لعلّ ذلك الضيف الرسميّ الذي هبطت به الطائرة الإماراتيّة يوم 9 شباط 2011 في مطار القاهرة، كان يدرك أنّها زيارته الأخيرة لـ«الرئيس» حسني مبارك. شاع حينها أنّ وزير الخارجيّة الإماراتي عبد الله بن زايد كان قد أتى وفاء لعهد بين والده الراحل ومبارك أن يرعى أحدهما شؤون الآخر وعائلته فيما إذا غدر الزمان بأحدهما. وعلى وقع الهدير في ميادين مصر كان ضيف القصر الرئاسيّ يعرض على الرئيس الانتقال إلى الإمارات.


لم ينتقل الرئيس، وجرى ما جرى، غير أنّ التدخّل الإماراتي لم ينكفئ، وأخذت المطالبات تتوالى بعدم محاكمة الرئيس المخلوع، وذلك لقاء تقديم الإمارات «تعويضات»، ولمّا جاءت الأحداث على غير ما تمنّت، من شروع في محاكمة، وانتخابات أوصلت الإخوانيّ محمّد مرسي رئيساً، مارست الإمارات تدخّلاً: باستخدام ملياراتها حجباً عن الاقتصاد المصريّ المهلهل، وباستخدام التضييق في وجه حركة الدبلوماسيّة المصريّة، مع استمرار التعريض بحركة «الإخوان» خليجيّاً وعربيّاً، لتعود وتمارس التدخّل مقلوباً (وبمشاركة السعوديّة والكويت) بفتح باب أعطياتها بعد إطاحة العسكر الرئيس الإخواني.
لم تأبه الصحافة لهذا الخيط المتسلسل من الأحداث، بل تناوله بعضها أحداثاً متفرّقة، ففقدت هذه دلالتها في أذهان الناس، إذ حينما ضجّ الإعلام بالشكوى ممّا اعتبره فشلا إخوانيّاً في معالجة القضايا المعيشيّة الملحّة، ثمّ حين احتفى بتحسّن وضع البورصة، أو انفكاك أزمة الوقود – على سبيل المثال ـــ غداة إطاحة مرسي، لم يجرِ تظهير دور الحجب والمنع في ما يخصّ المساعدات الأجنبيّة (ومنها الإماراتيّة) المقدّمة إلى مصر. ولم يُشرح أثر هذه الأدوار في رسم (صورة) الحكم في أذهان الناس.
ولكن، لماذا نتوقّع أن يجري هذا الشرح أصلاً؟! هل بوسعنا تخيّل الصحافة باعتبارها سلطة نزيهة فوق الشبهات والأهواء، حيث يكون همّها إيصال «الحقيقة» إلى الناس ولو عن طريق عرض مختلف الرؤى – على أقلّ تقدير - للحدث الواحد؟! إذا كان من الخرافة تخيّل أمر كهذا، فإنّ من التخاذل أيضا الانصياع لواقع معاكس تماماً، والتسليم بأنّه لا يمكن للأمور أن تجري سوى بما جرت عليه. إذا كان الخطاب الإعلاميّ تابعاً لمن يموّله أو يملك السيطرة على أدواته متحدّثاً باسم مصالحه، فليس أمام المتلقّي سوى فحص هذا الخطاب (على تنوّع مشاربه ومنطلقاته)، وذلك بحثاً عن مصلحته هو بالذات أي متلقّي الخطاب.

خطاب «الإخوان»

يتساءل المراقب وهو يتابع المشهد: جماعة تبلغ الثمانين من العمر، خاضت مواجهات ومحناً على مدى عقود، ولا تزال، وتستند في خطابها إلى رؤية دينيّة (مع ما يرتبط بهذه الرؤية من مخزون ثقافيّ ولغويّ)، كيف لا تجد من يولي سلاحها الخطابيّ العناية المستحقّة؟!
