من وجهة نظر المصالح الوطنية والتحررية بشكل عام، يمكن القول إن الصراع مع الأجنبي كان، في الغالب الأعم، مبرراً ومشروعاً ومطلوباً وواجباً. ينطبق ذلك على المقاومة السياسية وغير السياسية التي نهضت في وجه المستعمرين ومشاريعهم القديمة والجديدة. يمكن إدراج حرب الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي في صلب الصراع المذكور. ويجسّد الصراع ضد المشروع الصهيوني في فلسطين مثالاً لمقاومة خطر خارجي مزدوج: إمبريالي يرمي إلى فرض هيمنة عامة على المنطقة، واستيطاني صهيوني اغتصب فلسطين وشرد شعبها. وكلا الهيمنة والاغتصاب استهدفا كل المنطقة وكل الوسائل السياسية والعسكرية، وإن كان الشعب الفلسطيني هو الذي دفع، ولا يزال، الثمن الأفدح.

لم يتخلَّ الخارج الاستعماري عن القوة لفرض هيمنته رغم كل التطورات التي حصلت بعد الحربين العالميتين. آخر النماذج كان في غزو العراق واحتلاله عام 2003 بذرائع لم تنطل على أحد، وبعده التدخل العسكري في ليبيا عام 2011 بإطاحة العقيد الليبي معمّر القذافي.
وُوجه العدوان الخارجي، دائماً، بنوع من الاجماع الرسمي العربي، حتى لو كان بعضه مخادعاً وشكلياً ومتواطئاً بشكل غير معلن. نهضت في وجه ذلك العدوان احتجاجات شعبية واسعة، واستغلت نخب سياسية وعسكرية تلك الاحتجاجات لإسقاط أنظمة وعروش في أكثر من بلد عربي.
ليس الأمر على هذا النحو الآن. لم تعد قضية وحقوق شعب فلسطين هي «القضية المركزية». التناقضات بين دول وأنظمة البلدان العربية، وجزء من الدول الإسلامية، تتقدم على التناقضات مع الخارج الاستعماري التقليدي. حين أقدمت القيادة الإيرانية، بكل أجنحتها المتشددة والمعتدلة والإصلاحية، على توقيع الاتفاق النووي مع «الشيطان الأميركي»، جاء الاعتراض الأساسي من قوى محلية في المنطقة، حليفة وصديقة لواشنطن، وليس من الصهاينة فقط. من جهتها لم تعد دول في الخليج، كبيرة أو صغيرة، تجد في العدو الصهيوني تهديداً أول لها ولمصالحها، ورغم ذلك لم يحاول أحد البحث في أسباب ذلك. ثمّ إن التناقضات قد انتقلت إلى المستوى العسكري. إن حروباً تكاد تكون شاملة، هي ما يطبع المرحلة الراهنة من تأزم العلاقات بين أكبر دول المنطقة. هذه الحروب التي تخاض، بالواسطة، مرشحة لأن تتحول الى نزاعات كبرى مباشرة استناداً إلى حجم التوتر والصراع الحاليين وإلى حجم ما ينطويان عليه من الخسائر والمخاطر.
الأمر الذي لا يقل خطورة هو أن الصراع قد اتخذ بعداً شعبياً نظراً الى اتساعه وتفاقمه، من جهة، وبسبب استخدام العصبيات المتنوعة، الطائفية والمذهبية والإثنية، من جهة ثانية. ومع اجتماع البعدين الرسمي والشعبي في الصراع: فيما بين الدول العربية والإسلامية وفي داخل عدد كبير ومتزايد ومهم من تلك الدول، باتت الحروب الأهلية هي البديل من الصراع مع العدوان الخارجي، الغربي عموماً، والصهيوني على وجه الخصوص.
لا يغيّر من هذا المشهد السلبي كون الولايات المتحدة الأميركية قد انكفأت عن التدخل العسكري المباشر. حصل ذلك بسبب الخسائر التي دفعتها في حروبها في العراق وأفغانستان. لكنها تمكنت، سريعاً، من ايجاد بدائل لتحقيق نفس الأهداف: تأجيج التناقضات داخل الدول وبينها، واستخدامهما لإضعاف الجميع، بما في ذلك أصدقاء واتباع واشنطن. جسّدت سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما هذه التحولات في التكتيك الأميركي الراهن. وهي تحولات ستستمر، رغم ضجيج متعصب شوفيني أخرق كالمرشح الجمهوري دونالد ترامب، ورغم مرارة دول محلية كانت تراهن على الهراوة الأميركية لتحقيق استمرار واستقرار سلطاتها وبعض أهدافها.
