في الشكل، يبدو التخلي الأميركي عن زين العابدين بن علي وحسني مبارك، جاء نتيجةً لثورة شعبية، أعدّت لها مجموعات شبابية على مواقع التواصل الاجتماعي، دعت خلالها الشباب إلى نزول الميادين طلباً للحرية والتغيير، بعد حادثة البوعزيزي. أهم هذه المجموعات، اتضح لاحقاً، أنّها تلقت تدريبات من جهات خارجية.


وهذا ما كان ليتم وينجح، لولا سياسات التهميش وتفشي البطالة، إضافة إلى طريقة تعاطي الأجهزة الأمنية مع حدث كهذا، فكانت من حيث لا تدري، تفتح المجال أمام الإعلام، ليؤدي دوراً فاعلاً في تشكيل رأي عام، متضامن مع المتظاهرين وضاغط على الأنظمة. في ظل هذا المناخ، تحركت الإدارة الأميركية، نحو قادة المؤسسة العسكرية في تونس ومصر، مطالبةً عبرهم، إبلاغ كلا الرئيسين بالتنحي! يرحل بن علي، ويعود الغنوشي زعيم النهضة الإخوانية، وكأنه قائد الحراك! فيما حل الإخوان مكان مبارك.
بداية الحراك المصري، أطلق الرئيس أوباما مسمّى الربيع العربي، واعداً بأن إدارته ستقف إلى جانب الشعوب العربية، في تطلعاتها للحرية والديموقراطية! وبذلك بات المناخ الدولي، المعزّز بالإعلام الغربي وملحقاته، مع كتاب وسياسيين عرب مهيّأ لفكرة إسقاط الأنظمة شعبياً، وبين تونس ومصر، كان لزاماً أن يثور الشعب الليبي!
باختصار، تحركت كتائب القذافي لضرب المتظاهرين، الذين تسلحوا بعد أول تحرك! فحُرّرت بنغازي، وتشكل المجلس الوطني المعارض، بمباركة أطلسية وعربية، وحرصاً على عدم سقوط بنغازي، ودعماً للثورة! تحرك الأوروبيون والأميركييون، نحو مجلس الأمن لاستصدار قرار أممي، يقضي بإنشاء مناطق عازلة لحماية المدنيين، فكانت ذريعة الناتو للتدخل! أثناء المعارك، التقى الوفد الأفريقي بزعامة جاكوب زوما بالقذافي، حيث أبدى الأخير استعداده للتفاوض، لكن المثير للدهشة هو رفض الولايات المتحدة، قبل اجتماع المجلس الوطني للردّ؟!
إذن، ليست المسألة حماية المدنيين. والمطلوب اغتيال العقيد لأسباب عدة، منها: وضع اليد على استثماراته وحساباته المصرفية السرية. ثانياً: امتلاكه معلومات ووثائق تدين مجموعة من قادة الأطلسي. ثالثاً: قتله بطريقة مهينة، لاستثمارها في تغذية النعرات القبلية، لكون الفوضى الخلّاقة تستوجب استنفار العصبيات. رابعاً: توجيه رسالة قوية لمن سيقف بوجه ربيعنا العربي أن يختار، إما الرحيل على طريقة بن علي ومبارك، أو بالقوة على طريقة القذافي!
وبزخم إعلامي محفز تمدّد الحراك، شاملاً البحرين واليمن وسوريا بشكل رئيسي. لكن البحرين أربكت الحسابات الأميركية، فكشف زيف وعودها عندما باركت بغض الطرف، دخول قوات درع الجزيرة لحماية نظام الأسرة الحاكمة. ولأن حراكها عارم وسلمي، ويشكل إحراجاً أمام الرأي العام العالمي، زجّ بالفوبيا الإيرانية، لكن ما كشفه تقرير لجنة العفو الدولية، والذي صادق عليه الملك، أظهر قطعياً وطنية وسلمية الحراك!