ليس المقصود هنا الخطاب بمكوّناته الفكريّة العميقة، فالخلاف بشأن هذه المكوّنات طبيعيّ، إذ هناك من يخالف الرؤية الدينيّة ابتداءً، أو تدخّلها في السياسة تحديداً، لكنّ المقصود هو الخطاب بأدواته المباشرة الموصلة إلى الجمهور، ولعلّ أهمّها المنبر: مسجداً وميداناً وقناة تلفزيونيّة. فلمَ تفتقر جماعة من هذا النوع إلى قادة المنبر؟ لمَ لمْ تتقن حتّى الآن فنّ الخطاب: الخطاب الموجّه إلى أتباعها أوّلاً، وإلى مجتمعها ثانياً، وإلى العالم ثالثاً؟! لم ظلّ الخطاب أسير لحظتين متضادّتين: اللحظة الضاغطة، لحظة المحنة، المستدعية مفردات المظلوميّة ماضيها وحاضرها، والمحشِّدة وفق منطق يستبطن تقسيماً حادّاً للمجتمع، ومثال ذلك ما افتتح به مرشد الجماعة خطاب ميدان رابعة الحاشد «... والله لا يحبّ كلّ خوّان كفور، من خانوا العهد، وخانوا القائد، وخانوا الأمّة...». واللحظة الواهمة، لحظة الظنّ بالنصر الناجز، الّذي يمكّن صاحبه من فتح سجلّ الحساب ليقول – مثلاً -: «الستّينات وما أدراك ما الستّينات»! لم غابت بين اللحظتين وفيهما لغة الحكمة والترشيد؟!
كيف كان للغة كالّتي انطلقت من منبر رابعة أن تفعل سوى التأجيج، تأجيج العاطفة في ظرف دقيق يتطلّب، أشدّ ما يتطلّب، صرامة التفكير، ووزن التدبير بميزان الذهب؟!
وكيف كان لأخطاء فادحة في الشكل وفي التناول وسمت خطابات «الرئيس» مرسي أن تفعل سوى تعميق الهوّة بين الرئاسة (أو الجماعة) والملايين من الناس، وتوفير المسوّغات لانقضاض الخصوم مع تباين أهدافهم؟!
وكيف كان لخطاب داعم يقدّمه مثل الشيخ القرضاوي أن يفيد حقّاً فيما هو واقع في أسر الاعتقاد بأنّنا في زمن مفردات مثل «البيعة» و«الخروج» و«الفتح المبين»؟! ودون الانتباه إلى الإشكاليّة التي يثيرها هذا الخطاب، وذلك بوقوف صاحبه في ظلّ نظام وكيل عن بعض القوى الكبرى؟!
وكيف لخطاب لا يفهم حقّاً موازين القوى المحليّة، وامتداداتها الإقليميّة والدوليّة، أن يكون خطاب حكم يسعى إلى التمكين؟ كيف لخطاب باعث على الريبة في نفوس مواطنيه (قبل النخب صاحبة الأجندات بالضرورة)، الريبة من حقيقة الموقف تجاه القوّة العظمى (أميركا)، والعدوّ التاريخيّ للأمّة (إسرائيل)... كيف له أن يكون سوى ورطة جديدة محقّقة؟!
غير أنّ التدقيق في هذا كلّه لا بدّ أن يحيل على تفسير مركزيّ: ظنّت الجماعة أنّها وصلت فعلاً، فجاء خطابها، وهي تحاول نفي تهمة تفرّدها بالذات، ليوحي بأنّها تعتقد بامتلاكها مقاليد الأمور، فلم يبق سوى أن تحكم وتنفّذ!
لم تفطن الجماعة إلى أنّها لم تقد الثورة المفترضة، ولم تدرك حجم الفخّ الذي مشت إليه، حينما أسهبت في تقديم الوعود، غافلة عن الواقع وموازينه، ولم تستوعب أنّها مبتدئة في السياسة بوجهها التنفيذيّ، فكان أن وجدت نفسها في مواجهة كلّ الخراب المؤسّس له والمتراكم عبر عقود! فهل كان يمكنها أو يمكن ممثّلها على كرسيّ الحكم إلّا الفشل؟! ألم يكن من السذاجة الظنُّ بنهوض الجماهير للانتصار «لمظلوميّتها» بمجرّد الشكوى والنواح أمام ملايين المواطنين، في الميادين والبيوت؟! ألم تقرأ الجماعة تاريخها نفسه؟!

