تسود في الصحافة العربيّة مقولة «الانكفاء الأميركي». ونظريّة الانكفاء نبعت في المواقع النيو ـ محافظة في داخل الحزب الجمهوري. تغيّر الحزب الجمهوري عمّا كان عليه قبل عصر ريغان عندما كان يمثّل «الانعزاليّة» في السياسة الخارجيّة (وهذه المقولة كانت تستثني دوماً أميركا الجنوبيّة لأنها تُعتبر «الحديقة الخلفيّة» —قارّة بمثابة حديقة). لكن الحزب الجمهوري بات يمثّل الاندفاع أو ما يسمّيه منظّر «الواقعيّة الجديدة» في العلاقات الدوليّة، جون مرشهايمر، بـ«الواقعيّة الهجوميّة»، أي النزوع نحو افتعال القلاقل والحروب كوقاية من نظام عالمي يتسم بالفوضى. لا يختلف الحزب الديمقراطي عن الجمهوري في توخّي استعمال القوّة في العلاقات الدوليّة، لكن الحزب الديمقراطي منذ عهد جيمي كارتر موصوم (ظلماً) بالتمنّع والانكفاء والتردّد في استعمال القوّة المُحبّذة (شعبيّاً).

وقد طلع ستيفن وولت (المؤلّف مع مرشهايمر لكتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأميركيّة الخارجيّة») أخيراً بمقولة انه ليس للولايات المتحدة من سياسة خارجيّة. لكن ما يعنيه وولت هو غير مقولة منتقدي السياسة الأميركيّة من منطلق المحافظين الجدد وناقليهم العرب. الصنف الأوّل من نظريّة الانكفاء يعتمد على الرغبة بمزيد من الجموح والجنوح في السياسة الخارجيّة وعلى ضرورة استسهال أكبر لشنّ الحروب في المنطقة العربيّة. إن المُتلقّين في صحف النظاميْن السعودي والقطري يعيبون على الحاكم الأميركي ليس شنّه للحروب واعتماده على القوّة في أكثر من مكان في العالم، على العكس، هم يعيبون عليه تمنّعه عن شنّ مزيد من الحروب والفتن والغزوات. وكالعادة، يظنّ أدوات الاستعمار أنه بخنوعهم نحو المُستعمر باتوا في موقع تقرير سياسات المُستعمر (مثل ان يطير زعيم ٨٠٪ من ٥٪ من شعب لبنان إلى واشنطن لحثّ جورج بوش على شنّ مزيد من الحروب كرمى لعيون «بيك المختارة»، أو أن يكتب معلّقو صحيفة سلمان بن عبد العزيز مخاطبين أوباما كأنه لا يفوّت تعليقاً لأبواق آل سعود).
يمكن النظر إلى النقاشات (المسموحة) في وسائل الإعلام العربي على أنها ليست نتاجاً محليّاً بل هي انعكاس وترجمة لنقاشات في السياسة الخارجيّة في إعلام «المركز»، بلغة نظريّة التبعيّة في الاقتصاد العالمي. إن الكثير من الآراء الموجودة في إعلام النفط والغاز هي ترجمة (أحياناً حرفيّة أو مُستقاة أو مستعارة أو مُتأثّرة بـ) آراء المحافظين والمحافظين الجدد في الإعلام الغربي. باتت صفحة الرأي في «الشرق الأوسط» وباقي صحف النفط عبارة عن ترجمات أمينة (أو غير أمينة) لآراء صهاينة الغرب (إن مقولة عبد الرحمن الراشد ان «ليس كل المسلمين هم إرهابيّين