مناسبة هذه المقالة، دعوة الأستاذ ناهض حتّر للعماد عون، الذي أبدى رغبته بالتحرّر من عبء الإدارة اليومية لتياره، لاعتناق المشرقية. ما هي المشرقية، وهل هي خيار ملائم لمن تُوَجَّه إليهم الدعوة بشأنها، وكيف الحكم على هذه المسألة؟


1ــ المشرقية كما ترد في بعض الأدبيات الجديدة

يمكن بالعودة إلى أرشيف «الأخبار» تتبّع مداخلات الأستاذ حتّر في هذه المسألة منذ 2008. وقد اقترن آنذاك استخدام المشرقية بالدور الذي ينبغي أن تلعبه المسيحية العربية. وفي نص 2008، دعوة للعماد عون في مناسبة زيارته لسوريا، للمساهمة في «إعادة تأسيس المسيحية العربية المشرقية»، بما «يعيد تأكيد حضور المسيحيين في عروبة تعددية حداثية (...)» («الأخبار»، 16/12/2008).

وثمة لاحقاً دعوة إلى تحويل الكتلة المسيحية اللبنانية «مركزاً لمسيحية مشرقية تقدمية» («الأخبار»، 30/2/2013). لكن تناول المشرقية كخيار وموضوع للنقاش بات يتكرّر أكثر مع اشتداد الحرب على سوريا. وقد كشفت الحرب أن «المشرق مجال قومي مترابط وخاص» («الأخبار»، 29/5/2013). وشكّل «اللقاء المشرقي للدفاع عن سوريا» الذي انعقد في بيروت في تموز 2013، منطلقاً لجهد أكبر في طرح فكرة المشرقية. بدا المشرق «مجالاً جيو _ سياسياً واحداً»، يجمع الدول الخمس، لبنان وسوريا والأردن والعراق وفلسطين. وبدت المشرقية أفقاً طُرِح رداً على محاولات التفتيت للدول الوطنية العربية، من خلال الحرب على العراق، ثم على سوريا. بل بدت المشرقية رداً على سايكس _ بيكو، ودعوة «لإنهائه»، والسير في اتجاه «التوحيد والتكامل». وقد دعا المتداخلون إلى إنشاء «مجلس تعاون مشرقي» («الأخبار»، 6/7/2013). ثم جرى إنشاء «مركز التقدم المشرقي» الذي وضع هدفاً هو «تفعيل الحوار النقدي المفتوح حول قضايا المشرق» («الأخبار»، 8/7/2013)، وإصدار ملحق أسبوعي تحت عنوان «قضايا المشرق» في جريدة «الأخبار». أي كان ثمة إقرار بضرورة تضافر الجهود «لبناء مشروع فكري سياسي جديد»، يستخدم للتعبئة والاستنهاض، وتتولى النخب الحاكمة وضعه موضع التنفيذ.

