في سياق التحولات والتغيرات التي خالطت الصراع الدموي في سوريا، طفى على السطح الاجتماعي، بعض التحولات والتشوهات والاصطفافات التي تدلل على حجم المتغيرات في البنية المجتمعية وتركيبة الوعي العام والسائد.

أما في ما يخص الاصطفافات المجتمعية فإنها تحدَّدت على مستويات عدة. وفي هذا النص سنتطرق إلى مستويين فقط. المستوى الأول تجلى من خلال الارتكاس العفوي إلى التشكيلات المجتمعية الأولية، وما تحمله من وعي إشكالي. أما المستوى الآخر، فكان يتم الاشتغال على إنضاجه بشكل مدروس، ويهدف إلى تشويه بعض المفاهيم (الحرية، الكرامة، العدالة) وإبعادها عن مساراتها الحقيقية، وتفريغها من مضامينها المعرفية، التي تشكّل جوهر التغيير. وبات واضحاً أن هذه الاصطفافات والاستقطابات بأشكالها السياسية وغير السياسية، أصبحت تتجلى عيانياً، بأشكال ممارسة قهرية ترتكز على الانغلاق والتمحور حول الذات الأولية.
وساهم في ازدياد مظاهر تشويه هذه المفاهيم، ربطها بالعامل الخارجي، الذي اشتغلت أطرافه وأدواته، على ضبط سياقات الوعي وآليات التفكير، وتوظيفها لخدمة أهدافها الخاصة. فاستغلّت بعض الجهات الرسمية النافذة، بعض التحولات والمظاهر السلبية لتربط على أساسها كل من يطالب بالحرية بمؤامرةٍ تحاك ضد سوريا، وتوصيفهم على أنهم عملاء ومرتبطون بالخارج. وركّزت إعلامياً، على تمكين هذه الرؤية وتحويلها إلى وعي عام. وهذا لا يعني غضّ النظر عن انتكاسات وعي بعض الأطراف المعارضة، التي ساهمت ممارساتها السياسية المأزومة، في تشويه مضامين ذات المفاهيم.
وتشكل هذه الآليات ظلماً كبير للمواطن السوري وللمعارضة الوطنية الديمقراطية التي كانت وما زالت تعمل وفق آليات سياسية عقلانية وسلمية لتحقيق التغيير الوطني الديمقراطي.
ويرتكز الميل الجديد للوعي على تخوين وتكفير من يطالب بالحرية. وينظر إليه على أنه عميل يستدعي التدخل الخارجي. وحتى أنه فاقد للأخلاق (عاهر). وإضافة إلى ذلك، فإنه كان يتم التركيز على أن الأزمة التي يعاني منها المجتمع السوري، هي نتيجة للحرية التي يطلبها السوريون. كأننا أمام مشهد يريد أن يوضح لنا بأن السوريين كانوا قبل الأزمة ينعمون بالعدالة الاجتماعية والحريات السياسية... وإن مجموعات من الخونة والمرتبطين والمأجورين أرادوا باسم الحرية تدمير الدولة والمجتمع واستدعاء التدخل الخارجي. وهذا بالطبع لا ينفي هذه التهم عن بعض الأطراف والشخصيات، لكنه لا يعكس جوهر الأزمة وأسبابها الموضوعية.
بالتأكيد فإن هذا التحوّل يصبّ في خانة تسطيح الوعي وتخوين السوريين، وتحديداً من خرج مطالباً بحقوقه الأساسية. فالمجتمع السوري كغيره من المجتمعات يطمح إلى تحصيل حقوقه الأساسية والعامة والشخصية، كونها تشكل أساس المواطنة.
