إن التأمل في النتائج المزرية التي وصل إليها حال المعارضة السورية بكافة أطيافها يطرح سؤالاً محورياً عن أسباب هذا النكوص وعدم القدرة على بلورة برنامج وطني للتغيير يسند بحوامل شعبية تتبناه وتدافع عنه وتناضل في سبيله.

تتجلى النتائج المزرية عملياً في تحوّل كلمة «معارضة» لدى الشارع السوري إلى شتيمة تعكس الواقع المر الذي يعيشه الأخير بين سلطة وصلت حدود الفجور المطلق بحيث تعجز اللغات كلها (لا العربية وحدها) عن وصف شرورها وارتهانها وعمالتها، ومعارضة عجزت عن تحقيق إنجاز سياسي ولو بحده الأدنى، لأن النجاح في نهاية المطاف يقاس بما ينجز بأقل الخسائر الممكنة، لا بما يرفع من شعارات غير ممكنة التنفيذ.

النظام الذي سلّم مفاتيح دمشق لموسكو لتتصرف بها كما تشاء مقابل بقائه في السلطة، لم يعد يمثل أيّة شرعية محتملة، وخاصة بعد تفريطه بسلاح سوريا الاستراتيجي، لكونه نظام ممانعة! (هل تسلّم الممانعة سلاحها الاستراتيجي؟ ولمَ لم يجرِ الرد على إسرائيل طالما يملك النظام أسلحة تعمي بصرها في لحظات؟) ليفقد واحدة من أهم وظائفه الإيديولوجية تجاه مؤيديه الباقين حوله لاعتبارات ممانعية وطائفية واقتصادية وعنفية دون أي أساس مشروع، أي دون علاقة تقوم على عقد اجتماعي معلن، بل على عقد قوة ـــ إخضاع ورضوخ.
«هيئة التنسيق الوطنية» التي حملت في بداية الانتفاضة برنامجاً واعداً للتغيير، لم تتمكن من مواكبة الاستحقاقات والتحولات والتطورات التي حصلت على مدى سنتين ونصف سنة، فتكلست في حدود خطاب تقليدي إلى درجة أن ثمة بيانات لها لا تختلف عن بيانات النظام، سواء من حيث الصياغة أو الموقف المتبنى، فخسرت كوادرها وشعبيتها، وخاصة حين راوحت في المناطق الرمادية في زمن الانتفاض الذي لا مكان للرمادية فيه، في قضايا لا تحتمل أنصاف المواقف لمن يصنّف نفسه معارضاً في زمن الثورة، بدءا بالموقف الغائم من تنحي الرئيس أو ترشحه مجدداً، وكيف يمكن السير فعليا في اتجاه تحوّل ديمقراطي في حال بقائه دون أن تعيق الدولة العميقة بأجهزتها الأخطبوطية عملية التحوّل وتفرغها من معناها حتى لو حدث الأمر في ظل اتفاق دولي، لأننا أمام «سلطة أزمة» لطالما تعيّشت على الأزمات والاتفاقيات الدولية عبر تحويلها إلى تفاهمات سرية، وليس انتهاءً بالموقف الهزيل من ضرب السلاح الكيميائي في الغوطة، والالتحاق كلياً بالمواقف الروسية وتبنيها، رغم كل ما تحمله من استفزازات للشارع المعارض الذي من المفترض أن هذه المعارضة تمثله! مع تناسي (أو التغابي) عن كون السوريين يقتلون في نهاية المطاف بسلاح مصدره روسيا وإيران اللتين تدعمان النظام وتوّفران له كل سبل البقاء، كما يقتلون أيضاً بسلاح أميركي من الطرف الآخر.
«الائتلاف الوطني»، الذي هو ثمرة تدخلات خارجية مكثفة في الشأن السوري وصل حدود الارتهان الكامل، إذ يكفي ملاحظة توسله ضربة عسكرية أو تدخلاً خارجياً يأتي به إلى السلطة على ظهر «كروز أميركي»، دون وجود آليات أو برامج تخرجه من منظر الاستجداء والرخص السياسي الذي يظهر به أمام الأبواب الغربية، لنعرف حدود الإفلاس الذي يعيشه، وخاصة بعد تمرد أجنحته العسكرية أخيراً لمصلحة التنظيمات الإسلامية التي تعلن ولاءها للقاعدة.