لكن معظم الإرهابيّين هم مسلمون» منقولة بالحرف عن عتاة كارهي العرب والإسلام في الإعلام الصهيوني، وينقلها عنه كتّاب عرب على أنها عصارة فكره النيّر). وسياسة أمراء النفط والغاز باتت منذ عهد بوش (بعد إروعائه من الحقبة القصيرة اللفظيّة عن ضرورة نشر الديمقراطيّة —كان فوز حركة «حماس» كافياً كي تُدرك الإدارة الأميركيّة مدى الضرر الذي تلحقه الديمقراطيّة بمصالحها ومصالح العدوّ الإسرائيلي) تتجه للحث على المزيد من الاندفاع العسكري الأميركي. والحزب الجمهوري كان دائماً تاريخيّاً أقرب إلى أنظمة الخليج: هو كان سابقاً يمثّل مصالح شركات النفط وشركات التسلّح وآراء المستعربين الذين كانوا يدعون لسياسة «التوازن» في السياسة الخارجيّة (وكانت أنظمة النفط آنذاك تتصادم مع دولة العدوّ التي كانت تخشى من تسلّح تلك الدول، فيما بات اللوبي الإسرائيلي اليوم من دعاة ضخ السلاح إلى أنظمة الخليج ــ طبعاً ليس بدرجة التقنيّة العسكريّة نفسها التي تحوزها دولة العدوّ). وكانت صحف النفط والغاز تعكس تقليديّاً مصالح الحزب الجمهوري وتناصر مصالحه الانتخابيّة فيما هي اليوم تناصر مصالح الحزب الجمهوري الانتخابيّة (لا ينطبق هذا على حملة دونالد ترامب الآتي من خارج المؤسّسة الجمهوريّة التقليديّة، والذي عبّر عبر السنوات عن احتقار وعداء للنظام السعودي).

النقاشات في الإعلام العربي انعكاس لنقاشات في إعلام «المركز»

كانت أنظمة الخليج تثق أن ريتشارد نيكسون في حملته الانتخابيّة الثانية سيضغط على إسرائيل (لا بل ان الإعلام الخليجي، بما فيه بعض كتّاب جريدة «الحياة»، روّجوا عبر السنوات لأسطورة ان الصهاينة كانوا وراء فضيحة ووترغيت لإسقاط الرئيس الذي وقف ذات مرّة في لقاء مع غولدا مائير وقال لها: إن الطريقة الوحيدة للتعامل مع العرب هي في... وأخذ وضعيّة إطلاق الرصاص بيديْه من رشّاش حربي ثم ضحك).
إن نظريّة الانكفاء ما هي إلّا مقولة نقد سياسة أوباما من منظور الحزب الجمهوري. والمحافظون الجديد المُتربّعون في دوائر «حكومة الظلّ» الأميركيّة، أي في مراكز الأبحاث اليمينيّة، مثل «أميركان إنتربرايز إنستيتيوت» (وهذه المؤسّسة تغيّرت بالكامل، من واحدة خاضعة حتى الثمانينيات لنفوذ الجمهوريّين التقليديّين إلى واحدة خاضعة بالكامل لنفوذ المحافظين الجديد، وهذا يعكس تغيّر أهواء المُموّلين، أو تغيّر المُموّلين بين جيل وجيل منذ الثمانينيات من القرن الماضي) لم يتوقّفوا منذ صعود أوباما عن نقد سياساته على أنها مهادنة ومسالمة كثيراً. وتتطابق هنا (ليس بالصدفة) الرؤية بين المحافظين الجديد وأنظمة الخليج في النظر إلى ما يرونه من انكفاء لسياسة أميركا في عهد أوباما.
