يرغب القيّمون على إدارة إقليم كردستان العراق البروز في الاعلام كل مرة حتى باتت اخبارهم في الواجهة، عراقياً وغربياً، منذ احتلال العراق ومشاركتهم فيه وحتى أيامنا هذه، لسبب أو لآخر. وإذا كانت ادارة الاحتلال قد تمكنت من اعادة اللحمة "لإمارتيْ الاقليم" (اربيل والسليمانية) وتشكيل حكومة موحدة وإدارة مشتركة، فإن السنوات اللاحقة والراهن الآن يستعيد تلك الحقبة أو يلوّح بإعادة انتاجها ولو إعلامياً أو بأشكال أخرى، كما تعبّر عن ذلك التصريحات والاجتماعات المتكاثرة مؤخراً والتداخلات الصارخة فيها.
قدّمت حكومات بغداد للإقليم وإدارته بعد الاحتلال "تنازلات" كبيرة، على مختلف الصعد، بما فيها المشاركة في القرار السياسي المركزي وتسلم الحصة الوازنة من الميزانية ومناصفة اللغة الكردية لكل المستندات العراقية الرسمية مع اللغة العربية من دون أي اعتبارات للاكثرية والنسب الاحصائية لتكوين وتركيب الشعب والمجتمع في العراق. ولم تقابلها بالمثل بل استمرت بـ"الابتزاز" والمراوغة معها حتى تحويل عاصمة الاقليم، اربيل، الى مقرّ لكل من يعمل على "معارضة" او التآمر على بغداد، وتوفير كل الاحتياجات والتسهيلات لها ولأجهزة مخابرات دولية وإقليمية تعمل ضد العراق علناً. وليس آخرها احتلال "داعش" لمحافظة نينوى والدور الكبير له ولما حدث بعده من تغيرات وإحداثيات على الأرض، لم تنته بعد قضاياها أو لم تبدأ السجالات وخطط الحروب حولها.

قدّمت حكومات بغداد للإقليم وإدارته بعد الاحتلال «تنازلات» كبيرة

شملت الازمات التي تلفّ العراق الاقليم أيضاً، السياسية والمالية والاقتصادية وكوارث الفساد والصراعات الداخلية حول المكاسب والمناصب. ومن بينها رئاسة الإقليم التي ما زالت شاغرة قانونياً ومستمرة واقعياً، رغم الارادات والخيارات والقرارات وقواعد العمل السياسي في الاقليم. فالسيد مسعود البرزاني، رئيس الاقليم، انتهت ولايته في 20 اب/ اغسطس 2015 ولم تجدّد له او تمدّد قانونياً. ولكنه مصرّ عليها وباق فيها ويعامل باسمها خارجياً خصوصاً من دون احترام للقوانين والأعراف السياسية المعمول بها رسمياً، سواء في الاقليم أو العراق أو خارجه. وكان رئيس كتلة التغيير في برلمان اقليم كردستان العراق برزو مجيد قد صرح لراديو محلي أن البرزاني فقد الشرعية القانونية وانتهت ولايته حسب القانون رقم 1 من قانون رئاسة إقليم كردستان الذي يعود إلى عام 2005، والذي تولى البرزاني بموجبه الرئاسة، داعياً إلى معالجة المسألة أو تكليف رئيس البرلمان بمهام رئيس الإقليم لمدة شهرين إلى حين إجراء الانتخابات. إلا ان البرزاني لم يستمع له واستمر في المنصب فعلياً ومن دون غطاء شرعي، وأبعد رئيس البرلمان من مقره وأقال وزراء حركة التغيير، صاحبة القوة الثالثة في نسب او حصص البرلمان في الاقليم. وحسب الأخبار، أوقفت قوات أمن كردية رئيس البرلمان في إقليم كردستان العراق، يوسف محمد، ومنعته من دخول أربيل، في تصعيد للأزمة السياسية في الإقليم الذي يخوض مع بغداد حرباً ضد مسلحي تنظيم داعش. وقال المساعد الشخصي لرئيس البرلمان، إن القوات الموالية للحزب الديمقراطي الكردستاني، أمرته بالعودة إلى الطريق الرابط بين السليمانية إلى أربيل التي يوجد فيها برلمان الإقليم. واستفرد البرزاني مع حلفاء له في الادارة تحت حماية دولية وغطاء تبادل منافع خارجية اكثر منها داخلية او لمصلحة الشعب الكردي والعراقي.
