّب إبادته ما أمكن، واحترام حياة الجريح، واستبعاد كل عمل يُقصَد منه التشفّي والانتقام كي لا يتشرّب المقاتلون ذهنيّة الجلاّدين، وينقلبون على هدف التحرير.

الثقافة المطلوبة في حالة بلادنا

إنّ تأكيد إيجابيّة النضال في الحياة، وعلى أولويّة النضال اللاعنفيّ، يعني أنّه من الضروريّ تنمية النزعة النضاليّة وإعطائها حقّها في التربيّة، من خلال إعطاء مشروعيّة للدفاع عن الذات وعن الآخرين ومقاومة الشرّ والشهادة للحقّ والتعبير عن الرأي وغير ذلك، وهذه أمور يمكن للإنسان أن يعيشها منذ طفولته في عائلته ومدرسته ومجتمعه. الأولويّة من وجهة نظر مسيحيّة، ليست للاعنف سلبيّ، ليست لمجرّد انكفاء عن العنف قد يكون باهتاً وفاتراً ومتخاذلاً وخانعاً، وإنّما الأولويّة هي لممارسة فِعْل نضال بأسلوب لاعنفيّ. هذا النضال اللاعنفيّ المتوافق مع النزعات الإنسانيّة الفطريّة للدفاع عن الحياة، يوازن بين محبّة المظلومين ومحبّة الأعداء، ويحترم حياة العدوّ أو الخصم ويميّز بينه وبين شرّه. هذا الخطّ من النضال اللاعنفيّ هو الخطّ الأسلم مسيحيّاً. وإن كان لا مفرّ من النضال العنفيّ فينبغي أن يتمّ ذلك ضمن الضوابط التي ناقشناها وبيّنّا فيها اجتهادات اللاهوتي كوستي بندلي.
وبعودتنا على السؤال الذي طرحة الإعلامي الشامي على قطّان وأبو مراد فإنّنا نرى بأنّ كلّ من موقف الإعلامي ومحاوريه محقّين، وإن كان رأي كلّ جهة وحده يمكن أن يودي بنا إلى أوضاع مأساويّة: إمّا عنف أعمى غير مضبوط وأهدافه غير واضحة (استمرار نظام ظالم أم إقامة نظام عادل؟) من جهة، أو مبادئ غير فاعلة في الأوضاع المتأزّمة الواقعيّة، من جهة أخرى.
فداعش مثلاً لا يمكن مواجهتها بثقافة اللاعنف، التي ردّدها قطّان. ففي ملحاحيّة الحرب والقتل والتدمير المُمَنهج، لا يمكن الحوار مع الداعشيّة وهو ما لاحظه أبو مراد، ولا نعتقد بإمكانيّة مواجهة داعش ومثيلاتها بطرق نضال لا عنفيّة، وذلك استناداً لمنطقها الداخليّ وتصرّفاتها. ومن هنا فإنّ الدعوة التي أطلقها بطريرك الموارنة يوماً للحوار مع داعش لا معنى لها، ولا هي منطقيّة. لذلك، فإنّنا نرى بأنّ النضال العنفيّ ضدّ داعش هو النضال الممكن، عملاً بمبدأ أهون الشرّين الذي شرحناه، ولكن (وهي «لكن» تتوقّف عليها أمور كثيرة) ينبغي أن يلتزم الطرف الذي يحارب بجملة القوانين الصارمة التي ذكرناها، وهو ما نشكّ أنّه محقّق حاليّاً، وبالتالي فإنّنا نعتقد بأنّ الانتصار على داعش ليس مرشّحاً لإرساء تقدّم في الحرّية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانيّة؛ كما أنّ مَن يقاوم داعش لا بدّ أن يطرح على نفسه ليس مجرّد سؤال: ضدّ مَن هو يقاوم، وإنّما أيضاً: بأيّ هدف وأفق هو يقاوم؟ فالسؤال الكبير المشروع هو أين يصبّ هذا النضال؟ إذ ينبغي أن يكون النضال ليس مجرّد نضال «ضدّ» وإنّما يجب أن يكون نضالاً «من أجل»، من أجل هدف، وبرأينا، ينبغي أن يكون هدف تحقيق حياة إنسانيّة كريمة تساوي بين الناس في دولة عادلة. إلّا أنّ السؤال عن الهدف هو غاية النضال هو الغائب حاليّاً. هل ستصبّ مقاومة داعش بإعادة إنتاج نظام قمعيّ يطحن إنسانيّة الإنسان أم بإرساء نظام حكم يحترم إنسانيّته؟