الفلول يلتحقون بالميدان

إذا كان هناك من أثار الشكّ حول مغزى استعمال المصطلح (الفلول)، على اعتبار أنّه صار مطيّة لتبرير فشل «القابضين» على مقاليد الحكم، فإنّ حقائق الواقع العيانيّة تؤكّد أنّ المصطلح غير مفتقر إلى أساس. نعم، الفلول موجودون، وهم لم يغيبوا أصلاً!
في الإعلام كان وجودهم، ولا يزال، صارخاً. ومن غريب ما سمع أخيراً تصريح لدريّة شرف الدين وزيرة الإعلام في حكومة الببلاوي، التي قالت في مقابلة مع صحيفة «المصري اليوم» أجريت قبل أيّام قليلة، ردّاً على سؤال عن موقفها من «إرث صلاح عبد المقصود» وزير الإعلام الإخوانيّ: «ليس إرث صلاح عبد المقصود فقط، حكم «الإخوان» ترك مخلّفات كثيرة جدّاً في مصر، وأصاب المبنى بعامليه ما أصاب الحياة المصريّة من كسل وتلف وقصر نظر وتحيّز وتصلّب فكر وفقر إبداع ورغبة في الاستحواذ». هكذا إذن! كانت الحياة المصريّة نشيطة فأضحت بعد عام واحد من «حكم الإخوان» كسولة، وكانت صالحة فصارت تالفة، وكانت بعيدة النظر فصارت قصيرته، وكانت موضوعيّة تعدديّة مرنة فصارت متحيّزة متصلّبة منحازة، وكانت غنيّة الإبداع فافتقرت... كلّ هذا في عام واحد بسبب جماعة! فأيّ جماعة جبّارة هي هذه؟! تلقي الوزيرة بمسؤوليّة كلّ هذا الّذي تصفه على عاتق من حكم – إن كان قد حكم فعلاً - لمدّة عام واحد، ولا تلقي بالاً لمن عاث فساداً في الإعلام المصريّ (وسواه من المجالات) لعقود، ولا تزال شاشاته الرسميّة والخاصّة موجودة على الهواء وبعضها عار على الإعلام وأهله!
يضيق المجال عن عدّ رموز الإعلام من الموالين جهاراً نهاراً لنظام حسني مبارك، الّذين كانوا – بشهادة الصوت والصورة - ضدّ ميدان 25 يناير، وظلّوا يمارسون اللعب على الحبال المتوافرة، مغازلين المجلس العسكريّ في حينه، مظهرين «شجاعة فائقة» في نقد «تسلّط» الإخوان ورئيسهم، مدافعين بحرارة عن «الحرّيّات»، مردّدين الهتاف مجدّداً للقائد العسكريّ «الفذّ» الذي «فوّضته الجماهير»! يعضدهم جيش من النجوم في الفنّ والرياضة والمجتمع، جيش كان في معظمه من أزلام مبارك (ونسائه)، بكاه بحرقة، وعادى من احتفلوا بترنّحه في شباط 2011! هؤلاء الآن يمارسون مهنتهم في «التمثيل» متّخذين أدوار البطولة في «التنوير والإبداع»، فأدوار البطولة محجوزة لهم! وكثيرون منهم تحوّلوا إلى مفتين ومحلّلين في السياسة، وضالعين في أمرها، وإن كان ميدان «التحرير» قد فاتهم في تمثّله الأوّل فإنّ تمثّله الثاني اتّسع لهم!
«فتّش عن المال» حكمة قديمة لا تصدأ، لكن يبدو أنّه لا يراد الالتفات إليها اليوم، وهكذا لن يتساءل كثير من الملايين المصريّة والعربيّة عن مموّلي القنوات المصريّة والصحف الخاصّة، ولن يراجعوا تاريخ ولاءات أصحابها، ولا مصالحهم وارتباطاتهم القديمة الجديدة، خلوصاً إلى مغزى الرسائل التي يكرّسها القصف الإعلامي المركّز من قبل هذه الأدوات.