لإلهاء الشارع الكردستاني ومشاغلة المشهد السياسي في العراق يتكرر الحديث عن استفتاءات تقرير المصير لأكراد العراق وللمناطق العراقية المختلطة المحررة من سيطرة تنظيم داعش، فدعا البرزاني (3/2/2016) من جديد الى استفتاء بالانفصال بمسمى الاستقلال او حق تقرير المصير المؤجل او غير الملزم الآن، معتبراً "أن الوقت والظروف ملائمان لإجراء استفتاء حول استقلال الإقليم"، من دون أن يذكر تاريخاً محدداً لإجرائه. وشدد على "أن الاستفتاء سيؤدي في كل حال إلى إعلان استقلال كردستان العراق فوراً". وجاءت دعوته بعد ايام من تصريحات أطلقها نجله رئيس أمن الاقليم، ومن القيادي في حزبه الديمقراطي الكردستاني كمال كركوكي أن العراق تجزأ فعلياً وان الحل الأمثل لمشاكله هو تقسيمه إلى ثلاث دول مستقلة. حيث اعتبر مسرور مسعود البارزاني أن المحاولات الجارية لإبقاء العراق موحداً وفرض سياسة الأمر الواقع على أهله لن يكتب لها النجاح. وأضاف في تصريحات لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أنّ "العراق حالياً هو مقسم"، مضيفاً أن "السنة يؤمنون بوحدة العراق إذا كانت السلطة بأيديهم والشيعة لا يعترفون بأي شكل من الأشكال بالمشاركة في عراق واحد". ولكن هذه الاحاديث واجهت تحذيرات حتى من الاقربين لقيادة الإقليم او الداعمين الرئيسيين، الاميركيين والأوروبيين، كما حصل معها سابقاً، بدأها وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، أثناء لقاء جمعه بالبرزاني على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، (13 شباط/ فبراير 2016) محذراً من إجراء أي استفتاء بشأن وضع إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع بحكم ذاتي. وأضاف: "هذه الخطوة قد تدفع المنطقة إلى مزيد من عدم الاستقرار والوقوع في نزاعات جديدة"، حسبما نقلت وكالة "رويترز".
متابعةً ورداً مباشراً أو محمّلاً بمواقف واضحة، أصدر المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني بلاغاً بشأن مستجدات الاوضاع في اقليم كردستان والعراق، بعد اجتماعه برئاسة النائب الاول للامين العام للاتحاد الوطني الكردستاني السيد كوسرت رسول علي وحضور جميع اعضاء المكتب السياسي بمدينة السليمانية، (11/2/2016) جاء فيه ما يدعو الى "تفعيل رئاسة البرلمان وحكومة الاقليم عملياً ومن دون قيد وشرط لإيجاد حل سياسي حقيقي بين الاطراف"، والإشارة الى حلول للازمة المالية "واستمرار المفاوضات وفق مشرع اقتصادي وسياسي جديد يحظى بمصادقة جميع الاطراف مع الحكومة الاتحادية بتزامن الشفافية في كيفية بيع النفط، الغاز، واردات النفط والعقود، وإيضاحها للرأي العام". والتأكيد على ان "الاتحاد الوطني الكردستاني دائماً مع حق تقرير المصير، لذا، نؤكد ان اجراء الاستفتاء في ظروف مناسبة ضمن حقوق ديمقراطية وقانونية لشعب كردستان".
ودعا البيان "جميع الاطراف السياسية الى التعاون لتنفيذ مطالب شعب كردستان، وفي الوقت نفسه، دعم حكومة اقليم كردستان لتجاوز هذه المرحلة الصعبة، خاصة ان قوات بيشمركة كردستان تخوض معارك دموية ضد تنظيم داعش الارهابي كما ان المنطقة تحفل بمتغيرات سياسية جديدة". وواضح ان البيان صدر لإعلان موقف وتوضيحه بما تحت السطور، ويعكس تبايناً او امتعاضا ًمن جانبه لما يحصل في الاقليم من الجانب الثاني في تحالفه وقيادة الاقليم.