لكنَّ التحوّل عن آليات التغيير الوطني الديمقراطي السلمي، التي أكدت (شكلانياً وظاهرياً) الجهات الرسمية على مشروعية بعضاً من أهدافه، وتحديداً التي لا تهدد استقرار البنية العميقة للسلطة، إلى اعتماد خيار إسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه، كمدخل للتغيير السياسي. كان من جملة الأسباب التي أسهمت في تعميق الأزمة. وقد تزامن هذا التحول مع رفض الحوار، والاحتكام إلى القوة التي لم تقدّر أطراف الصراع حجم نتائجها وتأثيرها وانعكاساتها على المجتمع.
وقد تقاطعت في سياق التهديم الذاتي للمجتمع والدولة، الآليات الأمنية والعسكرية، مع الآليات التي اعتمدتها الأطراف التي كانت ترى بأن الخيار المسلح هو السبيل الوحيد للتغيير. وكان من الطبيعي أن تتقاطع هذه الآليات مع الأصوات الدولية والإقليمية التي رأت بأن لحظة تحقيق المشاريع المعدة للمنطقة أصبحت مؤاتية، كون البوابة السورية باتت مفتوحة.
إضافة لذلك فإن عجز المعارضة الوطنية الديمقراطية في الداخل، وتهميشها ومحاربتها من قبل أطراف إقليمية ودولية ورسمية داخلية، ومن المعارضة الخارجية. كان يتزامن مع دعم إعلامي مكثف لمعارضة الخارج، التي ركبت موجة الحراك. واشتغلت على توظيفه بما يخدم مصالحها ومصالح الدول الداعمة، بعيداً عن العقلانية السياسية والموضوعية، التي كان يجب أن تستند إلى دراسة الواقع السياسي والاجتماعي ورصد تحولاته وتحديد عوامل قوته وضعفه.
ومن العوامل التي ساهمت في تغيير مجرى الحراك وآلياته، تحميله أهداف وشعارات لا طاقة له على تحقيقها أو تحمّلها، إضافة إلى كونها كانت في كثير من اللحظات تناقض توجهات وميول الغالبية الشعبية. وأفضى هذا التحول الذي تقاطع مع انفضاح واقع قيادات معارضة الخارج، وارتهانها إلى القوى الدولية والإقليمية، وتغوّل الأطراف الجهادية، وهيمنة الخيار العسكري على المشهد العام، إلى انفضاض فئات شعبية واسعة عن الحراك، وحتى معاداته.
إضافة لذلك، فقد ساهمت الممارسة السياسية غير العقلانية للأطراف التي تدّعي قيادة (الثورة)، في تشكّل وعي يقوم على تخوين كل من لا يناصر (الثورة والثوار) واعتبارهم أعداء للثورة، ومناصرين وداعمين للاستبداد، وضد الحرية، دون الالتفات إلى واقع هذه الفئات ومدى الظلم الذي لحق بها. وكان هذا التحوّل، يتعمق كلما ازدادت حدة الأزمة واستطالت.
وأيضاً فإن الآليات التي اعتمدتها بعض الجهات الرسمية، ساهمت في تشكّل وعي مشوه، مفاده أن «الحرية» سبب للأزمة، ومن يطالب بها، مجموعة من الخونة يجب التخلص منهم عندما تحين الفرصة.
ولأن جوهر المواطنة يقوم على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فإن اتهام من يطالب بهذه القيم على أنه سبب للأزمة. يعتبر تشويهاً للوعي، وابتعاداً عن جوهر الأزمة التي يعانى منها المجتمع السوري منذ عقود. فهذا المستوى من الوعي يتجاهل بنية السلطة التي أسهمت بشكل واضح في إيصال المجتمع إلى عتبة الانفجار.