هم يأخذون عليه أوّلاً عدم تصدّيه للمخاطر الإيرانيّة ثم قبوله اتفاقيّة نوويّة تتيح للاقتصاد الإيراني التوسّع والازدهار. وكانت حكومة العدوّ منذ عهد بوش (باعترافه في كتابه) تسعى للحصول على إذن أميركي لضرب إيران من الجوّ لشلّ قدراته النوويّة. والأحاديث الخليجيّة من قبل حكّامها والتي تسرّبت في وثائق «ويكليليكس» لا تترك مجالاً للشك بنوايا انظمة الخليج. لم تكن تقبل بأقل من إسقاط نظام الحكم في إيران، ولو بغزو أميركي. ونظرة المحافظين الجدد تتطرّف أكثر من بوش الذي لم يعط إذناً للعدوّ الإسرائيلي بالهجوم على إيران (وأسباب تمنّع بوش أو أوباما عديدة، وهي لا تتعلّق بالتمنّع —وهم راغبون— بقدر ما هي تتعلّق بأسباب عسكريّة تقنيّة لا تضمن تحقيق النتائج المرجوّة من خلال هجوم جويّ خصوصاً وان المعلومات عن البرنامج النووي المدفون تحت «سابع أرض» لم تكن موثّقة أو أكيدة. وقد أكّد ذلك الجنرال لويد أستن، قائد المنقطة الوسطى في القوّات المسلّحة الأميركيّة في مقالة في «واشنطن بوست»، عندما شكّك بقدرة القوة العسكريّة على إحداث تغيير مُرتجى في الشرق الأوسط). إن البدء بعمليّة الاتصالات السريّة بين الإدارة الأميركيّة والنظام الإيراني بدأت في عهد بوش (وقد كشف عن جوانب جديدة منها تتعلّق بتفادي الاشتباك العسكري فوق أجواء إيران عند بدء الغزو الأميركي للعراق الدبلوماسي الأميركي السابق، زلماي خليل زاد، في كتابه الذي صدر للتوّ بعنوان «المبعوث»). كما أن الإدارة الأميركيّة (خصوصاً في القيادة العسكريّة) كانت تخشى من العواقب العسكريّة والاستخباراتيّة للهجوم على النظام الإيراني لأن الردّ كان سيعرّض المصالح الأميركيّة -بما فيها العسكريّة- في المنطقة إلى الخطر).
وفكرة التواصل بين الإدارة والنظام الإيراني الذي تدعو إسرائيل ودول الخليج إلى إسقاطه، هي مرفوضة في المبدأ. لكن لا العدوّ الإسرائيلي ولا انظمة الخليج تملك خطّة واضحة لإسقاط النظام. وفكرة غزو إيران من البرّ والجو والبحر مستحيلة لأسباب سياسيّة وعسكريّة، وإن كانت هي محط آمال التحالف الإسرائيلي ــ الخليجي. طبعاً، إن إدارة بوش كانت تعوّل على غزو العراق لتحقيق أغراضها بأثمان اقل: كانت تأمل ان تؤدّي نتائج الغزو الأميركي إلى سقوط تلقائي (مثل سقوط الثمار اليانعة) للنظاميْن الإيراني والسوري. والخطاب الأميركي في عام 2003 كان لا يترك مجالاً للشك في توقّعات زمرة بوش الحاكمة (التي أصابت بقدر ما أصاب ميشال حايك في 2004 في توقّع العثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق، وفي استتباب الأمن والسلام للعراق تحت الاحتلال).
وزادت أصوات انتقاد «الانكفاء» الأميركي في سنوات الأزمة السوريّة الأخيرة. سعت انظمة الخليج إلى حثّ الإدارة الأميركيّة على القيام بعمل عسكري لإسقاط النظام السوري. وكان خط أوباما الأحمر هو الفرصة الذهبيّة، ولهذا فإن التقارير من إعلام الخليج عن «دلائل» على استعمال النظام للسلاح الكيميائي والبيولوجي (والنووي في بعض التقارير) باتت يوميّة (من المؤكّد هنا ان النظام السوري وبعض فصائل المعارضة المُسلّحة استخدما أسلحة محظّرة دوليّاً ومن مختلف الأصناف). وعندما أحبط النظام الروسي خطة الإدارة الأميركيّة للتدخّل العسكري (الجوّي المحدود فقط، أي بعيداً عن أحلام أنظمة الخليج) فإن نظريّة الانكفاء الأميركي، او التمنّع العسكري بدأت بالانتشار. لكن الآراء في أوساط صهاينة أميركا وإسرائيل لم تكن متفقة: كان هناك من يريد تدخّلاً عسكريّاً أميركيّاً بأي ثمن (وهذا كان موقف السيناتور جون ماكين، واحد من دعاة الصهاينة التقليديّين والمحافظين الجدد، والذي أصبح واحداً من دعاة الفصائل السوريّة المعارضة، وهو وهيلاري كلينتون -التي تمثّل الصهاينة الجدد والقدماء في الحزب الديمقراطي)، في مقابل من خشي على مصلحة إسرائيل وأميركا من سقوط النظام السوري. وهناك في الحملة الانتخابيّة الرئاسيّة للحزب الجمهوري (دونالد ترامب وراند بول) ممّن عبّر صراحة عن تفضيل لبقاء طغيان النظام السوري على أي بديل عنه وذلك بسبب الخوف من الإسلاميّين، على أنواعهم. وغياب الإجماع الصهيوني على طبيعة التدخّل الأميركي ووجهته أفشل مخطّطات التدخّل.
