لو أنّ بارينغتون مور أو تلميذه، حنّا بطاطو، كانا معنا اليوم ونظرا في وضع المملكة العربية السعودية، فإنّي واثقٌ من أنّهما كانا سيخرجان بالخلاصة نفسها التي سأعرضها في هذا المقال: أن المجتمع السّعودي يسير، حثيثاً، نحو أزمةٍ خطيرة، وأنّ النّظام الحالي – ببنيته القائمة – لن يكون قادراً على مواجهتها واستيعابها. أكثر من ذلك، إنّ مور وبطاطو كانا سيشيران إلى مجموعة سكانيّة محدّدة، يراوح حجمها بين عشرة ملايين وخمسة عشر مليون مواطن، ستشكّل «الكتلة الحرجة» بالنسبة إلى النظام، الذي سيعجز قريباً عن تلبية حاجاتها، ومواكبة نموّها، وحمايتها من مختلف أشكال الضغوط والمخاطر.

ضعوا جانباً السياسة ونظام الحكم وآلية التوريث غير العقلانيّة، انسوا السياسات الطائفية في الداخل وسياسة استعداء كلّ الشعوب المحيطة، إنّ الخطر الحقيقي الذي يحدق بالسعودية مصدره الاقتصاد واهتزاز السلم الاجتماعي. هذه الحجّة، من حيث المبدأ، تتحدى المنطق؛ فمن المفترض أن يكون الاقتصاد والرفاه آخر هموم السعودية، التي تنتج أكثر من عشرة ملايين برميل من النفط يوميّاً، تساوي قيمتها السنوية ما يقارب 400 مليار دولار بالأسعار الحاليّة. غير أنّ الاقتصاد الكلّي تحكمه قوانين ومعايير لا يمكن النّفاذ منها أو تجاهلها، مثل أنّه لا غنى عن التنمية الحقيقية والاستثمار في الثروة البشرية، وأنك تدفع في النهاية - دائماً - فاتورة التخطيط غير السليم، وأنّ صنبور الهدر – إذا ما فُتح وتُرك على غاربه – سيتّسع بلا حدود، وأنّ الابن الفاسد المسرف قادرٌ على تبديد ثروة والده مهما عظمت... كلّ هذه «القوانين» ستختبرها السعوديّة بقسوة في المرحلة المقبلة. سأكتفي في هذا المقال بعرضٍ مختصر لتحدّيين يواجهان المملكة (كلّ منهما كفيلٌ بتركيع إمبراطورية)، هما مشكلة سوق العمل ومشكلة قطاع الطاقة، من أجل تبيان كيف أن عوامل الهدر والنمو السكاني وسوء الإدارة والتخطيط تتضافر اليوم لتحرم قسماً كبيراً من المجتمع السعودي حالةَ الاستقرار النسبي والاطمئنان الذي عرفه جيل آبائه، ولتضع النظام الملكي – والطبقة الثرية التي تستفيد فعليّاً من النظام القائم – أمام تحدّيات ومشاكل لن تكون قادرة على مواجهتها، كما فعلت في الماضي، عبر طمرها بالمال.

السعودية لا تعمل

الرقم السحري هنا هو «ثمانون بالمئة»: أكثر من ثمانين في المئة من العاملين في القطاع الخاص في السعودية هم أجانب (1). بمعنى آخر، كلّ من يضع حجراً على حجر أو يحرّك شيئاً في هذا البلد هو ليس من أبنائها. هذا النظام الغريب قد يكون جائزاً وقابلاً للاستمرار في دولٍ تمتلك ثروات نفطية هائلة ولا يزيد عدد سكانها على مئات الآلاف، أو في روما الإمبراطورية مثلاً، ولكنّه لا يعود عقلانياً في بلدٍ كبير، صار تعداد مواطنيه يزيد على عشرين مليوناً، إذا لم يكونوا هم من يشغّل القطاعات الإنتاجية والوظائف الحيويّة في بلدهم، يصيرون «فائضاً»، يستهلك ولا ينتج، بالمعنى الاقتصادي والتنموي.
