في ظل السعار الأميركي والحلف الغربي وأدواته الصهيو- وهابية، تلوح بشائر النصر السوري وحلف المقاومة.

إن الهجوم الأميركي السياسي والعسكري والإعلامي، ضد سوريا وحلف المقاومة، كاد ـ ويكاد ـ أن يصل بالعالم إلى حافة الهاوية، أملاً في تحقيق ابتزاز سياسي يحقق مصالح وأهداف هذا التحالف الغربي الخليجي التركي المشؤوم؛ فمن الواضح أن أميركا اعتمدت الخيار الكوبي لعام 1962 بإيصال العالم إلى هذه الحافة، (وهو انعكس، حينها، على الضد بانتزاع ضمانات سياسية وقانونية بعدم الاعتداء على كوبا مقابل تفكيك الصواريخ النووية السوفياتية المنصوبة في الجزيرة الكوبية)

في حالة سوريا، كانت أميركا تطمح إلى اجبار روسيا على الالتزام بتعهدات سياسية أمام القطب الأميركي، تفرضها على حلفائها، إلا أن روسيا رفضت الدخول في مثل هذه اللعبة، وأعلنت أنها لن تخوض حرباً، ولن تعقد صفقة ثنائية، وأنها أمينة لسياستها في عالم متعدد الأقطاب يدافع عن مصالحه ويقيم تحالفاته كما يراها ويخوض صراعاته بالأدوات المناسبة لكل حالة، دفاعاً عن المصالح الوطنية والدولية ضد الهيمنة الرأسمالية، مما وضع في الواجهة الحلف المقاوم باستعداده للدفاع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة له. وقد أسقط في يد الولايات المتحدة، واضطرت إلى التراجع وبدأ عقد تحالفاتها ينفرط أمام صلابة هذا الحلف المقاوم، واستعداده القتالي العالي والرفض المتسع، دولياً، للعدوان.
أدى هذا الإنجاز السياسي لحلف المقاومة إلى تفشيل، ليس فقط مشروع الضربة الأميركية المتراجَع عنها، لكن، أيضاً، وضع أي عدوان محتمل في ظروف الفشل الحتمي؛ فالحرب الفاشلة في السياسة تفشل، مهما ألحقت من أذى ـ على المستوى العسكري ـ. شاء الأميركيون وحلفاؤهم أم أبوا، شنوا عدوانهم أم لا، فإن خارطة الأوضاع السياسية في المنطقة، أظهرت أفاقاً لبزوغ فجر جديد خارج روح الاستسلام والهزيمة والانكسار.
ونحن لا نستبق الأحداث، أبداً، حين نبحث في المكاسب السياسية التي يمكن تحقيقها في مجرى الصراع، وهي، أولاً، إطلاق يد الجيش العربي السوري في التعامل مع العصابات الوهابية الإجرامية في الداخل، واستعمال الطاقة النارية اللازمة لتدمير أوكارهم وتجمعاتهم، من دون أي اعتبارات لمواقف أو ضغوط سياسية دولية أو إقليمية. وثانياً، شروع الحلف المقاوم بأجمعه بالاستعداد لمعركته الرئيسية مع «إسرائيل» واستغلال الظرف العالمي المواتي لتحرير الجولان وإطلاق مقاومة سورية شعبية مستندة إلى مؤازرة وتجربة المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، والخبرات المتراكمة لدى الجيش العربي السوري في دعم هذه المقاومة لتحرير الجولان المحتل. ثالثاً، إن الصدام المتوقع مع إسرائيل، بما لدى الحلف المقاوم من قدرات وروح قتالية عالية وصلابة في التصدي للمخططات العدوانية، وما يمكن أن يحققه من انتصارات، كل ذلك، سوف يلهم الشعب الفلسطيني ويؤدي إلى قيام حركة مقاومة فلسطينية جديدة.