ولأن الربيع ليس وارداً مروره بالممالك العربية، فقد كان التركيز على سوريا يليها اليمن. والمضحك المبكي بهذه الأخيرة، أنّه بعد قيام تظاهرات سلمية قلّ نظيرها، تنتهي بتسوية يفوز بموجبها عبد ربه منصور هادي نائب علي عبد الله صالح، بنسبة 99%؟!، وذلك خوفاً من انتقال الأزمة إلى المملكة السعودية، ما يعني خروج قطار الربيع عن السكة الأميركية، وبالتالي ضياع البوصلة المتجهة إلى سوريا. لذلك دفعت الإدارة الأميركية باتجاه خروج الرئيس صالح، كمحطة تهيئ لخروج الأسد.
بهذا المنحى، كان الإعلام المعولم يعمل جاهداً لإظهار سلمية الحراك، وتقديمه بحلة ليبرالية - علمانية، كمرحلة أولى في خطة إسقاط نظام الأسد، وهو ما يفسر غياب الإخوان عن المشهد الإعلامي بداية الحراك، كما جرى بباقي دول الربيع! لكن في حال تعذُّر السقوط، يجري الانتقال إلى المرحلة الثانية، على الطريقة الليبية. وهو ما كانت تعمل عليه حكومة العدالة والتنمية، الإخوانية في أنقرة، بتخطيط أميركي وتمويل قطري، يهدف إلى قيام منطقة حظر جوي بذريعة حماية المدنيين، لذلك لا يعود مستغرباً قيام الأتراك بتجهيز مخيمات اللجوء بداية الأزمة السورية. ترافقها بروباغندا إعلامية تشيْطن النظام، وتُظهر الأسد على أنه قاتل شعبه. ولأنّ النظام ضليع بنظريات المؤامرة، آثرت الولايات المتحدة الصمت في الأيام الأولى، فيما أخذت تركيا وقطر دور الناصح، ضمن تنسيق يراد منه، تصوير الحراك على أنّه جاء بفعل وعوامل داخلية، بقصد إحراج الأسد ومنعه من الاتكاء على ورقة المؤامرة، ما يجعله بمواجه مباشرة مع شعبه!
وبحكم معلوماته، أصرّ الأسد على أنّ ما يجري مؤامرة، استغلت المطالب المشروعة، ومدركاً في الوقت عينه أن معظم من خرجوا، ضاقوا ذرعاً بفساد النظام ودكتاتوريته، وأنهم في فورة حراكهم المؤزر بأضخم وسائل الإعلام، غير مستعدين لسماع ما يقوله الإعلام الرسمي. وهذا يفسر قوله حول ضرورة تزويد الإعلام بالمعلومة الصحيحة!
أما في الشق العمَلاني، فبدا أنه يستعد لحرب طويلة على كافة المستويات، حيث قرر التوجه شرقاً، لعلمه بأن مواجهة الولايات المتحدة حتمية، ولا سيما بعد رفضه لشروط كولن باول. وهذه قناعة عبّر عنها سابقاً في قمة بيروت، حين قال: «من يتنازل للأميركي مرة، فسوف يتنازل له دائماً». فالأسد لا يقدم تنازلات حتى لحليفه الروسي، وهذا كان واضحاً بموقفه من جنيف 1، وكان سبباً في خروج جنيف 2، فمنذ بعثة الدابي ثم كوفي أنان، مروراً بالأخضر الإبراهيمي، ووصولاً للجنة الأمم المتحدة، المكلفة التحقيق في استخدام الكيميائي، كان يشترط أمرين، هما السيادة والقرار المستقل. وهذا ما لم تره المعارضة، فكان أحد أهم أسباب فشلها، وذلك لاعتقادها بأنّ الأسد بيدق وليس لاعباً!
فقد كانت أولوية الأسد لحظة تسلمه مقاليد الحكم، ايجاد فريق عمل يستعيد معه نقاط الارتكاز في مفاصل صنع القرار، بدءاً بمؤسسة الرئاسة إلى الخارجية، وصولاً إلى المؤسسة العسكرية والأمنية، وانتهاءً بالقيادة القِطرية، لعلمه بأن الخطر الحقيقي يكمن في المنظومة الفاسدة والمترهلة، التي شكلت نظاماً طفيلياً تنامى على حساب الدولة ومناعتها.