ما دام الأجانب يشغلون أغلب الوظائف، والسعوديّون ليسوا كلّهم أمراء ومديرين وأصحاب وكالات، فماذا يعمل المواطنون «العاديّون» في البلد؟ ببساطة: توظّفهم الدولة. وكلّما ازداد عدد السكان، يزداد طردياً عدد الموظفين، حتّى صار عدد العاملين في الجهاز الحكومي السعودي (أقلّ بقليلٍ من مليوني موظّف) يناهز عدد موظّفي الحكومة الفدرالية الأميركيّة - إذا ما استثنينا أفراد الجيش الأميركي وموظّفي وزارة الدفاع.
حسب الإحصاءات الرسمية السعودية لعام 2013، يتكوّن سوق العمل السعودي ممّا يقارب خمسة ملايين مواطن بين عاملٍ ومتعطّل (وهنا تبدأ المشكلة؛ ففي السعودية أكثر من 11 مليون مواطن ومواطنة فوق سن الـ15 وهم قادرون على العمل، غير أنّ أكثر من نصفهم لا يدخل في سوق العمل والإنتاج من الأساس، إمّا لأنهم نساء، أو لأنهم قد يئسوا من إيجاد وظيفةٍ مناسبة). ومن بين هذه الملايين الخمسة، توظّف الدولة نحو 1.7 مليون مواطن في الإدارات الحكومية والجيش. هناك أيضاً أكثر من مليون سعودي يعملون في حقل التعليم (أي إن الدولة هي التي تدفع رواتبهم) ونحو 300 ألف مواطن يشتغلون في القطاع الصحي. المقصد واضح: الغالبية العظمى من السعوديين تعمل لدى الدولة أو تدفع لهم الدولة أجرهم، والوظيفة العامّة تستعمل كنوع من «الدعم الاجتماعي» لتوفير مصدرٍ عيش للملايين من المواطنين الذين لا مكان لهم في السوق الحرّة.
النتيجة أيضاً واضحة: وصل حجم ميزانية الحكومة السعودية في العام الجاري إلى 220 مليار دولار، بعد أن كانت أقلّ من سبعين مليارٍ عام 2003، وهو مبلغٌ يقترب بشكلٍ خطير من مجمل عائدات تصدير النفط (وهذا في أعوام الطفرة). أي إنّ الحكومة السعودية صارت «تحتاج» لأن تصدّر ثمانية ملايين برميل نفط يوميّاً، و«تحتاج» لأن يكون سعر النّفط فوق المئة دولار للبرميل، حتّى تتمكّن من دفع رواتب موظّفيها وتسيير أمورها. ماذا سيحصل إذا انخفض سعر البترول أو بدأ الإنتاج السعودي بالهبوط؟ كيف ستوظّف الحكومة – وهي تقترب من حدود قدراتها المالية – الملايين المتزايدة من السعوديين الذين سيدخلون سوق العمل في الأعوام القادمة (والسعودية تملك إحدى أعلى نسب النمو الديموغرافي في العالم)؟
حين كان عدد سكان السعودية أقل من ثلاثة ملايين مواطن (في الستينيات مثلاً) كان يكفي أن يوزّع الملك العطاءات على مشايخ القبائل والزعماء حتى «يتسرّب» المال والمنح والأراضي إلى غالبيّة قطاعات الشعب. أمّا مع كتلة سكّانية كبيرة، فلا غنى عن إدارة كفوءة واقتصاد متنوّع ونظام تعليمي متطوّر.
