الحرب غالباً ما تفضي إلى التدمير الذاتي، ولكنها في حالات معينة تكبح عن فعل ذلك. فبفضل قيام نشاطات موازية لها تغدو أعمال القتل الناجمة عنها «محتملة أكثر» ومحصورة في أطراف محدّدة. وهذا يسهّل على الكتل البشرية المعرّضة للفناء تعيين المجال الممكن لحركتها بعيداً عن سلطة القتلة. في سوريا يحصل ذلك على الدوام، بوتيرة تكاد تكون منتظمة إلى درجة أنّ القتل المدار من جانب قوى الحرب لم يعد يحدث بالنجاعة ذاتها. حتى التهجير الجماعي والإلقاء بالكتل البشرية خارج مجالها الاجتماعي (نموذج ريف دمشق تحديداً) أصبح أصعب مع الوقت، وبالتحديد مع إمكانية الانتقال إلى مجالات اجتماعية أخرى يخشى النظام على وجوده من تدميرها (بيئة القلمون التي أصبحت ملاذاً لكلّ المهجرين من أرياف دمشق الأخرى بفضل «الصفقة» المعقودة مع النظام لتحييد طريق دمشق ـــ حمص الدولي). بهذا المعنى لا يعود القتل الذي يمارسه النظام مجدياً كثيراً، فالذي يقتل في داريّا والمعضمية ودوما و... إلخ سيجد من يحضن عائلته في أماكن أخرى، وهكذا دواليك حتى يصبح التوازن الاجتماعي في مواجهة النظام وآلته العسكرية وازناً بالفعل، بحيث يصعب على أيّ كان، لا النظام فقط إفناؤه من جديد. «المقاومة المسلّحة» لأبناء هذه المناطق هي التي فرضت هذا الأمر، وأعجزت النظام عن إلقاء مزيد من الكتل البشرية خارج بيئاتها الاجتماعية، وحين يحدث الخروج بفعل التدمير الشامل للبيئات تلك لا يجد الأهالي صعوبة في الانتقال إلى بيئات أخرى تشبههم وتتفانى في احتضانهم. لنعتبر هذه الدينامية أفضل الممكن في ظلّ موازين القوى القائمة والمختلّة لمصلحة النظام، والحال أنّها - أي الديناميّة - قد فعلت فعلها في كفّ يد السلطة عن عدد غير قليل من البشر. غير أنّها أتت في المقابل على كثير من المساحات المشتركة التي كانت قائمة قبل حدوث الانتفاض. في هذه المساحات ثمّة أناس تأذّوا من تخصيص الكتلة المنتفضة بالحماية وتركهم هم تحت رحمة القوى التي بدأت تتكوّن على أنقاض النظام وأجهزته. التحوّل هنا أخذ شكلاً سلطويّاً بحتاً ولم ينتبه أصحابه إلى أنّ الانتقال من ضفّة «الثورة» إلى ضفّة السلطة في ظروف الاشتباك مع النظام سيجعلهم عرضة لمساءلات لا تنتهي حول طبيعة الأدوات التي بحوزتهم. بالنسبة إلى أيّ مراقب لتطوّر الأمور، بدا منطقياً جدّاً أن تتغيّر الأدوات تلك، وبالتالي أن تنزلق «الثورة» مع الوقت إلى مواجهة المجتمع. ولا يهمّ هنا عن أيّ مجتمع نتحدّث، ففي النهاية المجتمع القريب من السلطة والحاضن لها لا يمكن عزله عن السياق العام لحدوث الانتفاض، فهو من الظواهر الاجتماعية التي يستحيل فهم المسألة السورية وصيرورتها بدون التطرّق إليه بجدّية ومن غير أبلسة. إذ منذ البداية أظهرت الكتلة الموالية (وبدرجة أقلّ المتردّدة) ممانعة واضحة تجاه عملية جرّها إلى المواجهة مع النظام، وفي الأماكن التي حصل فيها الانجرار تمّ الأمر على نحو هزلي وسطحي إلى أبعد الحدود. لم تستفد المعارضة في تلك المناطق من تجارب النظام مع الأهالي الرافضين له ولسلطته، فذهبت باتجاه بناء علاقة «مماثلة» مع الكتلة الرافضة لها. بالأساس كان الرفض هو المحدّد للعلاقة بين الطرفين، وكلّ التوافقات الشكلية التي حدثت لاحقاً أتت لطمس هذا الرفض