لم يتساءل كثير من الناس عن معنى «الاستحواذ الإخوانيّ» بينما كانوا يتابعون إعلاماً مثابراً على إبراز رواية «فشل الإخوان» في إدارة الدولة وشؤون الناس، وإعلاماً مصرّاً بلا هوادة على الشتم والإسفاف الذي بلغ حدّاً يمكن وصفه بالشرشحة والتهزيء لمن يفترض أنّه الرئيس، الرئيس المنتخب على كلّ حال!
المعضلة أنّ كلام الوزيرة السابق ليس كلاما فرديّاً، إذ هناك سياسة كاملة نحت نحو تظهير الفشل وتعظيمه، والتعمية على دور المسؤول التاريخيّ في الوصول إلى الواقع المزري الذي يرزح الناس تحت أثقاله. ولكن، لا وقت لإثارة التساؤلات، فالإجابات «الصحيحة» حاضرة، وما على الجميع إلّا حفظها وترديدها!

الأمر لا يخلو من «حماس»

على نحو آليّ جرى الربط إعلاميّاً بين «حماس» وحكم مرسي، على أساس أنّهم «كلّهم في الهمّ إخوانُ». ليس أساس الربط – طبعاً - هو الجائر، ولكن ما آلت إليه «التحليلات»، فقد سيقت الروايات والأساطير عن أدوار «حماس» في نصرة الرئيس وجماعته، بل ومحاولات الفتك بخصومهم، نظراً طبعا لـ«فائض» قوّة «حماس» الّتي تزيد عن حاجة القطاع المحاصر لتدبير شؤونه. فأصبحت «حماس» بحجم سيناء كلّها (سيناء الّتي تزيد مساحةً عن فلسطين التاريخيّة)، بل ويتمدّد الأخطبوط الحمساويّ إلى القاهرة وما تيسّر من محافظات مصريّة، فيرسم ويحكم، ويسلّح ويطلق مساجين، ويدبّر مؤامرات ويقتل جنوداً... مصريّين! يبدو أنّ الملائكة أيضاً تحارب مع «حماس» لتجري كلّ هذه المعجزات على يديها! ولكن مهلاً! ليست هذه اللغة الإعلاميّة اعتباطيّة، إنّها تعبير عن هدف واضح الدلالة لمن شاء التفكّر: فلسطين وشؤونها عبء ينبغي التخفّف منه، فإن كان الأمر مستحيلاً بالنسبة إلى الوجدان الشعبيّ المصريّ، فليجرِ إذن تصوير الأمر على أنّه انتصار لمصر على إرهاب يريد بها شرّاً، وليتواصل هدم الأنفاق، والمغنم مزدوج: فلا فلسطين تثقل الكاهل، ولا «إخوان» فوق الكرسيّ! وللمغنم امتداد ثالث، فالتهميش الاقتصادي والاجتماعي لسيناء وأهلها لن يعطى هذا الاسم، وستفسَّر كل الممارسات السلطويّة الجائرة هناك على أنّها حرب على الإرهاب!

السيسي رئيسي

لم يكن تمييز العسكر عن سائر قوى الدولة والنظام أمراً طارئاً في الخطاب الشعبيّ العامّ، فمنذ 25 يناير 2011 وعبارة «الشعب والجيش إيد واحدة» هتاف معترف بشرعيّته. وقد تلقّف العسكر الإشارة، فتصرّفوا بحساب دقيق وفق موازين القوى، وابتداء من تلك التحيّة التلفزيونيّة التي أدّاها المتحدث العسكريّ في البيان الشهير تكريما لشهداء «الثورة»، أخذ بناء خطاب العسكر يتطاول ارتفاعاً. ورغم أنّ أحداثاً جسيمة مرّت ويتحمّل مسؤوليّتها حكم المجلس العسكريّ برئاسة طنطاوي، مثل أحداث «محمّد محمود»... رغم ذلك ظلّ اسم العسكر يتردّد، تارة بصوت مرتفع، وتارة بإشارات خفيضة، باعتبارهم المظلّة «المجمع عليها»، وخصوصاً من قبل مناوئي ميدان «التحرير» الأوّل. وبمرور الأيّام في عام «الحكم الإخوانيّ» كانت الإشارات الخفيضة المطالبة بالعسكر تزداد ارتفاعاً، ومع بروز السيسي إثر إقالة طنطاوي وعنان بدا أنّ المناخ آخذ في التهيّؤ لقيادة عسكريّة شابّة!