لم يعد الكلام على «حداثة الثروة» في المملكة وعلى «المرحلة الانتقالية» جائزاً؛ فقد مرّت أكثر من ثلاثة أجيال على ظهور النفط في البلد وتمدّن الغالبية الساحقة من السعوديين. كان بإمكان كلّ السعوديين الشباب أن يكونوا اليوم من متخرّجي «هارفرد» (أو ما يعادلها) لو أنهم رغبوا في ذلك وسعوا في هذا الاتّجاه. ومن المفترض، في ظلّ نظام الرّفاه الاجتماعي القائم منذ السبعينيّات، أن يكون جميع السّعوديين اليوم متعلّمين تعليماً متقدّماً وقادرين على العمل وإنتاج القيمة في العالم الحديث. لكنّ الحكومة كان لها رأي آخر. القطاع الوحيد الذي طاولته «السعودة» بنحو حقيقيّ في البلد كان القطاع التعليميّ، وهو – للمفارقة – المجال الوحيد الذي يستحق أن تُهمل في سبيله هذه الاعتبارات. كان تحويل التعليم الأساسي في السعودية إلى قناةٍ إضافيّة لتوزيع الوظائف على المواطنين وتشغيل حملة الشهادات (بغض النظر عن مستواهم)، واحداً من الأسباب العديدة التي أوجدت نظاماً مدرسياً ينتج، سنوياً، مئات الآلاف من المتخرّجين الماهرين في اللغة العربية وفي تجويد القرآن، وليس في أيّ شيء آخر.

سياسة الطاقة كمثال على الهدر المنفلت

حين سألت صديقي، الذي علّم ردحاً في السعوديّة، أن يعطيني مثلاً عن أسلوب الحياة في المملكة، أخبرني أنّ تلاميذه (وهم كانوا في غالبيتهم من عائلات غير ميسورة ويشغلون وظائف في أسفل السلّم البيروقراطي)، حين كانوا يرغبون في القيام بـ«نزهة»، كانوا يقودون سيّاراتهم في موكبٍ كبير من الرياض إلى جدّة، لما يقارب سبع ساعات متواصلة، حتّى يأكلوا الدجاج في مطعمٍ يحبّونه ولا فروع له في «نجد»، ثمّ يقودون المسافة نفسها قافلين إلى العاصمة. هل تعرفون كم كلّفت هذه الرحلة الحكومة السعودية؟ أكثر من خمسمئة دولار، هي قيمة الوقود الذي استلزمته «النزهة»، لكنّ محبّي الدجاج المقلي لا يعرفون هذا، لأن الوقود يوزّع – فعليّاً – بالمجّان في المملكة، وهو ما يسمح بنشوء مثل هذه العادات والهوايات من الأساس.
النفط الذي تستخرجه الدولة من أرضها ثم توزّعه على مواطنيها بسعرٍ أقل من السعر العالمي لا يشكّل خسارة «نظريّة» للماليّة العامّة، بل هو عبارة عن كلفة ماليّة مباشرة، كأنك توزّع المال على النّاس. فالنفط هو مالٌ سائل، يكفي أن توجّهه الحكومة إلى مرافئ التصدير بدلاً من سوق الاستهلاك الداخلي حتّى يتحوّل إلى رصيدٍ ماليّ. الفرق في القيمة كان مقبولاً حين كان سعر النّفط العالمي زهيداً في التسعينيّات، أما اليوم، فإنّ المملكة تتكلّف أكثر من مئة مليار دولار سنويّاً حتّى تروي سوقها بالوقود الرخيص.
المشكلة ليست في مستوى الاستهلاك الحالي فحسب، بل في نوعيّة هذا الاستهلاك وفي وتيرة نموّه، وهي تراوح بين 5 و8 بالمئة سنويّاً، أي إن ما يقارب مئتي ألف برميل (الإنتاج اليومي لحقل نفطي ضخم بالمقاييس العالمية) تُحسم سنويّاً من الصّادرات وتُضاف إلى فاتورة الاستهلاك. هذا ما دفع مجلّات اقتصاديّة غربيّة عدّة إلى نشر توقّعاتٍ تنذر بأن السعودية قد لا يكفيها كلّ إنتاجها النّفطي خلال أقل من عقدين، ولن يبقى لديها أيّ نفطٍ للتصدير، إذا ما استمرّ نموّ الاستهلاك على الوتيرة الحالية، وبدأ إنتاج النفط السعودي بالانخفاض.