ومع اندلاع الاحتجاجات في درعا، بسبب ما قيل إنّ رئيس فرع الأمن السياسي العميد عاطف نجيب اعتقل مجموعة أطفال كتبت على الجدران: الشعب يريد إسقاط النظام، حيث عذّبهم وقلع أظفارهم! ثم تعرض لكرامة ذويهم، ما أشعل ثورة الكرامة! الشيء الغريب، أنّ الجزيرة القطرية التي كانت موجودة في درعا، لم تعرض الأطفال الذين اقتلعت أظفارهم، كذلك لم تلتقِ بذويهم! ونحن لا ننكر أن الأجهزة الأمنية لا تقوم بالتعذيب، ولكن من باب الوقوف على حقيقة ما كان يجري ويُعدّ لحشد الرأي العام. وهنا تصدر المسجد العمري وإمامه الشيخ الصياصني، واجهة الأحداث ورمزيتها، على خلفية إحراق صور الرئيس الأسد والأمين العام لحزب الله، وترديد هتاف «لا إيران ولا حزب الله، بدنا مسلم سني يخاف الله». لكن الإعلام المناهض للأسد آثر التركيز على سلمية الحراك، والشعارات الوطنية الجامعة الهادفة إلى الحرية والتغيير.
بهذا المنحى تحرّك الأسد لامتصاص الزخم القادم من الجنوب باتجاه العاصمة، فأقال المحافظ والعميد، ثم أرسل بطلب الوجهاء، ومنهم الشيخ الصياصني، وقد أقرّ الأخير قبل انقلابه ثانية بأنّ «الرئيس استمع إليهم ووعد بالاستجابة لمطالبهم»، مشيراً إلى أنّ كل من سقط شهيد، ستقوم الدولة بالتعويض عليه، كذلك فإنه لم يمانع حرية التظاهر، شرط عدم الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وألا يحتكوا بالجيش والأجهزة الأمنية. وقبل وصولهم إلى درعا، رأوا الجيش منسحباً لأطراف البلدة. بعدها خرج الناس للتظاهر حتى وصلوا إلى حواجز الجيش، فطالبوهم بالرجوع، لكن البعض لم يستمع، فاصطدموا مع الجيش».
إذن، نحن أمام فريق داخل الحراك لا يريد له السلمية، وكذلك الأمر مع دعاة الحل العسكري، الذي كانت تقف خلفه خلية الأزمة بما تمثله من حرس قديم. هذان الفريقان كانا بمثابة الطرف الثالث، الذي يقف بين نظام الأسد الآخذ بالتبلور والمتظاهرين السلميين، وكان صاحب اليد الطولى في عسكرة الحراك. وذلك رداً على انفتاح الأسد وقبوله للحوار، ليس مع المعارضة فحسب، بل مع كل الفعاليات والوجهاء والشخصيات الشعبية والثقافية. الأمر الذي دفع معارضيه إلى التصعيد بهدف إجباره على الرحيل، على طريقة بن علي ومبارك. وهو مطلب أميركي، بدليل أن الأخير وحلفاءه لم يسعوا يوماً إلى حوار حقيقي يفضي إلى حل سياسي للأزمة. وكان كلما استجاب الأسد لمطلب، عمد الطرف الثالث إلى إطلاق النار على المتظاهرين. بهذا السياق جرت شرعنة السلاح، بذريعة حماية المدنيين والمتظاهرين السلميين.
كثير من السياسيين صدقوا هذه الذريعة، ولم يسألوا كيف يمكن مسلحين حماية متظاهرين من طلقات قناصة، على أقل تقدير!؟ لقد كان لافتاً الدور الذي أدّته قيادات الإخوان - التي شكلت المجلس الوطني بتنسيق أميركي ودعم قطري ومظلة تركية لوجستية - وسعيها الحثيث إلى عسكرة الحراك، ليكون مقدمة لتدخل خارجي. وهو أمر كشفه المعارض هيثم مناع منذ الأيام الأولى، حين تحدث عن جهات لم يسمّها عرضت عليه السلاح! ما يؤكد أن السيناريو الليبي هو ما كان يجري الإعداد له، بدليل أن المسؤولين والقيادات التي انشقت عن النظام كانوا يلتحقون بالمجلس الوطني، كما في الحالة الليبية وليس لهيئة التنسيق الرافضة للتدخل العسكري.
