عادل سمارة*، بادية ربيع**

نعلم أن كيّ الوعي يجنِّد الكثير من الجنسين ضد من يحمل أداة الكي (أداة الكي الجسدي التقليدية هي كأس نحاسية قاعدتها نصف دائرة يسمونها المحماسة). والكيّ يحتاج إلى أعصاب ودقة، أما كيّ الوعي فقد يُزيح رأس صاحبه لأنه يمسّ رؤوساً ذات سلطان وقوة. لكن المسألة تبقى أخلاقية في التحليل الأخير، فلا بد من مواصلة السير. اطلعنا أخيراً على مقالتين في حق النسويات واحدة، في «ذي غارديان» البريطانيةHow feminism became capitalism›s handmaiden - and how to reclaim it: by Nancy Fraser والأخرى في «ذي نيويورك تايمز» الأميركيةFrom Liberation to Empowerment? Vagina Gazing at the New York Times, by GAIL DINES).

وتكمن أهميتهما في كونهما:
تنقدان تدهور النسويات من هدف تحرر المرأة إلى مطلب التمكين وتسويق الأنجزة، وبأن نقد النسويات آتٍ من نساء نسويات.
ولأن نقدهما قائم على أرضية تواطؤ الحركات النسوية مع الرأسمالية وتجليها في السوق.
لقد اتسع نطاق الحركات النسوية في الغرب، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي خرج منها نقيضان منتصران:
المركز الرأسمالي الأنكلو - ساكسوني، والمركز السوفياتي الاشتراكي.
ورغم أن هجوماً متواصلاً قام به كثيرون في الخطاب الغربي عامة، بما فيه النسوي، ولا يزال ضد النازية، إلا أنه ترافق كذلك مع هجوم يساري ثقافوي ضد الستالينية (من مفكرين يتشككون أو يرفضون المادية التاريخية). هو هجوم لم يكن بكل تلك البراءة، بل كان في كثير منه مقصود به النيل من المادية التاريخية نفسها، وخاصة النيل من النسوية الماركسية، هذا رغم احتوائه على نقد للرأسمالية.
لقد ترافق صعود الحركات النسوية هذا مع الازدهار الاقتصادي الذي تحقق في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو الازدهار الذي امتد إلى منتصف السبعينيات (يوقِّت له البعض بمنتصف الستينيات). لكن ما يهمنا هنا هو أن هذه الحركات النسوية أخذ قمرها في الخفوت طردياً مع تعمق أزمة المركز الرأسمالي العالمي، وهو ما أوضحته الكاتبتان المذكورتان أعلاه! هذا رغم أن الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى 2008 والمشتدة من 2008 حتى اليوم، هي غالباً أكثر أذى للنساء! وهذا يدفع إلى سؤال خبيث:
لماذا حين تأزمت الرأسمالية (في حقبة العولمة) في المركز تراجع النقد النسوي ضدها؟
ربما ليس جديداً أن الرأسمالية حينما تتأزم تستدعي الشعار القومي لتأجيج الشعور القومي فيركع الناقدون والمحتجون والجياع لما يسمى المصلحة العامة، وهذا يذكّرنا بالشعار الأميركي «ادعم القوات المسلحة» (Support the Troops). وبالطبع القوات المسلحة الأميركية لا تقاتل انفصاليين في جبال روكي، أو إرهابيين غزاة من 83 دولة أو مجاهدي نكاح مثلاً، بل قوات تذهب إلى أربعة أصقاع الكوكب لتمارس متعة القتل في حلقات صيد طراد مقدس!
وهنا يمكننا ملاحظة تغيّر ما في مزاج الشارع الأميركي والغربي من حيث عدم الحماسة للحرب ضد سوريا لكي لا يسقط المجتمع الأميركي في لحظة الحرج، وبالتالي دعم غزو هو لصالح رأس المال في لحظة تطحن الأزمة الاقتصادية الطبقات الشعبية والوسطى! هل يعني هذا أن «المجتمع المدني» الأبيض الرأسمالي لا يفهم سوى لغة النقود والخوف! ربما. لا نستطيع الجزم بأن الحركات النسوية تورطت قصداً في لعب دور خادمة الرأسمالية كما تسميها الكاتبة االبريطانية، وبالتالي تواضعت في مطالبها فخفضت السقوف من النضال من أجل التحرر إلى المطالبة بالتمكين! وطبعاً بينهما درجة وسطى هي المساواة، ولكن النسويات رفضنها إلى الأعلى، وهذا جميل. كما ليس هذا مجال مناقشة المستوى الطبقي في المسألة النسوية، ولا حقيقة أن إزالة الفارق الجسدي البنيوي الخلْقي بين الرجال والنساء ليست ممكنة، بينما إزالة الفوارق الطبقية والاستغلال ممكنة.