هذا ما يُوصل إليه نظام اقتصاديّ قائمٌ على الاستيراد والاستهلاك: لا توجد ضرائب على الاستيراد تقريباً، لذا فانّ السيارات رخيصة. ولأن المواطن لا يدفع السعر الحقيقي للوقود، فهو لا يملك أيّ حافزٍ لأن يعزف عن اقتناء السيارات، أو حتّى لأن يختار سيّارةً اقتصاديّة. لكلّ هذه الأسباب، تُحرق السعودية كلّ يومٍ أكثر من ثلاثة ملايين برميل من النّفط، لا تُترجم إنتاجاً وصناعات ودخلاً، بل في جعل قيادة السيارات لساعاتٍ - بلا هدف - وسيلةً من وسائل «تضييع الوقت» لدى الشباب السعودي الضجر. حتّى نضع الأمور في إطار مقارن، عدد سكّان إيران يزيد أكثر بثلاث مرّات على عدد سكّان السعودية، وإيران تُعَدّ دولةً مسرفة في استعمال المشتقات النفطية، والجميع يملكون سيارات ولديهم معدّل استهلاك مرتفع نسبيّاً. السعودية تحتاج إلى ضعف كمية النفط التي يستهلكها السوق الداخلي الإيراني، أو ما يزيد على استهلاك دولٍ صناعيّة كبرى مثل ألمانيا وروسيا وفرنسا والبرازيل.
الحكومات في أوروبا الغربية واليابان، رغم ثراء بلادها وحجم الاقتصاد والإنتاج فيها، تقيّد مواطنيها بإجراءات شبه عقابيّة حتى تجبرهم على الاقتصاد والترشيد، إلى درجة البخل، وخاصّة في مجال الموارد العامّة والاستهلاك الذي لا ينفع الاقتصاد المحلي ولا يحفّز الاستثمار. في النروج مثلاً، وهي من أغنى دول العالم ومن أكبر منتجي النفط في أوروبا، نجد أسعار وقودٍ للمستهلك هي من الأعلى عالميّاً، وضرائب هائلة على الدخل والاستهلاك الفردي. الوضع في السعودية معاكس؛ فالعقد الاجتماعي بين الدولة والشعب يقوم على انعدام الضريبة وتوفير الخدمات المجانية، ولو رفعت الحكومة الدعم عن الوقود، أو عن أسعار الكهرباء، أو بدأت بفرض ضرائب حقيقيّة على الاستهلاك والدخل، فلن تعود الغالبيّة السعودية «غير المحظوظة»، وهي مؤلفة أساساً من موظّفين وعسكريين يقلّ راتبهم الشهري عن 1500 دولار، قادرة على تلبية أدنى متطلّبات العيش وعلى احتمال الغلاء والتضخم.

لعنة الريع

هناك في السعودية نسبة معتبرة من السكان، يراوح عدد أفرادها بين ثلاثة ملايين وخمسة ملايين مواطن، يعيشون حياةً مريحةً جدّاً (الأسرة المالكة وبطانتها وشركاؤها، الطبقة المالية، التجار الأثرياء، الموظّفون الكبار، ...إلخ). لكنّنا هنا لا نتحدّث عن هؤلاء الذين، في الحقيقة، تحسّن وضعهم كثيراً في عقد الطّفرة الأخير وتضخّمت ثرواتهم كثيراً.