وفي ظلّ هذا المناخ المتصاعد لمصلحة صورة العسكر جاءت دعوة وزير الدفاع (قائد الجيش) إلى حوار بين مختلف القوى تحت رعاية الجيش، دعوة كان منطقيّاً عدم احتسابها ضمن فولكلور الحوار المجتمعيّ، فإمّا نحن إزاء منتديات أهليّة، وإمّا نحن إزاء دولة.
ولم تكن مقولة شخص مثل أحمد شفيق (المنتمي أصلاً إلى المؤسّسة العسكريّة)، حين توعّد أثناء الدعوة إلى ميدان 30 حزيران «الخونة والمارقين بتهذيبهم أو القضاء عليهم»، سوى جزء من خطاب يحمل العسكر إلى الواجهة، بعدما تنحَّوْا عنها في انعطافة محسوبة، خطاب يستعمل حديثاً نبويّاً عن «خير أجناد الأرض» وكأنّ الخلاف اليوم هو على مناقبيّة الجنديّ المصريّ لا على حسابات قياداته العليا!
ومرّة جديدة جاء الحسم عسكريّاً! فكان بيان قائد الجيش الإنذاريّ كما لو كان حَكَماً فوق السلطات، وذلك إثر تظاهرات 30 حزيران، ومعبّراً عن تعال واضح على تراتبيّات دولة القانون، فوزير الدفاع (قائد الجيش) هو في الأصل تحت ولاية الرئيس والحكومة، ليأتي يوم 3 تمّوز بانقلاب عسكريّ لا يريد المستفيدون منه تصويره على هذا النحو.
هذه الشهيّة المفتوحة على تمدّد النفوذ العسكريّ لم تتوقّف، وجاءت دعوة السيسي بقوله «علشان يدّوني تفويض» تعبيراً «لغويّاً» عن مكنونات الرجل في رغبته تسيّد المشهد زعيماً واضح الحضور، بل رئيساً محتملاً تهتف باسمه حناجر المواطنين.
ودخلت الصحافة في اللعبة، حتّى الرصينة منها لم تنجُ من المدّاحين العاملين لصالح الزعيم المخلّص لا لمصلحة المهنة! ودبّجت المقالات والتحليلات المقروءة والمرئيّة للإعراب عن الافتتان بالنجم الصاعد بضراوة. أمّا أن يروي السيسي عن غائب (هو الرئيس المعزول) فأمر لا تجد الصحافة من واجبها أن تدقّق في محتواه، وأن يروي عن حاضر (سليم العوّا مثلاً الذي كذّب علناً روايته) فشأن لا صلة لعمل الإعلام بمراجعته! وأن ينزل الجيش فيفضّ اعتصامات بالقوّة، فيسقط عشرات الضحايا يليهم مئات في أكثر من ساحة وتجمّع، فحوادث يبدو أنّها لا تستحقّ وقفة مراجعة وحساب! فالخطاب واحد لا ثانيَ له: هؤلاء جماعة فاشيّة لا تنتج سوى الإرهاب، وعويلهم على دمائهم المسكوبة «بكائيّات» انتصر الشعب على المهوّلين بها!

«الثوّار» إن حكوا

منذ ذلك الكانون البارد استردّت الجماهير زخم التجمّع تحت راية شعارات مثل «عيش، حريّة، عدالة اجتماعيّة». لم تكن الشعارات – بطبيعة الحال - ثقافة جديدة، فقد كان الماضي القريب قد اعتاد لبضع سنوات على تحرّكات مثل «كفاية» و«6 إبريل»، لكنّ انتظام أعداد هائلة من الناس في الميادين هو الذي مثّل ظاهرة جديدة هذه المرّة.
بعد تنحّي الرئيس حسني مبارك (أو إجباره على التنحّي) بدا أنّ هناك من أراد قراءة الشعار «عيش، حريّة، عدالة اجتماعيّة» على أنّه مشروع تنظيري لثورة حقيقيّة، وما لبث شعار «يسقط يسقط حكم العسكر» أن برز بقوّة مع تباطؤ المجلس العسكري في الإفصاح عن نواياه.