2ــ المشرقية في السجال اللبناني بين اللبنانوية والعروبة

عكست التجربة اللبنانية الضعف التكويني للكيان، الذي تأتّى من الاختلاف على الهوية، ومن مأسسة التحاصص الطائفي داخل الدولة بكل مكوناتها. كان ثمة قراءتان متعارضتان للهوية الوطنية في هذا الكيان الجديد. كان الصراع بين اللبنانويين والعروبيين أحد العناصر الثابتة في المشهد المحلي منذ نشوء الكيان عام 1920. حاولت بعض النخب المسيحية إرساء مجال سياسي يستمد تجانسه من رفض العروبة والانتماء العربي. وواجهتها معارضة رفضت تقبّل هوية غير عربية للكيان.
أعطت الولايات المتحدة من خلال تدخّلين سافرين لها في حربين أهليتين، عامي 1958 و1975، قوة لهذا التعارض في النظر للهوية الوطنية، وعملت على الدوام على تكريس الطائفية لضمان بقاء النخب الموالية لها. وجاءت الحرب الأهلية الطويلة الأمد لتنشئ واقعاً جديداً، تمثّل بفرز جغرافي إضافي على أساس «إثني»، هو شأن جديد في التجربة التاريخية الطويلة للبنان. وشكّلت عزلة المسيحيين خلال الحرب وما بعدها عنصراً سلبياً إضافياً في إدراكهم لذاتهم.
لكن تجربة الحرب بالذات وقواها المتطرفة، دفعت إلى إجراء مراجعة مهمة بشأن هوية المسيحيين. عكست أعمال الدكتور كمال الصليبي، المتأخرة نسبياً، على أفضل وجه هذه المراجعة (الصليبي، 1988 و1990). وهي: 1) وفّرت حججاً قاطعة أكدت هوية المسيحيين العربية؛ 2) أظهرت عدم صحة الوقائع التي استنِد إليها منذ البطريرك الدويهي لاختلاق هوية مختلفة للمسيحيين، يصار بها إلى عزلهم عن محيطهم؛ 3) أضاءت على الممارسة الاستفزازية لبعض أطراف النخبة المسيحية لأقرانهم المسلمين، معتبرة إياها السبب في رفض العرب للدولة الوطنية اللبنانية، في حين أنهم تقبلوا الكيانات الوطنية الأخرى، ومعتبرة إياها أحد أسباب فشل التجربة اللبنانية.
لكن حقبة ما بعد الحرب لم تكن ميدان سجال بين اللبنانويين والعروبيين على نحو ما كان الأمر قبل 1975. فرضت قوى الحرب منذ 1975 حالة من نزع التعبئة والانكفاء عن الشأن العام، استمرت على مدى الحرب وبعدها وحتى الآن.
ـــ تأتي المشرقية كطرح جديد في ساحة الأفكار السياسية والأيديولوجيات التعبوية والاستنهاضية، من دون أن تكون قد توافرت لها منطلقات فكرية متأنية. ويتضح من الأدبيات المتوافرة رغم محدوديتها، أن ثمة تمايزاً لا بد من إقامته بينها وبين القومية العربية. ينتقد الأستاذ حتّر القومية العلمانية للقوميين العرب، لأنها تعمل «كأداة أيديولوجية لتمزيق المشرق لحساب قومية عربية تعبّر عن نزعة هيمنة طائفية (...)». ويطرح بالمقابل في المقالة نفسها ضرورة «التأسيس لعلمانية فعّالة لا لفظية تقوم على التجاوز السياسي والثقافي للطائفية من دون قمعها _ وبالتالي، إعادة إنتاجها» (حتّر، 2008). لكنه يقول في مكان آخر، إن تيار المشرقية «لا ينطلق من القول بقومية محلية منفصلة عن الأمة العربية، لكنه يتلمّس ضرورات توحيد إقليم جيو _ سياسي عربي» («الأخبار»، 20/9/2013). يجري من جهة أخرى، الحديث عن «المشرق» من دون إضافة «العربي» إليه. وقد بدا أن في ذلك رغبة بمراعاة المكوّن الكردي في المشرق العربي. وفي المؤتمر لدعم سوريا، اعترض الإخوة من تونس على الفرز التعسفي تحت عنوان المشرق، الذي جعلهم خارج الجمهور المعني بدعم الدولة الوطنية في سوريا. ثمة إذاً فصل بين المشرقية والعروبة. وهو يقتضي في مطلق الأحوال أن يوفَّر تبرير جدي له. وهو طرح له انعكاس سلبي على جمهور العماد عون بالذات.