نحن نتحدّث عن شابٍّ سعوديّ افتراضيّ، يمثّل غالبيّة الجيل الصّاعد، حصّل تعليماً ثانويّاً وهو يعيش في منزل العائلة الّذي بناه الوالد على قطعة أرض منحتها له الدّولة في السبعينيات. الوالد تمكّن من بناء منزل ومن تربية عائلة رغم راتبه المتواضع، بسبب منح الدّولة والرخص النسبي لمستلزمات الحياة في العقود الماضية. غير أنّ الشّاب لن يحصل، هو وأخوته الثمانية والملايين من مجايليه، على أراضٍ مجانيّة كما حصل مع والده، وهو (إذا ما وفّق بوظيفة حكوميّة) سيصير مستأجراً كحال أكثر من 62% من السعوديين اليوم. للمقارنة، إنّ نسبة التمليك في الولايات المتّحدة، حيث «الرأسمالية الشرسة»، تقارب سبعين بالمئة، وهي ترتفع في الصين إلى أكثر من 90% من العائلات. من أبلغ الأمثلة على مجتمع الريع والمنح، وعلى الفوارق الطبقية الهائلة في المملكة أنّه، رغم تراكم الثروة والإنفاق الحكومي الهائل على مدى عقود، لا يزال أغلب الشعب لا يملك منزلاً. هذا الشاب السعودي وأخوته الكثر هم المشكلة التي تواجه النظام السعودي، وهم من سيفسد الحفلة على الفئة الباذخة، التي احتكرت خيرات النفط وصنعت لنفسها نمط حياةٍ أسطوريّ، بينما الغالبية لا تنال إلّا الفتات.
النظريّة في الاقتصاد السياسي تقول إنّ الدولة الريعية التي تعتمد على موردٍ وحيد كالنّفط تجد نفسها، غالباً، أسيرة دائرة مفرغة، لأنّها في حالات الطفرة وارتفاع الأسعار تجد عائداتها قد تضخّمت وصار لديها فائضٌ كبير، فتوظّف الآلاف من أبناء الشعب وترفع الرواتب وتطلق المشاريع وتشتري السلاح وتنشئ البرامج الاجتماعية. المشكلة هي أنّ هذه النفقات بأغلبها ثابتة، لن تنخفض بانخفاض عائدات الحكومة، فتجد المالية نفسها في حالة عجزٍ ما إن تنخفض أسعار النفط وتنكمش العائدات. السعودية، منذ الستينيات، هي مثالٌ حيّ على هذه النظرية، والسلوك الإنفاقي في السنوات الأخيرة يدلّ على أنّ شيئاً لم يتغيّر في العقليّة، وأنّ الحكّام السعوديين ما زالوا يفترضون، مع كلّ طفرة نفطيّة، أن الأسعار المرتفعة ستظلّ كذلك إلى الأبد. المشكلة هي أنّه، حتّى لو ظلّت الأسعار مرتفعة، فإنّ الكتلة السكانية تكبر باطراد، وصناعة النفط ليست «صناعة نموّ»، فاحتياطاتك على الأرجح لن تزداد كثيراً، وكلّ حقول النفط تنتج إلى أمدٍ معيّن ثمّ تبدأ غزارتها بالانحسار، ويبذل حينها الجهد الحثيث (والمكلف) للحفاظ على معدّلات الإنتاج أو لتلطيف وتيرة النضوب. كلّ الدلائل تشير إلى أن حقول الإنتاج الرئيسيّة في البلد، وأكثرها ينتج بكثافة منذ ما يفوق أربعة عقود، تقترب من هذه المرحلة.

خاتمة: ما كان يمكن أن يكون

طبيعة الدخل النفطي تميل إلى تشكيل المجتمعات بطريقةٍ طبقيّة قاسية ومتشابهة، شهدناها في فنزويلا وإيران ونيجيريا وغيرها: قلّة من السكّان تعيش كالأميركيين، أي كالأميركيين الأثرياء، وتبني القصور وتتفنن في الاستهلاك المفرط وترسل أبناءها إلى جامعات الغرب، فيما تعيش الأغلبية في «العالم الثالث» - بالمعنى السيئ للكلمة. هذه التركيبة المجتمعيّة لم تتغيّر كثيراً في إيران بعد الثورة أو في فنزويلا التشافيزية، ولا ريب في أنّ هذه السّمة وآثارها في السياسة والثقافة والصراع الاجتماعي ستظلّ مرافقةً لمسيرة هذه الدول إلى أمدٍ بعيد.