ومن الأسباب التي ساهمت في انحدار مستوى الوعي وأشكال تجلياته، ليس فقط التجييش والتحريض الإعلامي والسياسي المتبادل. بل انحطاط وعي النخب السياسية. وقد حذرنا منذ البداية من خطورة الانزلاق إلى تغييب العقلانية السياسية عن الحراك. كذلك أكدنا أن غياب العقلانية السياسية عن التظاهر الذي يُعتبر احدى آليات ومستويات العمل السياسي، سوف يقود إلى العبثية والفوضى الهدامة. لكن ما زاد من تعقيدات الأزمة، هو اعتماد العنف للقضاء على الحراك، والعنف المضاد لتحقيق أهداف التغيير. وبات واضحاً إن استطالة الأزمة، أدى إلى ازدياد مستوى العنف المحمول على أبعاد طائفية تدميرية، وتفاقم تعقيدات الأزمة، وإبعاد التغيير الديمقراطي السلمي عن جوهره وأهدافه الأساسية. وهذا يرتبط أيضاً بازدياد تدخّل الأطراف الخارجية. لكن انحدار مستوى الوعي إلى درجة يتم فيها تخوين من شارك في الحراك، ومن يطالب بالتغيير الديمقراطي والحرية، واتهامه بأنه سبباً للصراع الدموي. فإنه لا يتحدد بمستوى الوعي الشعبي فقط، بل يتأثر بارتهان قادة معارضة الخارج، وآليات اشتغال الجهات الرسمية المختصة. فقد بات تدمير العقل والعقلانية هدفاً لأطراف الصراع المسلّح.
ولأن الحرية ضرورة اجتماعية وسياسية، فإنها يجب أن تكون نتاج القوى الاجتماعية الذاتية والمستقلة عن أي تدخل خارجي، وبالشكل الذي يتناسب مع مستوى التطور الاجتماعي والسياسي والقيمي.
فالحرية ليست سبباً للأزمة، إنما هي مطلب وحاجة اجتماعية عامة. وتحقيقها يستوجب القطع مع القوى الدولية التي تريد فرض هيمنها الأحادية وتمزيق المجتمعات العربية، وزرع الفوضى والتخلف بحجة تحرير الإنسان. فالحجج والذرائع والادعاءات التي تقدمها القوى الخارجية من أجل إخفاء أهدافها ودافعها في السيطرة على مجتمعاتنا، باتت مفضوحة. كذلك فإن استمرار السلطات في قمع الحريات السياسية والعامة، وإجهاض أي ولادة سياسية وطنية وديمقراطية في سياق تجفيف منابع العمل السياسي والمدني، وتجويف المجتمع وتفريغه من محتوياته الإيجابية، وامتهان كرامة الإنسان وإفقاره... لم يعد مقبولاً، ويجب إيقافه.
إن تحقيق العدالة الاجتماعية يشكّل المدخل لتملّك الإنسان كرامته. وهذا يحتاج إلى اقتصاد يلحظ بشكل مباشر حقوق كافة أبناء المجتمع. وتحقيق الكرامة الإنسانية، يشكّل البوابة التي من خلالها يعبر الفرد إلى فضاء الحرية التي تمثّل جوهر الحياة الإنسانية، وتغييبها يحوّل الإنسان إلى (كائن) يفتقد أدنى أشكال ومستويات الكرامة والإنسانية. كذلك فإنَّ الديمقراطية تشكّل المناخ المناسب لممارسة الحريات السياسية التي تشكّل مدخلاً لتحقيق التوازن الاجتماعي. لكن المجريات الميدانية، تسحق كرامة الإنسان، وتقضي على أبسط مقوّمات العدالة الاجتماعية، وتبتذل مفهوم الحرية وتسطحه وتجرده من مضامينه الحقيقية. فالحرية مسؤولية والتزام، وليست فوضى وتجاوز على الآخرين. وهي ليست حاجة ومطلب إنساني فقط، بل مدخلاً للديمقراطية، وهي جوهر الممارسة السياسية. فالحريات العامة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، تشكّل جوهر وأساس الحياة الإنسانية، ومقدمة لبناء مجتمع المواطنة الذي يتساوى فيه كافة أبنائه في الحقوق والواجبات، بعيداً عن كافة التجاذبات والتناقضات والانتماءات والولاءات دون الوطنية.
* باحث وكاتب سوري