إنما يظل النصر الكبير المنتظر هو انقشاع الحرب عن قيام سوريا الجديدة الديموقراطية الاجتماعية، التي يجري بناؤها على أنقاض هزيمة المشروع الدولي لتدمير سوريا. وشرط هذا النصر أن تكون سوريا الجديدة ملكاً لشعبها بثرائه التكويني وغناه الحضاري وتنوعه العرقي والطائفي، دولة ديموقراطية علمانية وتقدمية، تتعزز مكانتها الإقليمية بإقامة تحالف دول المشرق العربي (مع العراق ولبنان والأردن وفلسطين) ما يعيد البناء الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والفكري لهذه الدول كمجموعة إقليمية واحدة، ترسخ، مجتمعةً حلف المقاومة الإقليمية والدولية في الصراع المستمر ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، في سياق بات ناضجاً إلى تحويل الأميركي عن المنطقة ـ الذي تعترف به الدوائر السياسية الأميركية ـ إلى خروج شامل من المنطقة شبيه بالخروج المدوي للبريطانيين والفرنسيين عام1957 إثر حرب السويس.
لن يعجب هذا الكلام، بالطبع، المصابين بالرهاب الأميركي، لكن عليهم أن يفكروا كثيراً في المتغيرات العالمية الجديدة والعجز الأميركي عن شن حروب جديدة، والامكانات المتوافرة لهم، موضوعياً، لتحقيق انجاز، في مقابل الإمكانات الصاعدة لحلف المقاومة، وسط نهوض عالمي متعاظم ضد الهيمنة الأميركية وسياسية القطب الواحد؛ بل إن العالم المتعدد الاقطاب بدا واضحاً أنه ينمو ويحتل مكانته اللائقة في عالم السياسة والاستراتيجية الدوليين. صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال قوة طاغية مستبدة واجرامية، ولديها كل الإمكانات لقيادة العالم إلى الدمار، لكنها في النهاية ليست قدراً يجب التسليم به، بل هي قوة خاضعة للحسابات الملموسة في الصراع، ويمكن مقاومتها وصدها بالرغم من التكلفة الغالية لهذا التصدي، بينما تظهر دروس التاريخ أن هذه القوى الجبارة تنهار، بالذات، بسبب جنونها العدواني.
لا نخشى الحرب، بل نفكر في اليوم التالي للانتصار؛ سوف تنفتح الطريق لقيام التحالف المشرقي، في عملية صراعية تبدأ بمواجهة إسرائيل، والتصدي لعملاء الرجعية العربية في الداخل؛ ففي لبنان ـ مثلاً ـ سوف يمكن القضاء على النفوذ السعودي في هذا البلد العزيز والمقاوم، وسيساعد ذلك لبنان على الانتقال من «ديموقراطية الطوائف» إلى ديموقراطية مدنية علمانية. أما الأردن، فسيفتح الانتصار السوري المشرقي أمامه أفقاً واسعاً لتغيير خياراته السياسية وتحالفاته؛ فمن الواضح أن الانكفاء الأميركي عن المنطقة ستكون تكلفته عالية جداً على النظام الأردني، سواء على مستوى الحماية أو الدور أو حتى السلام مع إسرائيل؛ وسيكون الشعب الأردني، عندها، أكثر قدرة على تجديد دولته في السياق المشرقي الجديد، ومركزه الشام، وفي ما يتصل بالعراق الجريح، فإن الانتصار السوري المشرقي سوف يفتح أمامه فرصة توحيد المجتمع العراقي، والشروع في بناء الدولة الوطنية التي دمرها الغزاة والوهابيون.
ومن شروط النصر، وعي المستقبل الجماعي للمشرق والتفكير، منذ الآن، فيه ككتلة قومية تنموية، وتوضيح عقيدته القتالية ضد إسرائيل أولاً، وضد الخليجية الوهابية ثانياً، (بما في ذلك تحريم الوهابية قانونياً ومحاربتها سياسياً وثقافياً، باعتبارها حركة إجرامية)، وضد تركيا الأطلسية العثمانية، ثالثاً، والتأكيد على تشديد عزل تركيا عن المشرق العربي وإغلاق الحدود السورية والعراقية معها كلياً.
لقد تحملت سوريا، ولا تزال، وستتحمل عبء التصدي لمخططات الإمبريالية والصهيونية وحليفيها العربي الصهيو- وهابي، إلا أن الأفق التاريخي للمعارك القائمة والقادمة مغلق على الأعداء، ومفتوح بالنسبة إلى دمشق وحلفائها؛ ليس لدى الأوائل من بديل سوى مشروع الدمار، بينما يقاتل السوريون وحلفاؤهم من أجل وحدة المشرق واستقلاله وازدهاره.
* عضو الأمانة العامة
لحركة اليسار الاجتماعي الأردني