هذا النظام القائم على انعدام العدالة في استغلال الثروة لا يمكنه أن يستمرّ طويلاً إذا ترافق مع إفقار قطاعاتٍ واسعة من الشعب، فكيف إذا ما واجهت مالية الدولة أزمةً في الوقت نفسه؟ كما كتب الباحث كريستوفر دافيدسون في مقال نشرته - منذ أيام - «ذي نيويورك تايمز»، تمكّنت الحكومة السعودية من تغطية هذه التناقضات بالبترودولار إلى أمدٍ طويل، ولكن ساعة الحقيقة قد حانت.
كان بإمكان الوضع أن يكون مختلفاً جداً اليوم؛ فمع ثروةٍ نفطيّة هائلة، وكتلة سكّانية معتبرة، واستقرار سياسيّ، كان للسعودية أن تصير مركز قوّة حقيقيّة في الوطن العربي، ومصدراً للثقافة والعلم والتشغيل لكلّ المنطقة، بدلاً من أن تسعى إلى شراء الثقافة والسياسة في المحيط، ولمنعهما في الداخل. لا تلوموا الشعب؛ فهو لم يخيّر. والغالبية العظمى من الشعب السعودي لا علاقة لها بالصورة النمطية السائدة عن «السائح الخليجي» في بلاد العرب والغرب. نحن، في المشرق والعراق، لسنا الضحايا الوحيدين لآل سعود ولنهجهم، وهناك دراساتٌ تأريخيّة جديّة تقدّر عدد من قُتل في حروب «توحيد الدولة» السعودية بأكثر من 400 ألف، أي ما يمثّل نسبةً كبيرة من أهل البلاد أيّامها.
حتّى أوائل السبعينيّات، بحسب الأرشيفات الأميركيّة، لم تكن حكومة الولايات المتحدة مقتنعة بأن المملكة السعودية تمثّل حليفاً يمكن الاعتماد عليه، لا لنقصٍ في ولاء الحكام السعوديّين، بل لأنّ الإدارة الأميركيّة (خاصّة في عصر الثورات والانقلابات الجمهورية) كانت ترى أنّ النظام الملكي السعودي هو «خارج التاريخ» ولن يلبث أن يلحق بنظيريه في مصر والعراق، وأنّه لن يكون قادراً على مواجهة تحديات الحداثة بنظامه العائلي وإدارته البدائية وتزمّته الديني. غير أنّ الأميركيين تفاجأوا، منذ أيّام نيكسون، بأنّ النظام المهتزّ في المنطقة هو، في الحقيقة، نظام حليفهم الاستراتيجي، شاه إيران «المتنوّر» الذي كان يصرف من دون حساب ويشتري السلاح بالدين ويعوّل على عائدات مستقبليّة قد تأتي وقد لا تأتي.
الكتاب المذهل، «ملوك النفط» لأندرو سكوت كوبر، يسرد كيف غيّر الرؤساء الأميركيّون اتجاههم منذ بداية السبعينيات، وقرّروا أن آل سعود قد يشكّلون حليفاً أضمن من الشاه المتهوّر الذي بدأ يغرق في نتائج سوء تخطيطه وإدارته وعجزه عن مواكبة احتياجات بلاده. من هذه الزاوية، فاجأ آل سعود الجميع بقدرتهم على البقاء والاستمرار وتوطيد حكمهم من غير تنازلات داخليّة أو إصلاح، بينما جثث أعدائهم تمرّ في النهر تحت ناظريهم. إلّا أنّ الوضع اليوم مختلف، وما جرى للشاه يمكن أن يجري لغيره، وأنت ـ في النهاية ـ لا يمكنك أن تخدع التاريخ إلى الأبد.
* كاتب عربي

هوامش:
(1) النسبة الفعليّة أكثر من ذلك وتقترب من تسعين في المئة، بحسب تعريف «القطاع الخاص». وقد صرّح وزير العمل السعودي، عادل بن محمد فقيه، أخيراً، بأن نسبة السعوديين في سوق العمل الخاص قد ارتفعت في السنوات الأخيرة إلى 13 بالمئة.