كما ان أنظمة الخليج والعدوّ الإسرائيلي عابوا على الإدارة الأميركيّة التمنّع عن الحفاظ على حسني مبارك بالقوّة. لكن الإدارة فعلت ما تستطيع، كما انها سمحت لمبارك بقتل المئات من المتظاهرين للبقاء في السلطة، وهي —للتاريخ— دانت المتظاهرين السلميّين عندما قتلهم من قبل نظام مبارك (قبل سقوطه) ودعتهم للتوقّف عن استعمال العنف. وحاولت الإدارة الأميركيّة استبدال مبارك (بعد ان فشلت جميع المحاولات للحفاظ عليه في السلطة) بعمر سليمان لكن الغضبة الجماهيريّة أفشلت هذا المخطط. وهيلاري كلينتون، في محاولة للظهور بمظهر المُختلف عن اوباما في الإحجام عن التدخّل العسكري، تذكّر هذه الأيّام دائماً انها كانت من المنادين بالحفاظ على الغالي مبارك، كأن كان هناك وسيلة للحفاظ عليه.
لكن ما هو الحقيقي وما هو الخيالي في نظريّة الانكفاء الأميركي وما هي دلائلها؟ يذكّر أصحاب النظريّة بالانسحاب الأميركي من العراق. لكن ليس صحيحاً ان أوباما كان ينوي الانسحاب من العراق بالرغم من وعوده الانتخابيّة (مثلما وعد بإقفال معسكر غوانتنامو). وقد أعدّ الجنرال الأميركي لويد أستن خطّة تفصيليّة لإبقاء قوّة من 24,000 جندي في العراق، لكن معارضي ما يسمّونه بالانكفاء الأميركي ينسون ان سبب عدم إبقاء هذه القوّة في العراق لم تكن بسبب تمنّع أوباما. لقد رفضت الحكومة العراقيّة الطلب الأميركي بإبقاء قوّة أبديّة في العراق (على غرار القوّات الأميركيّة المُنتشرة في كل بلدان مجلس التعاون الخليجي في قواعد سريّة وعلنيّة، عدا عن قواعد المخابرات الأميركيّة في تلك البلدان —وتستضيف دبيّ واحدة من أكبر محطات المخابرات الأميركيّة في العالم، حسبما ورد في الصحف الأميركيّة قبل سنوات) بالرغم من إلحاح أوباما. طبعاً، إن القوّات الأميركيّة تعود تدريجيّاً إلى العراق تحت جنح عنوان محاربة الإرهاب.
عصر السيادة العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة الأميركيّة لم ينته بعد

لا يزال الإنفاق العسكري الأميركي أكبر من كل دول العالم. والصين، التي تأتي في المرتبة الثانية، لا تنفق إلّا نحو خُمس الإنفاق الأميركي (وأميركا توبّخ الصين على سخاء إنفاقها العسكري وتعتبره تهديداً لها). وتنتشر القوّات الأميركيّة في أكثر من 130 دولة في العالم، وهي موجودة في 800 قاعدة عسكريّة (غير السريّة) في 70 بلداً في العالم (ويقارن ديفيد فاين في مقالة في «بوليتيكو» بين أميركا وحلفائها، فيضيف أن فرنسا وبريطانيا وروسيا لا تملك أكثر من 30 قاعدة عسكريّة أجنبيّة في العالم). وديفيد فين له مؤلّف بعنوان «أمة القواعد: كيف تضرّ القواعد العسكريّة الأميركيّة حول العالم بأميركا وبالعالم»، ويعدّد تلك المضار التي تأتّي عن القواعد، من المضار البيئيّة والاقتصاديّة إلى الجرائم الجنسيّة التي يسبّبها وجودها. وكانت الأكاديميّة النسويّة، سينتيا إنلو —في كتابها «الموز والشواطئ والقواعد»- أوّل من لفت إلى ضرر القواعد العسكريّة الأميركيّة على العالم بوضع النساء والأطفال إذ ان كل قاعدة عسكريّة اميركيّة تفرّخ حولها بؤراً من الاستغلال والاعتداء الجنسي على أنواعه (بمعنى الانحرافات الجنسيّة التي تتعارض مع القوانين التي تحمي الأطفال والقاصرين).
