لا مكان للتراجع ، لا مكان للضعف، ولا مكان لتقديم اي شكل من اشكال التنازلات مع هذا الغرب المكار «الذي ليس فقط لم يتعهد بتقديم اي تنازل نقدي بل وحتى مؤجلا». هذا هو لسان حال الاصوليين المتشبثين بمدرسة الامام الخميني المبدئية والتي حاول حسين شريعتمداري، اقوى الناقدين لحركة «التحريفيين» كما يحب ان يسمي المدرسة المقابلة، وهو يصور الجدل الكبير الدائر بين المدرستين على خلفية انطلاق الحوار الايراني الغربي لاسيما ذلك المترجرج بين طهران وواشنطن.


من جهة اخرى، فان وزير الخارجية محمد جواد ظريف المحترف والحاد الذكاء لكنه ليس بالضرورة النبيه، يبدو عليه انه وقع في فخ الاصوليين الذين تركوه يذهب بعيدا في فلسفة «التمكين» التي خطط لها بعض مستشاريه ومستشاري الرئيس حسن روحاني قبل ان يظن انه استطاع وضع الجميع امام «امر واقع» اعتقد ان بامكانه ان ينجزه بقدراته الاحترافية فحسب؛ وذلك عندما اعلن عن محادثات وصفها بالسرية، قال انها اجريت مع مجموعة الـ5+1 ومع الطرف الاميركي لاول مرة، قد تفضي الى تنازلات متبادلة يمكن ان تهز شباك الاصوليين كما يتمنى الطرف الغربي المفاوض.
كل ذلك يجري في ظل حراك دولي متعثر رغم صخبه وضجيجه احيانا حول ما بات يعرف بامكانية عقد مؤتمر «جنيف ٢» حول المسألة السورية صار يعتقد اكثر المتفائلين بعقده بأنه لن يكون اكثر من مهرجان سياسي سيخرج منه الروسي والاميركي محتفلين كل من جانبه، على انه قد فاز داخل معسكره في ايجاد مخرج آمن لحليفه الاساسي من عنق الزجاجة التي كادت تخنق الجميع، قبل ان يرمي الاسد بشباك الكيمياوي بيد قيصر روسيا الجديد بدعم ايراني حزب اللهي قل نظيره في تاريخ حروب الحلفاء.
في هذه الاثناء، وعلى خلفية هذا الحراك الدولي المتعايش تحت خيمة الاسد الاقليمية عمليا، ثمة اصوات بدأت تعلو حتى من اقرب المقربين للرئيس الايراني الجديد تفيد «بان الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس بدأت تحاصره بافكار وتحليلات وتقدير للموقف قد يدفع باتجاه انحراف البوصلة السياسية للحراك الحواري الرئاسي»، كما كتب صادق خرازي وهو احد حواريي الرئيسين الاسبقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، ما يؤكد وجود توازن مجتمعي قوي يمنع ذهاب اي طرف في اللعبة السياسية الايرانية الداخلية من التفرد باتخاذ قرار التصالح او التطبيع مع الاميركيين دون مستوى الثوابت الايرانية القومية والدينية.
على المستوى الداخلي، فانه ورغم التساكن والتعايش «السلبي» بين الشيخ هاشمي رفسنجاني والسيد علي خامنئي والتساكن والتعايش الايجابي بين الرئيس المنتخب الشيخ الرئيس حسن روحاني والسيد خامنئي، فان «حربا ضروساً» قد اندلعت على صفحات وسائل الاعلام المقروءة ووسائل التواصل الاجتماعي بين فريق يحاول بكل ما اوتي من قوة التدثر بعباءة الرئيس التغييرية وتقمص شخصية «الحريص» على الثورة، وبين فريق الولاء لعمود خيمة النظام التي يمثلها السيد القائد باعتباره امتداداً طبيعياً للثورة الخمينية التي ترفض توظيف مقولة الليونة او الانعطافة الحوارية خارج مقولة «المرونة البطولية او الثورية» التي باتت السقف المحدد لاي توافقات اقليمية او دولية يفكر بها الفريق الحكومي الايراني الجديد.