«الجيش الحر» (وهو لم يثبت حتى اللحظة أنه حرّ) ضاع بين أروقة السياسة والعسكرة فانتهى به المطاف إلى ميليشيا مسلحة بين ميليشيات تتصارع، لكل منها أجندتها الخاصة: النظام يريد البقاء في السلطة، و«الحر» يريد إسقاط النظام عسكرياً، والشبيحة (من الطرفين) يريدون الحفاظ على السرقة والنهب وحماية الأحياء الشعبية، و«داعش» و«النصرة» تريدان تثبيت أقدامهما لبدء مشروعهما الإسلاموي (بغض النظر عمن يدعمهما)، والكتائب الإسلامية التابعة للإخوان لديها مشروع «دولة إسلامية حضارية»، وحزب العمال الكردستاني يريد إدارة ذاتية للمناطق الكردية.
الأكراد بشقيهم: الاتحاد الديمقراطي (الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني) والمجلس الوطني الكردي، لم يبلوّرا معاً حتى اللحظة أسس مطالب كردية واضحة رغم اجتماعهما في «الهيئة العليا» التي تبقى مجرد حبر على ورق في ظل سيطرة «الاتحاد الديمقراطي» على الأرض بقوة السلاح، وجنوح «المجلس الوطني الكردي» نحو التحالف سياسياً مع الائتلاف في الوقت الضائع سياسياً، في أغبى خطوة سياسية يتخذها المجلس (هل يتحالف أحد مع الموتى؟).
إذا كان النظام معلن البنية المستبدة منذ البداية، فإن ما صدّر عنه يبدو متسقاً مع تلك البنية، تمثلاً بأنظمة توتاليتارية حفل بها التاريخ بدءاً من النازية وليس انتهاءً بشبيهه البعثي: النظام العراقي. إلا أن المسار السياسي لمعارضة تقارع النظام على أرضية الديمقراطية وحقوق الإنسان منذ عقود يبدو مفاجئاً ومخيّباً للآمال، الأمر الذي يجعل الانتقال من قراءة البنية الظاهرية (الفيمينولوجية)/ السياسوية إلى البنية العميقة لهذه المعارضة أمراً إجبارياً لفهم ما حصل ومعرفة حدود ما يمكن أن تقدمه هذه المعارضة. تاريخياً وعلى المستوى الظاهري كانت المعارضة السورية لنظام الأسد الأب متوّزعة بين شق يساري/ قومي انتظم في التجمع الوطني الديمقراطي، وإسلامي تمثّل في الإخوان المسلمين، الذين دخلوا في صراع مسلّح مع السلطة، كانت نتائجه خروج المجتمع من السياسة، وتشكل الدولة الأمنية وتحوّل المعارضة السورية إلى شخصيات رمزية مناضلة متوّزعة بين السجون والعمل السري، دون أي جذور مجتمعية إلا ما ندر مثل حزب الاتحاد الاشتراكي (مثالاً لا حصراً) في مدينة دوما وبعدد قليل أيضاً.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بدأت جملة مراجعات نقدية أدّت إلى تحوّل قسم كبير من اليساريين والقوميين إلى ليبراليين أو إسلاميين تحالفوا مع ليبراليين وإسلاميين ويساريين وقوميين قدامى في إعلان دمشق الذي انشق تحت وطأة تناقضاته، لتصبح مذ ذاك المعارضة موزعة بين تيار ليبرالي إسلامي (شكل الائتلاف لاحقاً) وتيار يساري/ قومي (الهيئة) ومعارضة كردية تضع ساقاً هنا وساقاً هناك.
ما يجمع بين هذه التيارات ثلاث لاءات: (لا) قواعد شعبية لها، (لا) مشروع ديمقراطياً حقيقياً لها، وحين تمتلك بعضه فلا آليات لديها لوضعه موضع التنفيذ، (لا) تمارس السياسة بوصفها فن الممكن. لتكون بطريقة أو بأخرى الوجه الآخر للاءات النظام، وهي: (لا) قاعدة شعبية له سوى تلك القائمة على العنف والابتزاز والتخويف عبر علاقة الحامي والمحمي لامتلاك القوة المحض ضد مؤيديه وخصومه على السواء، و(لا) مشروع دولة له سوى السلطة والبقاء فيها ولو عبر إغراق البلد بالدم (الأسد أو نحرق البلد) وقد فعلها بمساعدة أطياف معارضة، (لا) يمارس السياسة إلا عبر احتكار العنف، بوصفها نتيجة له.
