تواصل الأزمة السورية تحطيم الأرقام القياسية بما سيوفر لموسوعة «غينيس» مادة شاملة غنية ومتخطية! وسيكون الرقم الأكبر، للأسف، هو ما يتصل بمدة هذه الأزمة التي فاقت كل مثيلاتها حتى الآن، فكيف حين تضع تلك الأزمة أوزارها وكوابيسها في وقت يبدو، للأسف مرة أخرى، بعيداً إلى حدّ مثير لكل أنواع القلق والمخاطر والكوارث.

لم تتجاوز مدة حسم الصراع في كل من مصر وتونس أسابيع قليلة. وفي كل من ليبيا واليمن شهوراً ليست كثيرة أيضاً. وفي بلدان أخرى طاولها ما سُمّي الربيع العربي، حسم الصراع، سلمياً تقريباً، في أسابيع لصالح السلطات الحاكمة، باستثناء البحرين التي تستمر فيها حالة مديدة من الاعتراض الشعبي الذي لم ينفع بوقفه تدخل قوات «درع الجزيرة» بقرار سعودي أساساً. ولو أنّ هذا التدخل قد حال دون أن يحقّق التحرك الشعبي البحريني ما كان يصبو إليه.
هذه المقارنات لا تتناول ولا هي تطرح، الآن، إجراء عملية تقويم لما جرى في حينه، ولما جرى ويجري، بعد ذلك، وصولاً إلى المرحلة الحالية. المقصود هنا هو الإشارة إلى بعض خصوصيات الصراع في سوريا وعليها. وفي سياق ذلك، التوقف عند بعض أسباب الاستعصاء، وبعض احتمالات التسوية السياسية التي باتت حاجة مصيرية لإنقاذ هذا البلد العزيز وذي التاريخ الحضاري والنضالي العظيم.
أولاً، لا بد من ملاحظة أنّه في سوريا فقط، وبعيداً عن النوايا في الحالات الأخرى، قد استخدمت كامل طاقة جيش يعدّ من الجيوش الكبيرة والقوية، في النزاع الداخلي، ودون حدود: لا من حيث الأسلحة المستخدمة، ولا من حيث اتساع رقعة العمليات، ولا من حيث مستوى العنف والدمار والأضرار.
يطرح هذا الأمر، وليس من موقع الغرضية والديماغوجية الرجعية الإقليمية أو المخططات الأميركية الإسرائيلية، مسألة دور الجيوش في التعامل مع قضية التغيير والمدى، هنا، الذي تخطى كل الحسابات والتقديرات والخطوط الحمراء... وانعكاس ذلك على مستقبل التغيير: احتمالاته، أدواته، كلفته، فُرصه... ويمكن اعتبار المحصلات سلبية كلياً في هذا الصدد، فالجيوش لا ينبغي أبداً أن تتقدم وظيفتها في حماية النظام على وظيفتها في حماية البلاد. وفي كل الحالات، لا ينبغي أن تستخدم، في حماية الأمن الداخلي، إلا فقط ما هو ضروري، وليس إطلاقاً ما هو متاح. والفارق كبير ولا شك بين الأمرين والنتيجتين والخلاصات. لن ننسى أيضاً استخدام الأسلحة المحرمة دولياً (الكيميائي) والإعدامات والقتل بالجملة وقطع الرؤوس... وقد تبادل طرفا الأزمة الاتهامات بالمسؤولية عنها.
ثانياً، استخدام القوة المفرطة والجامحة، ألغى كل حيّز للعمل السياسي وللتسوية والتنازلات السياسية. وفي مراحل لاحقة انطبق هذا الأمر على كل من السلطة السورية ومعظم معارضيها، وخصوصاً أولئك الذين عوّلوا، في مواجهة عنف هذه السلطة، على عنف كاسر يأتي على صورة تدخل أو حتى احتلال عسكري خارجي. وفي مجرى ذلك، لم يُتح للوضع السوري، بسبب انقطاع الحوار الداخلي، أي فرصة لتقدم قوى وسيطة أو وسطية، تفرض مراحل انتقالية، أو تجسد مخارج موقتة، بانتظار تسويات ثابتة أو شبه ثابتة في يوم من الأيام.