3 ـــ المشرقية والعماد عون

يمثل العماد عون جمهوراً مسيحياً. كان هذا الجمهور قد استقوى به عام 1988 للانتفاض على الميليشيات وتجربتها المدمِّرة. ودخل في مواجهة مع الولايات المتحدة وأدواتها المحلية لمجرّد أنه رفض إملاءاتها، ولكونه من خارج النخبة السياسية التي عملت أميركا مدى الحرب للحفاظ عليها. تُظهِر دراسة دوغلاس ليتل للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط منذ خمسينيات القرن الماضي أنه كان يكفي أن يعبّر المسؤول العربي عن موقف متمايز عما تريده هذه القوة العظمى، حتى يستحق وضعه على لائحة من ينبغي إسقاطهم بالانقلاب العسكري أو الاغتيال أو الانتفاضة المفتعلة. وقد ثبت ضلوعهم في تصفية ثلاثة زعماء عرب على الأقل، هم عدنان المالكي وعبد الكريم قاسم وصدام حسين (ليتل، 2004). ويظهر كتاب أيرين غندزير عدم قدرة مسؤولي الخارجية الأميركية على تقبل مسؤول أو سياسي لبناني لا يوافقهم في كل شيء. وتجربة الزعيم كمال جنبلاط في عهد الرئيس شمعون مثال على ذلك (غندزير، 1997).
وقد خسر العماد عون معركته ضد الميليشيات وضد الحليف الظرفي للولايات المتحدة الذي مثلته سوريا آنذاك، في ظرف دولي خاص، عكَس بداية تفرّد الولايات المتحدة بإدارة العالم. وبقي جمهور العماد عون على حاله بعد 15 سنة من المنفى. وهو الجمهور الذي رفض الحرب الأهلية في الأساس، ولم يؤخذ إلى التعبئة الطائفية. وهو يمثّل الأغلبية المسيحية، لأن القوى التي افتعلت الحرب كانت أقلية استمدت قوتها من الدعم الخارجي لها. وقد محض جمهور العماد عون قائده دعماً كان بمثابة «شيك على بياض» معوّلاً عليه لأخذه إلى مستقبل أفضل.
ولعل توقيع ورقة «التفاهم» مع حزب الله عام 2006، عبّر على أفضل وجه عن مواصفات هذا الجمهور البعيد عن الكراهية الطائفية. وعبّر هذا التوقيع عن قدرة العماد عون على أن يتصرّف كسياسي بعكس ما تمليه السفارة الأميركية في بيروت. أما الباقي فهو استهداف مستمر له لهذه الأسباب بالذات، وقصور كبير في التأسيس الثقافي لجمهوره العريض، وفشل في تقديم شيء جديد في الملفات الاقتصادية وكيفية إدارة الشأن المحلي. بل أصبحت ظاهرة العماد عون مقتصرة على الصورة المحبِطة للسياسيين المتحلِّقين حوله، ومداخلات في الشأن العام لا تفي بالحاجة، وضعفاً في تعبئة جمهوره يطرح علامات استفهام حول إمكان استمرار تياره في حال انكفائه.
ـــ تأتي في هذه الشروط دعوة الأستاذ حتّر للعماد عون لاعتناق المشرقية. وهي تعبّر في أقل تقدير عن اعتزازه به والرغبة بالعمل معه. وهو يدعوه للخروج من «الخضوع الماضوي للكيانية المسيحية اللبنانية الغربية الهوى»، وإلى تفضيل وضع «المواطنة والشراكة القومية» على وضع «الأقلية». ويرى أنّ الدفاع عن المسيحية المشرقية يكون بخوض المعركة «على المستوى المشرقي». ويقدم حزب الله نموذجاً لدفاع يقوم على «تجاوز الحدود». ويقترح على الجنرال عون أن «يندرج في مشروع مسيحي مشرقي علماني يتجاوز الحدود القطرية والكيانات، ويفكر ويعمل من أجل الحفاظ على المسيحية المشرقية (...) واسترداد دورها القومي التنموي الثقافي». وفي كل هذا مشاركة في «صنع التاريخ الجديد للمشرق العربي» («الأخبار»، 25/9/2013).
تكتسب هذه الدعوة أهمية إذا توافرت شروط أهمها:
ـــ أن يتم تعريف المشرقية بجهد نظري أوسع وأعمق، وأن تُستخدم في ذلك طاقات معرفية رفيعة ينبغي استقطابها.
ـــ أن لا يصار إلى إنشاء تعارض مفتعل بين القومية العربية والمشرقية. بل لقد أصبح من الضروري أن يقال على الدوام «المشرق العربي»، وليس فقط «المشرق». وها هي الدولة السورية التي نجحت في صد الحرب الكونية ضدها تقدم نفسها على الدوام كـ«الجمهورية العربية السورية». ولقد رأت الولايات المتحدة في القومية العربية العدو الذي لا يمكن مهادنته. واستقوى بالقومية العربية كل الرؤساء والزعماء العرب الكبار الذين امتلكوا مشاريع بناء الأمة والدولة الوطنية على قاعدتي السيادة والعدالة الاجتماعية.
ـــ تكتسب هذه الشروط أهمية إضافية في حالة جمهور العماد عون، لأنها تؤول إلى تثبيت تموضعه في تيار العروبة والقومية العربية، وتنأى به عن الطروحات المعادية للعرب. وتكتسب أهمية أيضاً، لأنها تزيل الالتباس الذي يمكن أن يتواجد، ويقوم على فرز المشرقيين بين جمهور كبير تشكّل القومية العربية مرجعية ثابتة لديه، وجمهور أقلّوي ينكفئ تحت عنوان المشرقية.
وبالعودة إلى تجربة «النهضة العربية» التي يتشارك الكل في مديحها، كان المسيحيون «يزايدون» في حمل الخطاب القومي العربي. أما اللبنانيون ككل، فهم مدعوّون إلى بلورة تصورات لمستقبلهم في هذه المرحلة الانتقالية، على نحو ما حصل قبل إنشاء «لبنان الكبير».
* باحث لبناني

المراجع:
Gendzier Irene٬ Notes from the Minefield: United States Intervention in Lebanon and the Middle East٬ 1945-1958٬ N.Y.٬ Columbia univ. press٬ 1997.
Little Douglas٬ “Mission Impossible: The CIA and the Cult of Covert Action in the Middle East”٬ Diplomatic History (2004) 28 (5): 663-701.
Salibi Kamal٬ “Tribal Origins of the Religious Sects in the Arab East”٬ in Halim Barakat (ed.)٬ Toward a Viable Lebanon٬ Georgetown Univ.: Centre for Contemporary Arab Studies٬ 1988٬ pp. 15-26.
كمال الصليبي، بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصور والواقع، مؤسسة نوفل، 1990.