ولتحويله إلى هامش لا يقدّم أو يؤخّر شيئاً في عملية بناء السلطة الجديدة. لنلاحظ هنا أنّنا نتحدث عن «ثورة» تبني سلطتها قبل تفكيك سلطة النظام، وقبل إيجاد الموارد الكافية لتمويل مؤسّسات هذه السلطة. في الثورة تحرق المراحل عادة ويجري غضّ الطرف عن الوقت الذي تحتاجه الدولة لبناء مؤسّساتها أو لإعادة بنائها بالأحرى، إلا أنّ الوضع هنا مختلف بعض الشيء؛ فالثورة عندنا ليست ثورة تماماً، كذلك إنّ الدولة لم تعد دولة بالمعنى الفعلي. لنقل إنّنا نعيش في مرحلة حيص بيص، فلا القطيعة مع النظام واردة بالمعنى الذي نعرفه عن الثورة، ولا النظام تحلّل بالقدر الكافي ليفقد قاعدته الاجتماعية الفعلية. كلّ ما حصل أنّنا استعجلنا «الثورة» فأتت ناقصة وغير مقنعة بما يكفي، حتى لمن كان يعتقد أنّه «الأكثر راديكالية» في مواجهة النظام. فجأة وجدنا أنفسنا، وخصوصاً من مرّ منّا بتجارب مؤلمة وشخصيّة، إزاء نظام يتحلّل في الأطراف (حتى منطقة مثل حمص بدت كأنّها مجرد طرف في مرحلة من المراحل) ويخلي الساحة لقوى مقاتلة محلّية غير بعيدة عن المجتمع هناك وتركيبته. لوهلة بدا بالنسبة إلى المرء أنّ الأمر سيّان، فالقوى التي تكوّنت في مخاض الانتفاض لن يكون تعاطيها مع الآخرين أسوأ من تعاطي النظام وأجهزته، فضلاً عن كونها ابنة البيئة المحلّية، وبالتالي قادرة على بلورة صيغة تحفظ المجتمع المحلّي وتقيه من التفكّك والتحلّل العمودي.

هكذا قدّرنا الأمر وقتها. ربّما نسينا في غمرة هذا التقدير المتفائل أنّ الطبقات داخل المجتمع لم تعد بفعل البطش المستمرّ (من جانب النظام حصراً) قادرة على احتواء التناقضات الاجتماعية كما يجب، وهذا يفسّر حدوث الانفجار داخل المجتمع المحلّي (تجربة القصير هي الأهمّ في هذا السياق) بأسرع مما ظننّا. النظام هناك كما سبق وقلت مرّة لم يخرج وحده، بل خرجت معه كتلة اجتماعية كبيرة، لا لأنّها «موالية» فحسب، بل لأنّ السلطة التي تشكّلت على أنقاض النظام لم تعد تحتمل وجود آخرين يبدون رأيهم في كيفيّة إدارة مجتمع ما بعد النظام. والمؤسف الآن - بل المفجع - أنّ التجريف هناك لا يزال مستمرّاً، وهو لا يتغيّر بتغيّر الوجوه أو الأدوار (النظام - مسلّحو البلد - النظام وحزب الله ومسلّحو المناطق الحدودية-...)، وهذا دليل على أنّ العملية لم تكن تتعلّق «بالثورة» أو بوأدها بقدر ما كانت تعبّر عن الرغبة في تمزيق المجتمع وسحقه لمصلحة طبقات مافيوية بعينها داخل النظام وحلفائه أو داخل المعارضة وحلفائها. بعد هذا كلّه لا يعود الحديث عن الثورة أو المؤامرة مجدياً، فلا الثورة حدثت فعلاً، ولا المؤامرة التي أخرجت كلّ أولئك الفقراء من أريافهم تستحقّ الوقوف عندها (أخصّ بالذكر أهل القصير المعارضين الذين «ساروا على درب الجلجلة» بعد إخراجهم من البلد بالقوّة)، ومع ذلك سنتحدّث. طبعاً سندع النظام الفاشي يتكلّم كما يشاء عن المؤامرات، فهذا دأبه منذ الأزل أمّا نحن فسنتحدّث «عمّا يخصنا»: ما يسمّى الثورة. إذا كان ثمّة ثورة فعلاً، فما حاجتها إلى القمع بالتوازي مع مباشرتها هدم أجهزة القمع التابعة للنظام. لا أعرف ثورة في العالم فعلت ذلك، إلّا إذا اعتبرنا الكتل الاجتماعية الجاري التعامل معها «ثورياً» موضوعاً للتمرّن على فكرة الاستئصال.