وأين هو الانكفاء الأميركي فيما تشنّ الإمبراطوريّة الأميركيّة حروباً حول العالم. هي تخوض في أميركا اللاتينية باسم «الحرب على المخدّرات» حروباً ضد الفقراء والفلّاحين، والقيادة العسكريّة الأميركيّة وسّعت من نطاق عمليّاتها لأوّل مرّة في التاريخ في القارة الأفريقيّة حيث لم تعد أميركا تثق بحلفائها من الاستعماريّين «السابقين». وبحسب تعداد لنيك ترس في كتابه «مسرح عمليّات الغد: حروب أميركا بالواسطة والعمليّات (العسكريّة) السريّة في أفريقيا» أن القوّات العسكريّة الأميركيّة ضالعة في عمليّات وحروب متنوّعة مع 90٪ من الدول الأفريقيّة. وفي العلن، لا تحتفظ أميركا إلا بقاعدة عسكريّة في جيبوتي بينما تبقى باقي العمليّات والقواعد العسكريّة وراء ستار من الكتمان. ومن المحاولات التي أجريت من قبل بعض الصحافيّين الأميركيّين لسؤال «قيادة أفريقيا» في القوات المسلّحة الأميركيّة تتيقّن (وتتيقّنين) أن العمليّات العسكريّة الأميركيّة في أفريقيا هي في معظمها سريّة للغاية. تعلن الحكومة عن بعض العمليّات فقط (مثل الصومال ومالي، بعد أن يفتضح أمرها). لكن تلك العمليّات تودي بحياة الأبرياء من دون سؤال او اعتراض من قبل قادة الدول الأفريقيّة. وقد لاحظ الرفيق غلين غرينوولد في مقال على موقع «إنترسبت» هذا الأسبوع ان الحكومة الأميركيّة زعمت انها قتلت في يوم واحد هذا الأسبوع 150 «إرهابيّاً» في الصومال من دون تقديم دليل واحد على انهم كانوا بالفعل إرهابيّين. والحكومة الأميركيّة تزيد من وجودها المُستفزّ في آسيا متحديّة بذلك القوّة الصينيّة، حيث ترى أن من حقّها عرض عضلاتها هناك لكن ليس من حق الصين.
أما الصنف الثاني من نظريّة الانكفاء التي مثّلها ستيفن وولت في مقالة في موقع «فورين بوليسي» بعنوان «على الولايات المتحدة ان تقرّ انه لم يعد لديها سياسة شرق أوسطيّة». لكن وولت يأخذ على الحكومة الأميركيّة جموحها لا تمنّعها. أي ان الصنف الأوّل من نظريّة الانكفاء يحثّ الحكومة الأميركيّة على ارتكاب المزيد من الحروب والاجتياحات فيما يحثّ الصنف الثاني الحكومة الأميركيّة على ارتكاب المزيد من أفعال السلام. لكن وولت يصل إلى خلاصة ان الحلّ السلمي لمشاكل الشرق الأوسط، ولمشاكل أميركا المتأتيّة عن تدخّلاتها في الشرق الأوسط، يكمن في الانكفاء (غير المُتحقّق) عن الشرق الأوسط والامتناع عن التدخّل فيه لأن هذا التدخّل جرّ الويلات على الشرق الأوسط وعلى أميركا. لكن من صلب نقد وولت للسياسة الأميركيّة غياب سياسة حقيقيّة فيما يُسمّى بـ«المسيرة السلميّة» التي لم تعد تعني، ولم تكن يوماً تعني، غير تبنّي كل حروب وجرائم العدوّ الإسرائيلي تحت ستار من وهم مسيرة سلام لا يعترف بوجودها عربيّاً إلى المنتفعين منها ماليّاً في سلطة أوسلو (أو أدوات أميركا وإسرائيل في المنطقة العربيّة التي تردّ على جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيّين العزّل عبر تصنيف حركة المقاومة الوحيدة ضد العدوّ الإسرائيلي بأنها «إرهابيّة»). لكن الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط يجب ان يحصل من كل مناطق الشرق الأوسط ومن كل جوانب سياسات الشرق الأوسط لأن التدخّل الأميركي هو سبب الويلات. لكن الأنظمة العربيّة لا تعترض على التدخّل الأميركي بل على وجهة وطبيعة التدخّل، مطالبة إما بزيادته أو بتغيير طفيف في وجهته. ولقد ارتكب ياسر عرفات جريمة في حق الشعب الفلسطيني عندما اعتنق نظريّة أنور السادات بأن الحلّ —لا المشاكل— يكمن في يد الحكومة الأميركيّة: اي أنه روّج لمقولة مسيرة السلام الأميركيّة في أوساط شعب كان يعتبر لعقود وعن حق أن أميركا هي عدوّ الشعب الفلسطيني.