بعد ضرب خلية الأزمة، ظهر نظام الأسد أكثر تماسكاً، وان إمكانية الانقلاب عليه من داخله باتت معدومة، ما دفع الروس والصينيين إلى منحه الفيتو الثاني. وهنا لم يستعجل الأسد في حسمه العسكري، إذ اعتمد استراتيجية التدرج والمزامنة في الحسم، فمن جهة كان يعمل على ما سمّاه «التطهير الذاتي»، بالتزامن مع تأمين المناطق السيادية والاستراتيجية، بما تحويه من مواقع ومراكز ومؤسسات حساسة. ومن جهة ثانية، كان التحدي الحقيقي له، يكمن في تغيير المزاج الشعبي واستمالة الكتلة الوسطية إلى صفه. والأصعب كان في مدى قدرته على خلخلة البيئات الحاضنة لمعارضيه واستمالة بعضها على أقل تقدير، حيث استفاد من انقسامات المعارضة وكثرة المرجعيات، التي أوصلتها حد الاقتتال في ما بينها، وهيمنة المتطرفين والمتخلفين عليها، ما جعلها تقدم أسوأ وأخطر نموذج للحكم في مناطق سيطرتها. وهذا تحديداً ما كان يراهن عليه الأسد منذ البداية، حين قال: «كان يلزمنا الوقت ليعرف الشعب ماذا يُحضّر له». بدا الأسد موفقاً في نهجه السياسي، وهو ما أكدته استطلاعات الرأي الغربية، التي أعطته بداية الأزمة 30% شعبية، ثم وصلت راهناً لقرابة 60%. أمام هذا الواقع الذي تعذر فيه إسقاط نظام الأسد، لجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى فتح بوابات الجهاد، من كل فجٍّ عميق ضمن توجه بائس، اصطدم مع غالبية الشعب وحلفائه، الذين جاؤوا لنصرته فرجحت مرة ثانية كفة ميزان القوى لمصلحة النظام رغم الضربات الإسرائيلية المتكررة. وبذلك لم يبقَ أمامهم سوى التدخل المباشر من خارج مجلس الأمن، بذريعة استخدام السلاح الكيميائي، وهو ما حذرنا منه قبل أشهر من على هذا المنبر، بمقالة عنوانها: «هل ستستخدم المعارضة المسلحة ورقة الجوكر؟»، حيث تضرب المدنيين، ومن ثم تُلصَق التهمة بالنظام، بغية تحقيق الخط الأحمر، الذي وضعه أوباما للتدخل العسكري!
وبذلك تدق المعارضة الخارجية آخر مسمار في نعشها الوطني، وهي تستجدي حلفاء إسرائيل، ليتمموا ما عجزوا عن إكماله. وهو أمر بات متعذراً لأسباب عدة، أهمها: غياب المعارضة المتماسكة والفاعلة على الأرض، يقابلها ثبات النظام وتماسكه. ثانياً: سيطرة المجموعات التكفيرية، بعد أن غطتها المعارضة، في خطوة هدفت إلى إضعاف النظام، لكن ما حصل كان العكس. ثالثاً: الإفراط في التعويل على الخارج، قابله ازدياد شعبية النظام داخلياً وعربياً، الأمر الذي جعل حلفاءه أكثر ارتياحاً ودعماً له، وهذا ما عبر عنه أردوغان بقوله: «لم نكن نتوقع أن للأسد مثل هذه التحالفات الدولية». يبقى أن المنظومة التي تراهن عليها المعارضة، منظومة مترهلة وآفلة، بعكس المنظومة المتحالف معها النظام، فهي قوة فتية ومسارها يؤكد أنها سترث المنظومة الشائخة في المنطقة والعالم. وهذا ما بدا جلياً بعد اجتماع مجموعة العشرين في سانت بطرسبورغ، حيث ظهرت دول البريكس بقيادة روسيا - بوتين، تتقدم ريادة العالم في رفضها للحرب على سوريا، قابله تراجع للمكانة والدور الأميركي، ولا سيّما بعد الفشل الذي مني به الرئيس أوباما، في الحصول على حشد دولي يليق بالزعامة المفترضة، أقله بين حلفائه الأوروبيين!
* كاتب سوري