وفي هذه الحالة يصبح طبيعيّاً أن نسمع البعض يتحدّث عن استحضار النموذج الأوروبي - الفرنسي تحديداً - في التعامل مع الكتلة الاجتماعية المتعاطفة مع النازية! يا لروعة التاريخ حين يختزل إلى أنماط ويوضع في مواجهة فعل الصيرورة المصنّف على أنّه المحرّك الأساسي لعجلة التاريخ! هل يعلم اليسارويّون شيئاً عن الصيرورة، وهل يعرفون أنّ لثورتهم ضحايا أيضاً، وأنّ الاقتصاص منهم بعد خطفهم أو قتلهم هو فعل نازي بالضرورة؟ سأقترح عليهم أن يعرّفوا من جديد أفعالاً مثل الخطف والذبح على الهويّة و... إلخ. النظام الفاشي اختار تعريفه الخاصّ لفعل الإبادة الذي يتقنه وسمّاه «حرباً على الإرهاب»، يبقى أن تختاروا أنتم يا رفاق اسماً جديداً لما يفعله الوهابيّون بالمجتمع من تقتيل وتذبيح وخطف. بالمناسبة، ليس كلّ من يقتل أو يخطف وهابيّاً بالضرورة، فهذه المرحلة أحرقت كثيراً من المراحل وراءها، وخلّفت أحياناً ضحايا بين رفاق السلاح أنفسهم (ما حصل أمس في اعزاز والرقّة ودير الزور هو نتاج سيرورة طويلة). في أغلب الحالات كان نصيب المسلّحين المحلّيين وأبناء البيئة ذاتها من أعمال الخطف هو الأكبر. طبعاً الحاجة إلى تمويل أعمال «الثورة» هو دافع رئيسي لكنّه ليس الوحيد، فغالباً ما كان يترافق العامل الاقتصادي مع العامل النفسي الخاصّ بالتأثير على الضحية وبيئته الاجتماعية. لنسمّ هذا العامل مثلاً: تحطيم شعور المخطوفين بالكرامة. للتذكير فقط، فانّ الانتفاض هنا لم يحدث إلّا في وجه هذا العامل - في البداية طبعاً -. هكذا بدأت الأمور في درعا، وهكذا ستنتهي في أيّ مكان آخر يرفع فيه الناس قبضاتهم في وجه السلطة المجرمة والمنتزعة للكرامة، أيّ سلطة. المعارضة الآن باتت سلطة في أماكن هيمنتها «مثلها في ذلك مثل النظام»، والعنف الذي تمارسه ضدّ الكتل الاجتماعية الرافضة لهيمنتها وتسلّطها هو عنف موجّه ووظيفي للغاية، أي إنّه ليس اعتباطياً كما يقال. كذلك لا يمكن وضعه تحت خانة ردود الأفعال على بطش النظام. لنقل إنّه ينتمي إلى جملة الممارسات التي تشتغل عليها رأسماليات وإمبرياليات بعينها لحمل الفقراء ومتوسّطي الدخل على استهداف بعضهم البعض، وبالتالي تحطيم وحدة الطبقة التي ينتمون إليها. لنتذكّر أيضاً أنّ النظام هو من قام بذلك في البداية، رغم أنّ أجهزته مليئة بالفقراء هو الأخر! وحتىّ الآن لا يزال يفعل بوقاحة قلّ نظيرها، إلّا أنّ الأساس حاليّاً كما سبق أن ذكرنا هو ما تفعله المعارضة، فالنظام هو سلطة في النهاية ومهمّته الوحيدة كما نعلم هي وأد «الثورة» والبطش بفقرائها، أمّا المعارضة المسلحة، فهي لا تزعم أنّها سلطة، بمعنى أنّها تنكر الواقع وتتفادى الإشارة إلى مسؤوليّتها عن كتلة بشرية هائلة أضحت عمليّاً خارج الدولة بشكلها المعروف. إلى الآن نحن لا نعرف بالضبط حدود المسؤولية المترتّبة على المعارضة، وما نعرفه فقط هو أنّها باتت بحكم الواقع وتحوّلاته سلطة فعلية، لا صوريّة فحسب. في الثورات تنهض «السلطة» التي فكّكت النظام القديم وأخذت على عاتقها متابعة الثورة بحماية المجتمع من التفكّك والانقسام العمودي. لا معنى للثورة أصلاً إذا انقسم المجتمع على ذاته وبدأ بالاحتراب البطيء. هنا أيضاً الوضع مختلف، فالانقسام قائم منذ البداية، والاحتراب بدأ عندما تعطّل العمل بالانقسامات المحدودة والقابلة للاحتواء. النظام استفاد من الانقسام كثيراً وعمل على تجذيره، لكنّه وجد في الاحتراب ضالّته الكبرى. طبعاً فهو سلطة طبقية بالتعريف، وهذه الأخيرة لا تقوم إلّا على تذرير المجتمع والحضّ على إنهاكه بالانقسامات العمودية. ثمّة من يقول ذلك عن المعارضة المسلّحة أيضاً، فهي بدورها سلطة، ولو أنكرت الأمر، وسلطة طبقية بالتحديد بدليل التوزيع المقلوب للثروة في أماكن سيطرتها (كالعادة: من الفقراء إلى الأغنياء). ماذا ننتظر إذاً من سلطة طبقية جديدة تزاحم مافيات النظام على كعكة الثروة؟ يبدو أنّنا صرنا بحاجة في ظلّ هذا التخليط (بالأحرى التوزيع المحكم للأدوار!) إلى إعادة تعريف البديهيّات: الحرب والثورة والسلطة. هل من قال يسار؟
* كاتب سوري