الهوية هي الشعور بالانتماء الذي يربط الإنسان بأمّة ما أو بدولة ما، بغض النظر عن الجنسيّة التي يحملها. أمّا العناصر التي تحدّد الهويّة الجماعيّة فهي: الارتباط بالأرض وبمصادر المياه، التاريخ المشترك، اللغة، العادات والثقافة، الترابط الاجتماعي، وفي بعض الأحيان الدين. وقد يختار الإنسان قبول هويّة ما ليس على أساس رابط الدم والولادة فيها، بل على أساس قبول القِيَم المشتركة والإحساس بالانخراط وتحمّل المسؤوليّة تجاه الجماعة التي تحمل الهويّة المعيّنة. يتعزّز الشعور بالهويّة كلّما تعرّضت الجماعات للخطر واضطرت إلى أن تتكاتف للدفاع عن نفسها. ولطالما بحثت شعوب هذه المنطقة من العالم عن «هويّات» تحملها، وقد فرض المحتلون البعض منها عليها، فيما جاء البعض الآخر نتيجة بحث فكريّ متأثّر بأفكار من خارج الحدود، أو نتيجة إحساس بالوجدان الجماعي المرافق للجماعات.


الهويّة المشرقيّة

المشرق أو Levant هو المنطقة الشرقية لحوض البحر الأبيض المتوسط وتضمّ البلدان الآتية: لبنان، سوريا، فلسطين، الأردن، وقسماً من جنوب تركيا وقبرص. ويتوسّع البعض ليضمّ العراق إلى هذه المنطقة الجغرافيّة. واستُخدمت عبارة «دول المشرق» لتُشير في شكل خاص إلى لبنان وسوريا تحت الانتداب الفرنسي بين العامين 1920 و1946. وعند تحديد الهويّة المشرقيّة، تختلف التعريفات، ففي الوقت الذي يظنّ البعض أن المشرقيّة تضمّ المسيحيّين المنتمين إلى الكنائس (والشعوب والإثنيّات) الشرقيّة التاريخيّة: كالرّوم، والكلدانيين، والاشوريّين، والسريان، والموارنة... انضمّ إلى هذه الهويّة المشرقيّة الجامعة المسلمون السنّة، والشيعة، والدروز، والعلويّون، والأكراد، والشركس والترك وغيرهم من الذين قطنوا المشرق ابتداءً من القرن السابع... هذا من دون أن ننسى وجود اليهود التاريخي في فلسطين وسائر المنطقة، ومن ثم الأرمن بعد تهجيرهم، وغيرهم من الأعراق، والانجيليّين، إلى هذا الموزاييك الغني بالتنوّع. لقد صاغت الأيّام ثقافات كل تلك المجموعات المكوّنة للمشرق فاختلفت وتقاربت وتشابهت وتنوّعت وجعلت من الهويّة المشرقيّة هويّة بالغة التعقيد يصعب تبسيطها عند شرح تكوينها، لكنّ فيها الكثير من العناصر المشتركة التي تؤكّد وجود حبل سرّيّ يربط بين ناسها ومجتمعاتها.

الوجود المسيحي المشرقي

وُجِد المسيحيّون في الشرق منذ قديم الأيام وتعود جذورهم فيه إلى آلاف من السنين تسبق وصول البشارة المسيحية إليهم. فهم من سكّان الأرض الأصليّين. وقد دخل الإسلام إلى مجتمعات المشرق من الجزيرة العربية فوجد من يقبل دعوته وينضم إليه بعد القرن السابع. وبعد ذلك، شهد التاريخ المشترك بين الجماعات المسيحية والإسلامية أيام اضطرابات وأيام سلام. وارتُكبت بين مكوّنات المشرق أخطاء لا يمكن تنزيه أي فريق عنها. وقد تمسّك المسيحيّون في هذه البلاد بهويّتهم المشرقية مع انفتاحهم على حضارات المسلمين الآتين إليهم وسائر الشعوب الغربيّة التي تواصلوا معها. ولجعل الحياة المشتركة ممكنة مع المكونات الأخرى التي دخلت إلى دول الشرق، وُلِدت في ذهن المسيحيّين أفكار وطنية وقومية عدّة حملها روّاد النهضة العربيّة في القرن التاسع عشر وطورها منظرو القوميّات السوريّة والعربيّة واللبنانية في القرن العشرين. وساهمت الدول الوطنية الناشئة بعد الحرب العالمية الثانية في سوريا ولبنان وغيرها من الدول المجاورة في تأمين الانفتاح الضروري بين سائر المكونات الاجتماعية للمشرق. أمّا وإن رياح الإرهاب والتطرف الديني والتكفيري تجتاح المنطقة، فالجميع مدعو لإعادة تأكيد ما هو مشترك في المشرق من أجل احترام التنوّع والإنسان والكرامة الإنسانية. يُجاهد المسيحيون في هذا المشرق لقيام الدولة الوطنية الحاضنة لجميع مكوناتها. وإن أيّ خيار يفصل المسيحيّين المشرقيّين عن أترابهم في هذه البقعة من العالم يرميهم في غربة تُهجّرهم عن أرض أجدادهم التي أوجدهم الله فيها.