ومن هنا، فإنّ طرح الإعلاميّ الشامي بضرورة العنف ضدّ داعش، مهمّ جدّاً، والإجابة عليه من وجهة نظر مسيحيّة ضروريّة. إلّا أنّه يبقى طرحاً غير كاف على ملحاحيّته، نظراً إلى مخاطر النضال العنفيّ، والتعامي التام عن هذه المخاطر في منطقتنا، هذا التعامي الذي ولّد دوّامات مدمّرة عبثيّة من العنف والعنف المضاد (لاحظ الحرب الأهليّة-الإقليميّة اللبنانيّة والسوريّة). كما أنّ هناك بعض المسيحيّين الذين قد يدعون إلى العنف في إطار طائفيّ، لتحقيق مكاسب سياسيّة وماليّة أو طائفيّة، وبعضهم نراه يهلوس باسترجاع القسطنطينيّة! ومن هنا ينبغي التشديد على أنّه في إطار الوطن أيّ حمل للسلاح يجب أن يكون في إطار غير طائفيّ، أي في إطار وطنيّ، من دون أن يزيل ذلك السؤال الضروري حول هدف النضال (ضدّ ماذا ومن أجل تحقيق أيّ وضع؟). كما يجب إعادة النظر في شروط النضال العنفيّ، الذي تستسهله منطقتنا، والذي يُطرح عادة كحلّ أوّل لمواجهة أيّ قمع وظلم، حتّى الداخليّ منه. في محيطنا، هناك تمجيد للعنف كعنف، وللسلاح كسلاح، وهناك تجريد متواصل للعدو أو للخصم داخل الوطن الواحد من الإنسانيّة، وبالتالي هناك حالة تبرير دائمة لأيّة فظائع ترتكبها الجماعة الذاتيّة بحقّ جماعة الخصم او العدوّ. كما وهناك محاولة احتكار واضحة للحقّ والمثال الأعلى، ولله نفسه، من قبل جماعات متحاربة في أكثر من بلد. ثمّ أنّ هناك ميلاً لقبول الظلم بحجّة أنّ هناك ما هو أسوأ منه، عوض نقد الظلم والدعوة لإقامة أنظمة حكم تحترم الإنسان.
لأجل ذلك تنبغي موازنة طرح النضال العنفيّ، الذي أكّد عليه بشكل غير مباشر الإعلاميّ الشامي، بنزع صفة القداس عن العنف، وهو ما أكّد عليه قطّان، وبنشوء ثقافة حوار ملموس مخاطب للبيئة الاجتماعيّة كما أشار أبو مراد؛ ففي النهاية، عدا التعليم الدينيّ التكفيري، ما ساهم بإنشاء داعش هو استسهال العنف، وتقديس العنف، واستتباب الظلم في كلّ بلد عربيّ، وما سهّل نشوء التصرّفات الدمويّة لدى أكثر من فريق في المنطقة، خلال فترة طويلة من الزمن، هو استبطان أنماط العنف المؤسّسيّ، المتفشّي في مجتمعاتنا على شكل أنظمة بوليسيّة قمعيّة سياسيّاً وقمعيّة اقتصاديّاً، وعلى شكل استيطان مدمّر اسرائيليّ، وعلى شكل استغلال استعماريّ أوروبيّ وأميركيّ لبلادنا.
ولكن ما نطرحه ليس نشوء ثقافة لاعنفيّة، فهكذا طرح غير كافٍ ويجب تصحيحه عن طريق إضافة صفة النضال عليه. وهذه الإضافة ليست مجرّد إضافة لكلمة، وإنّما هي تُنشِئ في الذهن والعقليّة والمشاعر توجّهاً فاعلاً حيويّاً، مختلفاً تماماً عن مجرّد «اللاعنف»، وتعطي شرعيّة إيمانيّة وأخلاقيّة للالتزام الفاعل الحيويّ للمظلومين في مسيرة مواجهتهم للظلم بوسائل لاعنفيّة، عوض الاستكانة، وانتظار المجهول، والاستسلام المدمّر.
إنّ التركيز على نشوء ثقافة نضال لاعنفيّ هو أمرٌ حيويّ جدّاً ولا يمكن التقليل من أهمّيته، وهو أمر أشار إليه أبو مراد. هذه الثقافة عليها أن ترتكز على أولويّة ومحوريّة الإنسان، وعلى أولويّة ومحوريّة الحرّية والكرامة الإنسان معاً (لا واحدة دون الأخرى) وعلى ضرورة احترام الاختلاف، ووضع أطر سياسيّة لهذا الاحترام للاختلاف في دولة علمانيّة غير مناهضة للدين (دولة أشار إليها قطّان)، تؤسَّس على الحرّية والعدالة الاجتماعيّة، وتستطيع الدفاع عن نفسها ضدّ الاستنزاف الاستعماريّ المتمثّل في السياسات الأوروبيّة والأميركيّة (التي أغفل قطّان عن نقد دورها في تمزيق منطقتنا عبر إسرائيل وانتاجها للحروب).