ثالثاً، بالارتباط بما تقدم، لم تشهد أية أزمة أخرى ما شهدته الأزمة السورية من تدخل خارجي: رسمي و«شعبي». دولي وإقليمي. مباشر وغير مباشر. سياسي وعسكري وأمني ومالي... إن العالم كله، تقريباً، منخرط في الصراع في سوريا.
وهو انخراط اتخذ في لبنان والعراق وتركيا والأردن، أشكالاً غير مسبوقة لجهة المشاركة في القتال وتسهيل إيصال السلاح والمسلحين، وصولاً إلى بعض الاشتباكات الحدودية هنا وهناك، فضلاً عن احتمالات أخرى لا تزال مفتوحة على الأسوأ في جميع الحقول. ولا يقلّ تدخل دول أخرى عن هذا الحجم، بل هو يزيد أحياناً وبأضعاف: التدخل السعودي والإيراني والأميركي والروسي والفرنسي... الأزمة السورية مدوّلة الآن بالكامل، ودور الأطراف السورية الرسمية والمعارضة يزداد ضموراً وتبعية وعجزاً.
رابعاً، استقطبت الأزمة السورية، ومن خلال تشجيع دول وجماعات سياسية، مجموعات متطرفة انتقل زخمها الأساسي إلى سوريا. وهي تشكل الآن عاملاً مهماً في معادلة الصراع في سوريا من خلال حضورها الميداني وأساليب عملها وإدارتها للمناطق، وفق أساليب تقوم على التطرف والغلو والتخلف والعبثية.
خامساً، لا تقارن الخسائر الناجمة عن الأزمة السورية بما حصل في أماكن أخرى: لجهة حجم الدمار والضحايا والمهجرين والمعتقلين والخراب الاقتصادي والتشرد والمعاناة المتعددة الأشكال... هذا إلى خسائر سياسية راهنة ومستقبلية، همّشت دور سوريا الإقليمي، وحققت لخصوم هذا الدور نجاحات لم يكونوا يحلمون بها: نزع السلاح الكيميائي من معادلة التوازن العام مع العدو الإسرائيلي.
الغرق والاستغراق في مشاكل لن يكون تأثيرها السلبي محدوداً وقابلاً للتعويض مهما كانت النتائج.
و«فرَّخت» الأزمة السورية، أيضاً، أرقاماً ونتائج قياسية في مجال إعلان المواقف أو اتخاذها: دفع الاستنفار والاستقطاب المذهبيين إلى مداهما الأقصى وغير المسبوق. اتخاذ بعض الدول مواقف وتوجهات جديدة تماماً لجهة أساليب تعاملها مع الأزمات. السلطة السعودية تنتقل إلى العمل المباشر، وإلى التطرف في اتخاذ المواقف، وإلى المجاهرة بتسليح المعارضة، وإلى اعتبار سوريا دولة محتلة، وإلى الاحتجاج بمرارة على واشنطن بسبب عدم توجيه ضربة عسكرية لسوريا!
هذه وسواها من الوقائع والعناوين والأرقام، ترافقت أيضاً مع انحياز وشلل للجامعة العربية، ومع خلط أوراق على الساحة الفلسطينية (انهيار تحالف «حماس» مع الحكم السوري...)، ومع تبدلات في أولوية الدعم أو التعطيل سياسياً وأمنياً في
لبنان.
وهذه وسواها، أيضاً وتكراراً، من النتائج البالغة الخطورة، تستدعي مقاربات جديدة، وخصوصاً من قبل القيادة السورية، ومن قبل كل سوري حريص على وضع نهاية لمأساة بلده في أقرب وقت ممكن.
أما الدور العربي، فهو الغائب الأكبر حيث يستمر الموقف الرسمي العربي تابعاً في الغالب، لا حول له ولا طول، أو غائباً ومنكفئاً ومراقباً أو متواطئاً في الكثير من الحالات.
إنها أزمة كبرى. بل هي كبرى أزمات العالم العربي اليوم، وحتى إشعار لن يكون بلوغه قريباً!
* كاتب وسياسي لبناني