في مناقشة لاءات المعارضة على المستوى العميق، لم تمثل المعارضة حالة مجتمعية، بمعنى المعارضة المنظمة سياسياً والممثلة لأطياف مجتمعية ترى نفسها في الأهداف والآليات المعلنة من قبل هذه الأحزاب. هذا يعود إلى مستوى العنف السلطوي الفاجر الذي حرم المعارضة أي عمل سياسي تحت ضوء الشمس من جهة، وإلى كون هذه المعارضة خارجة في نهاية المطاف من نفس الجذر السياسي/ الشعبوي الذي خرج منه النظام، من حيث انتماء الجميع إلى منظومة إيديولوجية/ حزبية ترى في نفسها «خير أمة/ أئمة/ طبقة ثورية/ طليعة/ نخبة» تمثل الجماهير. وكونها أعطت نفسها حق تمثيل الجماهير من جهة، وكونها ليست ذات امتداد جماهيري (كما شرحنا فوق) من جهة ثانية، فإنها تحوّلت إلى مجرد معارضة رمزية للاستبداد دون أي امتحان في الواقع، ودون أن تخضع نفسها لآليات العمل السياسي بوصفه نتاج التفاعل مع المجتمع من جهة، والصدام مع السلطة المستبدة من جهة ثانية، وهو ما أفضى إلى إشكالية اللائية الثانية المتمثلة في عدم وجود مشروع ديمقراطي لها حتى لو رفعت الديمقراطية شعاراً، لأن الأخيرة تتطور وفق الامتحان والصراع اليومي بين الفكر والواقع من جهة، والسلطة والمعارضة من جهة ثانية، وإن امتلكت بعضه بحد أدنى فليس لديها الآليات اللازمة لتحقيقه كما أثبتت التجربة التي نعيشها الآن. الديمقراطية في فكر المعارضة لم تكن وليدة نضج ذاتي ومراجعة نقدية جذرية، بل وليدة هزائم متتالية، تجلت أولاها في عدم قدرتها على القبض على السلطة عبر الانقلاب الذي كانت إيديولوجياتها (كما كل الأحزاب آنذاك) تتبناه، فانتقلت للمطالبة بالسلطة على قاعدة الديمقراطية، دون أن تنتقل هذه الديمقراطية إلى البنى الإيديولوجية والحقيقية لهذه الأحزاب، إذ بقيت مجرد «لافتة» للمطالبة بالسلطة، فهيئة التنسيق لم تغّير رموزها منذ بداية تشكلها حتى الآن، فهي ليست بحاجة إلى ديمقراطية انتخابية، لأن «الرمز» حسن عبد العظيم يقود المعارضة منذ السبعينيات حتى الآن، رغم كل الأداء الهزيل للأخير سياسياً إلى درجة عدم القدرة على إيصال فكرة واحدة للمشاهد في لقاءاته الإعلامية، فيما تغدو ديمقراطية الائتلاف تمثيلاً حقيقياً للديمقراطية الليبرالية التي تضع أسس اللعبة بما يناسبها «ديمقراطياً» بحيث تصبح قادرة على التحكم في نتائج العملية برمتها، فتنتج من تشاء ديمقراطياً!
غياب المشروع الديمقراطي الذي يبلور من تلقاء نفسه بديلاً سياسياً للنظام، أوصل الهيئة إلى وضع برنامج غير قادر على إسقاط النظام وكسب الجماهير نحوه، والائتلاف إلى السعي لإسقاط النظام بأي طريقة دون أن يتمكن من إسقاطه، والأكراد إلى الضياع بين القومية الكردية والوطنية السورية من جهة، وبين تجاذبات الوضع الكردي الداخلي والخارجي.
في مسار المعارضة يتجلى حضور «المناضل» الطاغي على حساب «السياسي» حتى لو كان الأوّل لا يفقه شيئاً في السياسة، وهو ما يوصل إلى اللاء الثالثة المتمثلة في عدم ممارسة السياسة بوصفها فن الممكن وتحقيق الانجاز، حيث يبقى «المناضل سياسياً» على حساب «السياسي مناضلاً» الذي يجب أن يعرف كيف يراوغ سياسياً في المساحة الضيقة بين دول تريد مصالحها ونظام مستبد وجماهير ثائرة ينبغي كسبها لا معاداتها بخطاب يستفزها كما تفعل الهيئة (مثلا) ليل نهار، أو أقطاب الائتلاف المراهقين/ الشتامين الذين أفرغوا السياسة من محتواها، لتكون النتيجة فراغاً سياسياً ملأه العنف الإسلاموي الصاعد، وهي الساحة الوحيدة التي يجيد النظام اللعب فيها، ليتخبط هو والجميع بدم
السوريين.
* شاعر وكاتب سوري