وبادله البرزاني بإصدار عدة قرارات اصلاحية لتنظيم اعمال حكومة إقليم كردستان ومعالجة المؤسسات والدوائر الحكومية. وجاء في نص قرارات البرزاني، ما يؤكد على التناقض بين اعتبار القانون في هذه الاصلاحات او بموجبه اتخاذها بينما يتنكر لما له من علاقة بمدة رئاسة الاقليم والانتخابات لها في القانون رقم 1 لسنة 2005. ودعا الى تنفيذ اصلاحات وتنظيم "مراجعة ادارة هيكلة حكومة إقليم كردستان وتنظيمها على اسس مناسبة مع متطلبات الحكومة، وكذلك الهيكلة المالية، ومراجعة كافة الملاكات الحكومية بهدف تنظيم الأملاك والعمل على انشاء مجلس الخدمة، ومراجعة ملاكات ووحدات ومنشآت قوات البيشمركة، وتنظيمها. وكذلك قرارات تشمل المنازل والأملاك الحكومية والمستأجرة منها ومصروفات الحكومة وتنظيم واردات الاقليم والاستثمار ومراجعة اوضاع الشركات العاملة في الاقليم". وختم البيان بفقرة: "لتنفيذ ومراجعة هذه القرارات تشكل لجنة بأمر من الإقليم لتنفيذ القرارات بالطرق مناسبة، ورفع النتائج الى رئيس إقليم كردستان".
وكذلك اصدر البرزاني قرارات اخرى تتضمن "إجراء إصلاحات جذرية داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وذلك لتنظيم الشؤون الإدارية والمالية للحزب وبكل شفافية لما تستجديه خدمة المصلحة العامة"، وختمها كالعادة بقرار، "تشكيل لجنة من قبل رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني لتتولى تنفيذ ومتابعة هذا المرسوم الاقليمي وتمارس عملها حسب آلية مناسبة وترفع كافة النتائج التي تتوصل اليها لرئيس اقليم كردستان" (الحالي فقط وربما تتغير الصيغة لو وجد رئيس آخر). وصيغ البيان ومحتواه واضح في موقفه، وكأنه يوجه السهم الى ما يصيب هدفاً لدى الجانب الآخر.
بيانات الحزبين تختصر المشهد السياسي عموماً في الاقليم، وتقدم ما يعمل عليه كل طرف وتسعى الى تسجيل مواقف، وتحاول ان تعالجها بما يتيسر او بما يمكن في هذه الظروف المركبة والمربكة، وتبين ان المواقف بينهما لا تقترب بالقدر الذي كان او يمكن ان يستمر. وتظل بيانات ومواقف بانتظار التنفيذ وتقريب التباينات وتفعيل الاتفاقات، وحيث تتواصل اجتماعات ممثلي الاحزاب المشتركة في البرلمان لحل مشروعية رئاسة الاقليم والتحديات الأخرى التي تؤثر على مجريات المشهد وتنفذ ما تقدم من رسائل القيادات للحزبين الرئيسيين الحاكمين في الإقليم، إلا انه وكما يبدو لم تتوصل الى حلول متوافق عليها كما يجري التخوف من التراخي والتباطؤ او طول التفرج على ما صدر من كل طرف منها بقصد او بحذر مبطن، وتظل الدوامة غالبة في سير العمل في الاقليم ولا يفاجأ بعد من انهيار الوضع القائم فيه حالياً. فالواقع الحالي اشبه بهدوء يسبق العاصفة، وحين تنتهي الضغوط الخارجية او تتوقف او تنشغل بأمور أخرى تعود هذه الاوضاع الى ما اطلقته في العنوان وتعود "حليمة الى عادتها القديمة"، ويخشى من الارتكابات والخسائر البشرية القادمة وما يخفى من ورائها. وهو ما يتطلب التحذير منه من الآن والدعوة الى تحكيم العقل والمصالح الوطنية وإنقاذ البلاد والعباد.
* كاتب عراقي