ولكنّ العام التالي 2012 نافس سابقه في زخم الأحداث، حتّى لم يحتج الأمر سوى إلى بضعة شهور منه ليتحوّل الشعار فيصبح «يسقط يسقط حكم المرشد»، في توصيف جديد لمحتوى شعار «ثوريّ»! لم يبد مهمّاً لجموع «الثائرين» أن يدقّقوا في أصناف المنتصرين الجدد لشعارهم الأخير، وحقيقة دوافعهم الّتي جعلتهم يلتحقون بهم تحت راية هذا الشعار. وتسارعت وتيرة النشاط لتتولّد «تمرّد» بأساطيرها ورموزها الشبابيّة اللازمة، فتقدّم إعلاميّاً – ولا حاجة إلى التمحيص - على أنّها موجة ثوريّة جديدة. ثار جدل المتصارعين حول حقيقة أعداد الأنصار الذين لبّوا نداء «تمرّد»، وذُكرت مزاعم عن «غوغل إيرث» بأنّها وثّقت هذه الأعداد، ولم يتمّ الاعتذار عن الزعم بعدما صرّحت «غوغل» ببراءتها من الخبر. لم يُرد إعلام «الثوّار» ولا الإعلام الانتهازيّ أن يطرح أسئلة منطقيّة طرحها قلّة من الناس من قبيل: ما هي وسائل النقل التي أوصلت كلّ هذه الملايين إلى الميادين؟! ما مساحة ميدان «التحرير» التي تستوعب ملايين من البشر؟!
ليست هذه الأسئلة بلا طائل، فما اعتبر إسقاطاً شعبيّاً للرئيس مرسي اعتمد على فكرة أنّ الجيش نفّذ مساء 3/ 7 إرادة الشعب! (هذا لو أردنا عدم الخوض في وسيلة التعبير عن الاختيار الشعبيّ، أهي الانتخابات أم الشارع).
لم يتوقّف «الثوّار» عند قول بعضهم هم أنفسهم إنّهم كانوا يتوقّعون أن يستمرّ كفاحهم، لأجل مطالبات 30 حزيران، بضعة أسابيع أو شهور بل حتّى أعوام، وذكرهم بأنّهم فوجئوا بـ«نجاح» تلك «الثورة»! يا للهول! بدا أنّ حكاية ثورة الـ 18 يوماً بين كانون الثاني وشباط 2011 تتكرّر، ولكن بنجاح أشدّ سطوعاً، فالثورة هذه المرّة انتصرت في ثلاثة أيّام!
وقد تمايزت بعض الأصوات منتبهة إلى خطر العسكر في الحكم، فقالت: «لا عسكر ولا إخوان»، لكنّها بهذا لم تميّز بين فئة وظيفيّة (العسكر) الّتي ينبغي عدم تدخّلها في السياسة، وفئة سياسيّة (الإخوان) التي هي جزء من التيّارات التي يحقّ لها – بطبيعة الحال ـــ الانخراط في السياسة.
ومرّ تعيين الجيش عدلي منصور رئيساً موقّتاً بلا تدقيق، ولم يُلحَظ حضوره الكاريكاتيري في ظلّ حضور السيسي، حتّى إنّ الوفود الأجنبيّة، مثلاً، تتواصل مع الأخير ورئيس الحكومة دون أن تجد نفسها معنيّة بلقاء الرئيس، الرئيس الذي تكشف سيرته المهنيّة أنّه انتدب للقيام بكثير من المهمّات «خارج أوقات الدوام الرسميّ»! لم يسأل أحد: هل يمارس الرئاسة أيضاً خارج أوقات دوامه الرسميّ؟!
ولكن... أين الخطاب الأخلاقيّ لـ«الثورة»؟!
طالب أهلها في نسختها الأولى بمحاكمة من اعتدى على المواطنين أثناءها (وها هي محاكمة الرئيس المخلوع مبارك مثال على تنفيذ هذه المطالبة الهزليّة)، فماذا عن ضحايا النسخة الثانية؟! أم إنّ المهزوم لا حقوق له؟
سيقت قيادات «الإخوان» إلى السجون والمعتقلات، وقُرّرت الأحكام إعلاميّاً، بل وقتل من أسرهم وأبنائهم ضحايا يمكن للإعلام المهنيّ أن يتحقّق بشأنها، فما كان إلّا استكثار إعلان الموت على الميّت! هُدّد الأنصار بجحيم الشرطة وزنازين الاستخبارات، وشاركت في التهديد جموع المواطنين المتواصلة إلكترونيّاً، ولكنّ كل هذا لم يبدُ خادشاً لصورة «الثورة»!