وهنا ثمة من يعتقد جازما بان كل هذا الترجرج في الحوار الاميركي ــ الايراني من جهة، وكل مظاهر التململ والغضب الذي تبديه بعض الدوائر الرجعية الدائرة في فلك واشنطن في المنطقة تجاه خطوة الحوار الاميركي ــ الايراني من جهة ثانية وصدمتها من اهمال الاميركي لها، انما يعود مرده الى وجود مسار افول متسارع للقوة الاميركية دوليا على اكثر من مستوى، في مقابل صعود متسارع لقوى اقليمية حكومية وشعبية وعلى اكثر من مستوى ايضا، تجعل اي متتبع او قارئ جيد للاحداث والوقائع والخطوات السياسية المحيطة باجواء الحوار الاميركي ــ الايراني، يقطع بأن ثمة عالماً قديماً متعلقاً بمعادلة المنتصرين بالحرب العالمية الثانية بدأ ينهار شيئا فشيئا وإن بمسار بطيء، فيما يصعد وينهض رويدا رويدا عالم آخر متعلق بشعوب وقوى ودول مستقلة متوسطة وكبيرة سيكون في المدى المنظور هو البديل للنظام الدولي الحالي.
قبل سنوات خلت، زار الرئيس الصيني طهران في اطار جولة في المنطقة التقى خلالها الرجل الاول في إيران، الامام خامنئي، وقد تحاورا يومها في الغرف المغلقة عن سبل الحد من الصعود الاحادي للامبراطورية الاميركية وكيفية اتخاذ خطوات وآليات من نوع «القوة الناعمة» على الصعيد الديبلوماسي والسياسي لتحقيق هذا الهدف كما يقول عارفون ومتابعون لهذا الملف.
الشيء نفسه حصل اثناء زيارة مشابهة حصلت للرئيس الروسي بعد سنوات من زيارة الصيني للعاصمة الايرانية تم خلالها التطرق الى الجوانب الاقتصادية اكثر من الجوانب السياسية المباشرة.
وقتها نقل سفير الصين الشعبية في طهران لبعض اصدقائه من المخضرمين الايرانيين المولجين بقضايا المنطقة من لبنان والعراق مرورا بمصر وسوريا وفلسطين في الاساس والمركز، إبان مؤتمر شنغهاي الذي كان قد انطلق للتوه في ذلك الحين، أن بلاده وروسيا تعدان خطة طويلة الامد للاطاحة بالنظام العالمي الاميركي الاحادي بما فيه المنظمات والمؤسسات الدولية المختطفة من قبل واشنطن من مجلس امن دولي وبنك دولي وصندوق النقد الدولي، وما الى ذلك، واستبدالها بمنظمات ومؤسسات بديلة ستنشأ على انقاضها رويدا رويدا.
وعندما سأله احدهم كيف سيتم ذلك؟ اجاب: اليس لديكم في الفكر الثوري الجهادي الخميني مقولة شهيرة تقولون انها تعود لاحد مذاهب الاحتجاج الفكري الاسلامي مفادها: «استر ذهابك وذهبك ومذهبك».
هذه هي مدرستنا الفكرية والسياسية نحن ايضا التي نتبعها اليوم مع الامبريالية الاميركية التي لا يشفى غليلها من عمليات النهب والسطو على مقدرات العالم.
وهذا ما نخطط له بصمت وهدوء نحن في بكين وموسكو بعيدا عن انظار الرجعية العالمية والامبريالية الدولية وهو ما سيأتي ثماره في وقت ليس ببعيد.
يومها لم يكن لا صحوة اسلامية ولا ربيع عربي ولا ثورات قد حصلت في منطقتنا بعد ولا من يحزنون.
وهنا ثمة من يقول بانه ومنذ الفيتو الروسي الصيني المزدوج ولثلاث مرات على خلفية منع وقوع العدوان على سوريا والخطوات التي تلت والتي لا تزال متواصلة على خلفية اجبار الاميركي على النزول من قمة عرش الطاغوت الاحادي بمواكبة من معادلة الردع الاقليمية الثلاثية لمحور المقاومة عشية قمة العشرين الصناعية، وصولا الى الاطاحة بفكرة العدوان الاميركي الرجعي على دمشق، ربما تكون حلقات متسلسلة في حرب الارادات والمقولات التي ستطيح في النهاية بعالم الاحادية الراسمالي الغربي بقيادة واشنطن لتستبدله بعالم متعدد الاقطاب سيكون فيه عالمنا الاسلامي العربي قطبا اساسيا ان لم يكن قطب الرحى فيه.
* الأمين العام لمنتدى الحوار العربي الإيراني