الاستعصاء المتمادي بشأن تشكيل حكومة جديدة، أي في الحقل الأساسي لإدارة شؤون البلاد (السلطة التنفيذية)، هو أكثر من مجرد صراع على الحقائب (السيادية والخدماتية)، وعلى الأكثرية المقررة أو الأقلية المعطِّلة. إنه حلقة متجددة وخطيرة في سياق استعصاء أوسع وأشمل، يكاد يصيب، بالعقم والشلل، كل مؤسسات السلطة في البلاد: التشريعية والقضائية والامنية والتنفيذية والإدارية... يتكرر هذا الأمر في كل مرة يحتدم فيها الخلاف والتباين والصراع بشأن قضايا سياسية أساسية: محلية أو اقليمية، وحتى دولية في بعض الأحيان. وفي كل المرات (الاستثناءات شبه معدومة) أي في كل الصراعات، وبنتيجتها، فإن أول من يضربه الصراع والانقسام إنما هو المؤسسات الدستورية قبل سواها. وهكذا فإن الجهة التي يُعوّل عليها، في كل أنظمة العالم السويّة، بأن تكون هي الحقل الطبيعي للتعامل مع الأزمات والانقسامات وإيجاد المخارج والتسويات والحلول لها، تصبح عنواناً رئيسياً للمشكلة، عوض عن أن تكون مكاناً طبيعياً لحلها. ومعروف أنّ الأزمات اللبنانية كانت تأخذ، في حالات عديدة ومديدة، صيغة صراع عنيف وشكل حروب داخلية أهلية. حصل ذلك في كل مرة اقترنت الأزمات اللبنانية الداخلية بأزمات إقليمية، فتفاعلتا بشكل خطير ومدمِّر على امتداد أشهر وسنوات وعقود أحياناً!

وحيث إن الأزمات لم تكن داخلية فقط، فإن «الحلول» والتسويات لم تكن محلية، بصورة أساسية، في الغالب الأعم. وهكذا، ورغم الخسائر والمرارات والمآسي، لم يجرِ يوماً وضع الإصبع على الجرح. فلقد ظلت التسويات على الوتيرة نفسها من التأجيل والترقيع والخضوع للمصالح والتوازنات والصراعات القائمة في الداخل أو الوافدة من الخارج. بل إن ما يدهش في الواقع، هو أن قوى الخارج والداخل، في صراعاتها وتحالفاتها، قد اتفقت دائماً على أمر واحد: الحفاظ على النظام اللبناني بعيداً عن كل تعديل وتبديل، إلا في ما يتصل بالحصص وبالتوازنات. أكثر من ذلك، فلقد حصل تواطؤ لم يكن بريئاً، بين أطراف الصراع في الداخل وفي الخارج، على اعتبار النموذج اللبناني صيغة «فريدة» لـ«التعايش» بين الطوائف والمذاهب، في معادلة قامت على الخداع والابتذال، ولم تقم وزناً لما يعانيه لبنان واللبنانيون من الانقسام والشرذمة وعدم الاستقرار. ولقد ذهبت قوى الهيمنة والغزو إلى حدود خبيثة في نقل «الصيغة اللبنانية» إلى دول أخرى.
حصل ذلك في العراق وكامتداد لغزوه واحتلاله من قبل جيوش الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها. والمقصود بذلك إقامة سلطة منقسمة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، سلطة ستكون بالضرورة، في حالة انقسام ونزاع بين مكوناتها، ما يجعلها عاجزة عن السيطرة على ثرواتها الهائلة وعاجزة، بالتأكيد أيضاً، عن ممارسة أي دور ذي طبيعة تحررية حيال قضايا المنطقة السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي المقدمة منها قضية تشريد الشعب الفلسطيني واغتصاب وطنه وإقامة مشروع عدواني متعدد الأغراض والاستهدافات في قلب المنطقة العربية.
توليد الأزمات والعجز عن احتوائها وحلها، وتفاقم ذلك إلى حروب داخلية، هي منتج أصيل وشبه حصري (!) لنظام التقاسم والانقسام والمحاصصة الطائفية اللبناني. بالمقدار ذاته قامت توازنات النظام وصراعاته وتسوياته على تبعية للخارج تترسخ باستمرار. وهي تبعية تبلغ مداها الأقصى اليوم، وفي الحقول كافة.
ويمكن تكراراً أنه بسبب الانقسام المكرّس بالفئويات على حساب الأساسيات، يعاني لبنان من وحدة وطنية لبنانية هشة، شكليه في أغلب الأحيان، وهي وحدة لا يمكن أن تؤسس لإقامة بناء وطني متماسك ومؤسسات وطنية موحدة ومستقرة. وحيث إن هذه الوحدة محروسة غالباً بتوازنات الخارج وتسوياته، فهي تصبح عاجزة بإزاء أول أزمة أو عقدة في العلاقات والتوازنات. ويزيد في تفاقم ذلك ما أدخلته القوى الداخلية والخارجية من إطلاق العصبيات ومعها الغرائز والتطرف من كل نوع. ويكاد هذا الأمر يجعل الجميع أمام مأزق متساو في خروج الأمور عن السيطرة، دون أن يجعل أحد، للأسف، حتى الآن، يعيد النظر في سياساته وفي مخاطرها على المصيرين القومي والوطني وحتى على مصير الأطراف المعنية نفسها. في ما بلغته الأزمة اللبنانية الحالية من تفاقم، بات حتى إمكان انعقاد هيئة الحوار الوطني متعذراً. يبدأ الخلاف من جداول الأعمال نفسها، ليطال كل التفاصيل. يرتبط شأن الحكومة وتشكيلها ودور وانعقاد مجلس النواب وهيئة الحوار بـ«الضربة» الأميركية، وبالكونغرس الأميركي، وبالحوار الأميركي ــ الروسي وبمؤتمر «جنيف 2». يقرر رئيس استخبارات دولة عربية من يشارك في الحكومة ومن يجب استبعاده. يتحرك الأمن وحياة الناس على إيقاع معارك حلب وحمص والقصير ودرعا ومساكن برزة...
وفي سياق هذه المحنة الكبيرة يواصل الزعماء والقادة حديثهم وسيرتهم المعتادين في ادّعاء الحرص على الوطن وفي اتهام الآخر بالتفريط والتبعية والخيانة.
ويعوّل هؤلاء على ما تراكم في تقاليد الحياة السياسية اللبنانية من صنوف اللامسؤولية واللامبالاة والكثير الكثير من النفعية والانتهازية وعدم المحاسبة والمساءلة.
يعوِّلون أيضاً على ضعف القوى الحريصة: القوى التي صاغت في السابق برامج لتغيير النظام بإصلاحه وتحريره من القيد الطائفي ومن التبعية للخارج.
نهوض هذه القوى مجدداً هو مصلحة وطنية لإنقاذ لبنان واللبنانيين مما هم فيه من الضعف والانقسام والضياع، ومما ينتظرهم ويتهددهم من احتمالات أخطر، ليس أقلها التقسيم والتفتيت وتضييع الوطن والإنجازات في حقل التحرير وفي ميادين الانفتاح والتمدن والتقدم.
* كاتب وسياسي لبناني