المشرقية والهوية الوطنية

في ظلّ وجود الدولة الوطنية بعد الاستقلال، تعايشت المجموعات المشرقية المسيحية وغيرها مع ما أنجزه الانتدابان الفرنسي والإنكليزي من تقسيمات سياسية للمنطقة. واحتفظ المسيحيّون بوحدتهم العابرة لحدود الدول، وذلك عبر تأكيدهم انتماءهم لكنيسة (كنائس) أنطاكيا وسائر المشرق الواحدة. لم تمنع الحدود بين الدول الناشئة التواصل بين العائلات واستمرّت المصاهرة المتبادلة وحمل الشجون المشتركة بين المجموعات التي يتكوّن منها المشرق. ودخلت روح الفرقة والتوتّر والحروب في داخل كلٍّ من بلدان المشرق كما بين حدود تلك البلدان في كل مرّة لعب العنصر الخارجي أو الإقطاعي (عائلي، أو طائفي، أو مالي) لعبته السيئة في خلق الانقسام بين الناس لتأمين سيطرته على الكل. ومن مصلحة الأفراد والمجموعات المختلفة في داخل حدود كل وطن رفع منسوب الروح الوطنية والانتماء إلى الهوية الجامعة للحدّ من نزف المجتمع وانتهاك حقوق الإنسان في هذه المنطقة من العالم. كما وتُشكّل «المشرقيّة» فكرة إيجابية جامعة تُهيّئ أرضية صالحة للتعاون بين شعوب الدول الموجودة أو التي يُمكن أن تنشأ بعد انتهاء مخاض المشرق الحالي. يتحمّل المسيحيّون مسؤوليّة حمل مشعل «المشرقيّة» الجامعة التي تُساعد المجموعات والدول المشرقية أن تحيا في جوار حسن وفي سلام.

وحدة المجتمع والتباين الطائفي

إن الفتن التي ضربت المشرق، على شدّتها، لا تتمكّن من قوّة الحياة الكامنة في المجتمعات وتفرض إعادة توحيدها من أجل خير الإنسان وأجياله. لقد حمل المتنورون من مسيحيي هذه المنطقة رسالة وحدة المجتمع، وعملوا من أجل أوطان جامعة ورفضوا تقسيم المناطق على أساس طائفيّ غير قابل للحياة. لذا، كان شعار المعلّم بطرس البستاني «الإيمان لله والوطن للجميع»، وقد أطلقه في أول عدد من جريدته «نفير سوريا» عشية مجازر الجبل في عام 1860، وشكّل إلى حدّ ما الأساس الذي انطلق منه المسيحيون وغيرهم لبناء وطن جامع لأبنائه جميعهم بغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو الإثني. وعلى المسيحيين، مرّة أخرى، أن يسيروا في طليعة المناضلين لتحقيق وحدة المجتمعات التي يعيشون فيها، وهو تحدّ يتزايد في هذه الظروف التي يحاول فيها التخلّف والإجرام قتل الوحدة المجتمعيّة والوطنية. لا ينبغي للمسيحيّين التخلّي عن دورهم الريادي هذا في بثّ روح الوحدة لمصلحة القبول بهويّات انعزالية تفتيتيّة لا تقيهم شرّ التفتيت والتشتيت والفناء. وسيجد المسيحيّون أنهم ليسوا وحدهم من يؤمنون بوحدة المجتمع. على المسيحيين أن يعملوا لجعل الهويّة «المشرقيّة» هوية جامعة موحِّدَة للمجتمع يُقدمونها لأترابهم بوصفها الحلّ الوحيد الجامع من دون طمسٍ للخصائص الدينية أو الإثنية التي تتصف بها الجماعات منذ الجدود. على المسيحيين والمسلمين المؤمنين بوحدة المجتمع أن يكونوا رياديين في العمل لوضع التشريعات اللازمة لتحقيق وحدة الوطن الذين هم فيه. لقد أثبتت الحوادث والحروب الطائفية التي عصفت في هذه المنطقة باسم الدين أنها غير صالحة للحفاظ على الوحدة الوطنية. واليوم، وبعد كل ما حصل، تبقى الهويّة الجامعة الضمانة لحياة إنسانية كريمة.

المشرقيّة في ظل التبدلات الجيو ــ سياسية


ماذا سيفعل أهل المشرق إن أُعيد تقسيم أوطانهم إلى وحدات سياسيّة أصغر مُفصّلة على قياس خوف الجماعات الطائفيّة أو بالأحرى على قياس ما يشاء مبضع الجرّاح عمله؟ هل سيبدأ الفكر رحلة بحث جديدة عن هويّة وطنية جديدة تُلائم الخرائط السياسيّة المستجدّة؟ لقد عاش أهل البلاد المسيحيون، على مدى مئات السنين، تجربة ناجحة طويلة في ظل التبدلات المختلفة للجغرافيا السياسية في هذه المنطقة. فقد أبقوا كنائسهم أو طوائفهم جامعة وعابرة لحدود الأوطان. وبقيت الحالة الاجتماعية موحدة إلى درجة كبيرة ضمن هذه الكنائس _ الجماعات. فعلى المستوى الشعبي والاجتماعي تقف المشرقية المسيحية وفي قبالتها المشرقية الإسلامية شاهدين حيّين على وحدة المجتمع المشرقي العابر لحدود الدول. ولا بدّ من توقّع تحرّك المجتمعات هذه لإعادة لمّ الشمل والعمل مجدداً على بثّ روح الوحدة المجتمعية. ومن الأفضل أن تواجه هذه المجتمعات التحديات القائمة في وجهها بكل ما أوتيت من قوّة فكرية وتشريعية واقتصادية ومادية وإعلامية وسياسية وعسكرية ومعنوية من أجل الحفاظ على ناسها ومجتمعاتها. لا يجوز القبول بتفتيت دول المنطقة مجدداً أو الإذعان لمن يقتل ناسها ويُقسّم مجتمعاتها. على اللقاء الوطني المسيحي أن يكون الحركة النخبوية القادرة على أن تُحرّك المجتمع والدولة وتُخاطب الدول المؤثرة للحفاظ على الإنسان ووحدة المجتمعات والدول والحفاظ على الثروات من طمع الأعداء من أية جهة أتوا.
* رئيس معهد اللاهوت المعمداني اللبناني