أدت الحروب الأهلية المتفاقمة في المنطقة إلى خسائر مخيفة: بشرية ومعنوية ومادية وسياسية... الواقع أن زلزالاً، عظيم التدمير والخسائر، يواصل ضرب المنطقة منذ أكثر من خمس سنوات. تنتاب هذا الفريق أو ذاك، من فرقاء الصراع والحرب الأهلية المذكورة، نوبات من الشعور بالنصر. الواقع أنه لن يخرج أحد منتصراً. الحفاظ على البقاء شيء، والانتصار شيء آخر تماماً. هي نسبة الخسائر ومدى فداحتها ما يشكل موضوع المقارنة وليس حجم ما يمكن تحقيقه من مكتسبات وإنجازات لمصلحة هذا البلد أو ذاك أو، حتى، هذا الفريق أو ذاك.
في سياق ذلك تحوّل الأميركي (في العراق مثلاً) من غاز وعدو إلى وسيط ومنقذ! هو الآن يكتفي بإحصاء خسائر خصومه عبر استنزافهم وضياع مواردهم وأمنهم واستقرارهم، بانتظار قطاف قريب يمكنه، محدداً، من أن يكون صاحب الكلمة الأولى في تقرير شؤون المنطقة وفي تحديد بصائرها وخرائطها...
ليس من الصعب، وفق المشهد الكئيب والمأساوي الراهن، الاستنتاج بأن وقف الحروب العربية والإسلامية، المندلع لهيبها بين الدول وداخلها، هي المهمة التي تتقدم على كل ما عداها.
لن يحصل ذلك من دون مقاربات ومبادرات خلاقة ومبدعة وجديدة. ليس هناك إطار عربي أو إقليمي يمكن الركون إليه حالياً من أجل إطلاق عملية سياسية للحوار بشأن مواضيع وأسباب ونتائج الصراع. الدول الكبرى التي تستكشف بعض فرص التسويات هنا وهناك، ليست متعجلة إلا بمقدار ما تسعى، مجتمعة أو منفردة، إلى جني ثمار مبكرة تلوح إمكانية نضوجها. لكن، للأسف، لولا التفاهم الأميركي الروسي على بعض الأولويات في سوريا (ومنها مواجهة إرهاب فروع «القاعدة») لما تراجعت نسبة الموت في سوريا في الأيام القليلة الماضية، أما بين أطراف الصراع في سوريا، فليس إلا المزيد من الشروط والشروط المضادة: وكأن القتل والدمار المخيفين يحصلان في بلد آخر!
إن إطلاق دينامية تواصل وحوار في المنطقة وبين أطرافها الأكثر انخراطاً في الصراع، هو عملية انعطافية تشترط حداً أدنى من الجنوح نحو الاستقلالية وممارسة السيادة وحق اتخاذ القرار. هذه القوى هي المعنية أكثر من سواها، بوصفها الأكثر تضرراً وتبديداً لطاقاتها وثرواتها ومستقبل أجيالها، بالبحث عن التفاهمات التي من شأنها، في مرحلة أولى، وقف النزيف الهائل، في الأرواح والعمران والثروات، ومن ثمّ، في مرحلة ثانية، التوصل إلى تسويات متوازنة تعبّر عن مصالح الأطراف المعنية أو عن الأساسي من هذه المصالح.
إن هذا الأمر هو الأصعب لأنه بحد ذاته فعل تحرر حقيقي من التبعية للخارج، ولأنه ينتمي إلى ديوان المسؤولية التاريخية لا إلى ديوان الحماسة والخنادق والانقسامات!
لن يحصل ذلك بغير مبادرات شعبية واسعة ونشيطة ومثابرة وضاغطة. ولن تحصل هذه الأخيرة بغير انبثاق حركة شعبية قادرة على التصدي للفئويات الجامحة والانقسامات القاتلة، وخصوصاً منها تلك التي تضرب سلامة النسيج والعلاقات الاجتماعيين، وتجعل بلداننا ومصالحنا وثرواتنا ومصائرنا لقمة سائغة في فم المستعمرين والصهاينة.
هل تكون التسوية مع واشنطن، بالنسبة لفريق، والجنوح نحو مد اليد للعدو الصهيوني بالنسبة لفريق ثان، أسهل من الاستجابة لفتح حوار جدي بين الفريقين، قد يفتح، بدوره، مسار وقف الموت والدمار، من جهة، واختبار مسار مستقل ومتحرر من الوصايات الخارجية، من جهة ثانية؟!
* كاتب وسياسي لبناني