هذه الثقافة التي من مسؤوليتنا انتاجها، تتطلّب، ومن شأنها أن تؤدّي إلى، أن نعيد النظر بكلّ رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، وتسمح ليس فقط بالتعاضد والحرّية، وإنّما أيضاً بأن يتوحّد المواطنون في البلد الواحد كشعب يتساوى فيه المواطنون، عوض أن يتعايشوا كجماعات دينيّة متجاورة، وربّ يَسمح ذلك بأن نتوحّد في بلدان المنطقة كشعوب. ثقافة النضال اللاعنفيّ هذه، من شأنها أن تسمح بوحدة بين المواطنين، وبانتهاج نهج لاعنفيّ في التعامل مع الاختلاف ومع قضايا الظلم والعدالة داخل الدولة الواحدة.
من دون التأكيد على النضاليّة في اللاعنف، والتأكيد على ضرورة المواجهة النضاليّة العنفيّة (ضمن شروط جدّية) عند انتفاء إمكانيّة النضال اللاعنفيّ، يبقى طرح اللاعنف متجاهلاً لعالم الضرورة وما يطرحه علينا من تحدّيات تواجهنا على أصعدة متعدّدة، منها الصعيد الإيمانيّ وضرورة الاجتهاد فيه.

خاتمة

هذه الرؤية المتوازنة والتي تجمع بين محبّة الأعداء ومحبّة المظلومين من خلال روح نضاليّة تُعطي الأولويّة للوسائل اللاعنفيّة في مواجهة الظلم، قبل أن تنتقل في حال استحالتها إلى وسائل عنفيّة في مواجهة الظلم، أو تستخدم الوسيلتين معاً (كما في حالة فلسطين مثلاً)، تنجّينا من تطرّفين أشار إليهما بندلي، الأوّل هو «رومنسيّة العنف» و«ميكيافيليّته» التي تتعامى عن المخاطر التي تكتنف استعمال العنف، ومنها انفلات الغرائز وانقلاب العنفيّين على المبادئ التي حملوها وتنكّرهم في النهاية للعدالة المرجوّة؛ والتطرّف الثاني هو «طهريّة لا عنفيّة» تريد إحقاق العدالة ولكنّها ترفض ممارسة العنف، مهما كلّف الأمر، فتفوّت على نفسها فرصة إحداث تغيير عادل، وتنقلب بذلك على أهداف تحقيق العدالة التي يريدها أصحاب هذا الطرح.
بالطبع، بين هذه الرؤية وبين واقع منطقتنا مسافةٌ بعيدة، ولكن لا بدّ من قطعها. الخيارات مفتوحة: إمّا أن ينجرّ المسيحيّون والمسلمون والملحدون في منطقتنا إلى العنف والمزيد منه، أو ينجرّ المسيحيّون بشكل خاص إلى المزيد من الانكفاء والتقوقع والخروج من مسؤوليّاتهم التاريخيّة كـ«جسد» للمسيح يشهد للمحبّة الفاعلة، أو يُنْتِج المخلصون من مسلمين ومسيحيين وملحدين، جميعاً ومعاً، فكراً وممارسةً، لخطٍّ يجمع بين النضال - عنفيّاً كان أم لاعنفيّ - وبين مركزيّة الإنسان الفرد الحرّ، الذي يتعاضد مع البشر إخوته في الإنسانيّة مهما كانت عقيدتهم.
من ناحية إيمانيّة هذا يعني عودة إلى مبدأ إيمانيّ أساس ألا وهو أنّ الناس جميعاً، بلا أيّ استثناء، هم أولاد الله، وأنّهم بالتالي جميعاً، بلا أيّ استثناء، أخوات وإخوة، حتّى الخصوم والأعداء منهم، الذين تنبغي مجابهتهم بلا هوادة وبكلّ ما أوتي للإنسان من قوّة نضاليّة، بالأسلوب اللاعنفيّ أو العنفيّ عند الضرورة القصوى، ومن وجهة نظر مسيحيّة، ينبغي أن يرتبط الأسلوب بالمحبّة، بالمعنى الذي شرحناه والتبعات الصعبة التي شرحناها.
أيّ انفكاك للنضال عن المحبّة وتبعاتها يودي بالنضال وغاياته، ويُخَلّد الاستغلال والظلم تحت وجوهٍ أخرى، فيستمرّ سحق الإنسان باسم ألف شعار وشعار.
* أستاذ جامعي