لا تزال الإمبراطوريّة الأميركيّة تسود في العالم، ولم يخبُ بعد حلم السيطرة العالميّة (والكونيّة في حال وجود مخلوقات على كواكب أخرى). لكن التدخّل الأميركي في عهد أوباما أصبح مختلفاً من حيث الاعتماد على القوّات الخاصّة والسلاح الجوّي والعمليّات السريّة أكثر من نشر الجيوش الجرّارة على طريقة بوش، التي يحبّذها طغاة الخليج وأبواقهم في الإعلام. والحديث عن انسحاب أميركي يترافق مع إعادة نحو 2400 جندي أميركي إلى العراق، من غير القوّات السريّة المنتشرة في الإقليم الكردي. وقد باشرت القوّات الأميركيّة بناء قواعد عسكريّة في سوريا، بالإضافة إلى قواعدها في العراق.
كما ان هناك عنصر آخر في نشر القوّة الأميركيّة وزيادة التدخّل العسكري الأميركي حول العالم: باتت الولايات المتحدة تعتمد على وكلائها في مناطق مختلفة من العالم للقيام بحروبها وجرائمها توفيراً للمال الأميركي وللدم الأميركي. عندما يستمع المرء إلى مناظرات المرشحين الرئاسيّين في كلا الحزبيْن يخالهم (ويخالها) من معتنقي الإسلام السنّي لكثرة ما يرد على ألسنتهم من صياح عن ضرورة تشكيل قوّات عسكريّة سنيّة لقتال «داعش» وأعداء أميركا. كما ان الحكومة الأميركيّة باتت تحثّ حلفاءها الأوروبيّين والآسيويّين على بذل المزيد من المال والسلاح للقيام بمهام عسكريّة كانت الحكومة الأميركيّة تقوم بها عبر السنوات: واليابان ألزمها دستورها الذي كتبه لها جنرلات أميركيّون بان يقتصر قطاعها العسكري على الدفاع لكن الحكومة الأميركيّة تريد ان تغيّر من معنى حدود الدور العسكري الأميركي كي تحمل بعض أعباء المُسيطِر الأميركي العالمي. وبطلب من الحكومة الأميركيّة قرّر مجلس النوّاب الياباني عام ٢٠١٥ أن يعيد تفسير المادة التاسعة (الواضحة) في الدستور الياباني التي تحدّ من قدرة الدولة على إنشاء قوى عسكريّة.
إن عصر السيادة العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة الأميركيّة لم ينته بعد. وهناك اعتراضات على هذه السيادة في داخل أميركا، لكن هذه السيادة العالميّة الأميركيّة لم تروِ ظمأ أنظمة الطغاة العرب. هم يطالبون جهاراً بمزيد من القنابل والصواريخ فوق رؤوس العرب والمسلمين. المزيد من الحروب الأميركيّة عند هؤلاء وعند إسرائيل هي الخلاص الوحيد لهم، ومعقل آمالهم. لكن، أليست الحروب الاستعماريّة الغربيّة هي التي وضعتهم في عروشهم وحافظت عليهم؟
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)