وكانت قد بلغت الحماسة ببعض «الثوّار» أن نصحوا الرئيس مرسي بمغادرة المنصب والبلد، وإلّا فإنّهم سيقدّمونه للمحاكمة! محاكمة على أيّ أساس؟ ومن يقوم بها؟ لا داعي إلى التفكير في هذه التفاصيل، فلا صوت يعلو فوق صوت «الثورة»!
أين الخطاب الثوريّ الأخلاقيّ والمبدئيّ من قنوات الردح والتلفيق العاري التي ما زالت قائمة، بعدما كان «الثوّار» قد هلّلوا لنفي قنوات «الإخوان» وداعميهم عن هواء البثّ؟
أمّا خطاب المزايدة، فلم يظهر أنّ أحداً نجا منه، إذ لم يفطن «الثوّار»، وهم ينقدون مرسي وجماعته، إلى أنّه ليس بإمكانهم هم أيضاً أن ينجزوا فيما لو كان الرئيس منهم، فأدوات الحكم «الثوريّ» ليست متوافرة لأحد!
وكانت أحزاب وتيّارات وشخصيّات قد هلّلت لـ«سقوط الإسلام السياسيّ»، وقرأ بعضها الأحداث قراءة رغائبيّة، وكانت سوريّاً، هنا بالذات، سبباً مضمراً في توجيه هذه القراءة عند كثير من هؤلاء المهلّلين، كأنّ فعل الاجتثاث والإقصاء، هذا الّذي يمسّ بجزء حقيقيّ وأصيل من الشعب المصري (والعربيّ عموماً)، سوف يجلب خيراً لمصر أو سوريا وشقيقاتهما، بتكريس مرارات وأحقاد قديمة جديدة تنخر في النسيج المجتمعي، أو كأنّ «الانتصار» الذي أنجز في مصر سوف يكون لمصلحة تيّار داعم للمقاومة ونهجها!
إنّ الضخّ الإعلاميّ الهائل المروّج لمقولة «سقوط الإسلام السياسيّ» يبدو استعادة – على نحو ما - لمقولة «سقوط الشيوعيّة التاريخيّ»! فعام 1991 إثر انهيار الاتحاد السوفياتي احتفل الخصوم التقليديّون للشيوعيّة بما عدّوه دليلاً على عدم صلاحية الشيوعيّة للحكم والحياة. حينها لم يجرِ التوقّف عند أسئلة مثل: هل تمثّّل تجربة حكم أولى في التاريخ قائمة على نظام جديد لمدّة سبعين عاما فقط... هل تمثّل بالضرورة دليلاً على سقوط النظريّة؟ هل معاداة نظام راسخ كالرأسماليّة، بكلّ أدواته وقواه، لنظام جديد مجرّد تفصيل؟ واليوم، يريد الراغبون أن تُقرأ تجربة رئيس «إسلاميّ» في الحكم (وهو لم يحُز معظم أدوات السلطة) ولمدّة عام واحد فقط. يريدون قراءتها على أنّها دليل على فشل كامل النهج الفكريّ السياسي الذي يمثّله انتماء هذا الرئيس!
وبعد،
فكيف تكون ثورة تلك التي لم تُطح بِنى فاسدة في القضاء والاقتصاد والسياسة والجيش و... الإعلام؟! كيف تكون ثورة تلك التي لم تستعدَّ ببرنامج لليوم التالي وما يليه؟! كيف تكون ثورة تلك الّتي لم تعيّن خصومها؟! كيف يكونون ثوّاراً من يستعينون كلّ مرّة بأمر عسكريّ يكمل عنهم «ثورتهم»؟! وكيف يكونون ثوّاراً من لم يعدّوا للثورة خطابها؟!
* كاتبة أردنية