لكن ما يحق لنا استنتاجه هو أن انتقال النسويات إلى مطالب التمكين هو تماهٍ مع مصالح رأس المال وانتصار حققته النساء الليبراليات والنس/ ذكوريات [1]، الأمر الذي يكاد يحصر الحركة النسوية في مساقات تدريس أكاديمي ليس أوسع.
أما ميدانياً، فقد انحصرت النسويات إلى التمكين والأنجزة والأجور... إلخ بدل المساواة، فما بالك بالتحرر. كما ركزت الكاتبتان على الازدواجية المتجلية في الشعارات النسوية إلى جانب تعميق التوجه الفرداني وامتداح وصول نساء إلى مراكز مديرات لشركات كبرى (CEOs)، والتزلف إلى الدولة الرأسمالية الحالية (دولة الرأسمالية المنظمة State-Organized capitalism) التي تحل محل دولة الرفاه، وتنقدان بوضوح تورط نساء كأدوات للأنظمة من خلال عملهن في منظمات الأنجزة، وتنتهي الكاتبة البريطانية بشكل خاص وواضح إلى المطالبة بنقد مطلق للثقافوية الجنسية وتركز على ضرورة استبدال ذلك بالاقتصاد السياسي. وهذا يقرب الكاتبة من القراءة الاشتراكية للاقتصاد والمجتمع، وبالطبع إلى المادية التاريخية. لكن ما دفعنا للإشارة إلى هاتين المقالتين هو أمر هام آخر: ففي حين تنقدان النسويات في الغرب وهم التمكين، ومخاطر الأنجزة، وتحذّران من حيتان النيوليبرالية، تعجّ الأدبيات النسوية لدينا بامتداح التمكين، وبانتشار مؤسسات القروض الصغيرة للنساء كانتشار الفطريات بزعم خلق «مستحدثات» جديدات منهن مأخوذات بفكرة بنك الفقراء _ غرامين بنك _ الذي بدأه محمد يونس في بنغلادش). وبالطبع بقي الفقراء فقراء هناك وفي مختلف بقاع العالم ويتزايدن/ ون. كما تبتلع مؤسسات الأنجزة، وخاصة في الأرض المحتلة، العديد من النسويات اللائي يزعمن أنهن جذريات وجندريات... إلخ. وهو الدور الذي يقدم منظمات الأنجزة الأجنبية والممولة بالمال المسموم الأجنبي على أنها منظمات تنمية (تنمية أين؟ تحت استعمار استيطاني) ومجتمع مدني ونشر الدمقرطة والتمكين بالطبع. بل إن بعض هذه المنظمات تزعم بأن دورها هو توحيد اليسار الفلسطيني وحتى التأريخ لليسار في المشرق العربي (ما تقوم به مؤسسة روزا لكسمبورغ للأنجزة في لبنان)!
ولعل السؤال الذي يجدر التفكير به هو: أما وإن النسويات في بلادنا على تواصل مع النسويات في الغرب بشكل خاص، وبما أنهن يعرفن بأن الشعار الأساس للنسوية عموماً هو التحرر وليس فقط المساواة، فلماذا تتمترس نسوياتنا وراء التمكين والأنجزة، والنيوليبرالية وخدمة السوق؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لماذا لا تلتقط النسويات العربيات الدور المزدوج للكثير من النسويات الغربيات بمعنى: أنهنّ في بلدانهن ينقدن النيوليبرالية والعولمة والسوق والأنجزة، ويشغلن بالمقابل وظائف في خدمة هذه الشياطين الرأسمالية في بلدان المحيط، ومنها الوطن العربي؟ هل الأمر ضعف فطنة، مصالح فردية، أم عدم وجود ثقافة الاحتجاج في مجتمعاتنا؟
لعل الورطة هنا أعمق. ففي حين تُساق نساء كثيرات من مجتمعات عربية محافظة بكل المعاني، لممارسة جهاد النكاح، لا تحتجّ المنظمات النسائية ولا النسوية ولا يحتجّ الذكور بالطبع!
* كاتب عربي ــ فلسطين
** كاتبة عربية ــ الولايات المتحدة الأميركية
هوامش:
[1] مقصود به النساء اللواتي يحزن مواقع متقدمة في الدولة الرأسمالية (كذكورية) حيث لا يعدو دورهنّ سوى خدمة الذكور كإناث وليس خدمة النساء. (انظر كتاب عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء، منشورات دار الرواد، بيروت 2011، ص ص 40-45)