توقفنا في مناسبة سابقة («الأخبار» عدد 2134/ 23 تشرين الأول 2013) عند التفريق بين آراء السلفيين القائلين بحرمة العلميات الانتحارية، وآراء خصومهم القائلين بعدم حرمتها بل بجوازها ومشروعيتها الدينية باعتبارها عمليات «استشهادية» كما يدعوها أغلب السلفيين؛ واستدركنا بوجود رأي ثالث يمكن اعتباره متفرعاً عن الرأي الثاني المبيح للعمليات الانتحارية. سنخصص وقفتنا اليوم للتعرض بالشرح والتحليل لهذا الرأي الثالث، وأيضاً للثاني المتفرع عنه ضمناً من خلال رصدنا التحليلي لمواقف اثنين من أشهر السلفيين المتصدين لموضوع العمليات العسكرية الانتحارية، وهما الشيخ عاصم طاهر البرقاوي، وهو لا يزال على قيد الحياة، وتلميذه أحمد الخلايلة «الزرقاوي» وكنيته «أبو مصعب»، قائد جناح تنظيم القاعدة في العراق، الذي قتل بتاريخ 8 تموز 2006.

برز اسم الأردني من أصل فلسطيني، عاصم طاهر البرقاوي، كأحد شيوخ الحركة السلفية الجهادية بداية التسعينيات من القرن الماضي. وكان قد سافر إلى أفغانستان مرات عدة، وتعرف هناك إلى شيوخ سلفيين عديدين، وشارك في بعض الأنشطة التدريسية والدعوية، وتعاون مع الشيخ سيد إمام المعروف بالدكتور فضل، وعمل في القضاء الشرعي ضمن جماعة ابن لادن في معسكر القاعدة. وكان على علاقة طيبة مع الشيخ أيمن الظواهري وأبي عبيدة البانشيري وأبي حفص المصري الذي سيقود فرع القاعدة لاحقاً في العراق حتى مقتله هناك، وأبي مصعب السوري وغيرهم من السلفيين الجهاديين، ولكنه لم يُعرف كمقاتل أو ككادر عسكري بالدرجة الأولى. هناك، طبع البرقاوي كتابه «ملة إبراهيم»، الذي كان من أول مؤلفاته المهمة ذات المنزع السلفي الأصولي. وحين عاد واستقر به المقام في الأردن سنة 1992، مال إلى النشاط الدعوي السلفي الجهادي، تمييزاً له عن النشاط الدعوي ذي المنحى «التبشيري» البحت على الطريقة الإخوانية، مركزاً على موضوعته الأحب إليه، ألا وهي متلازمة «عبادة الله واجتناب الطاغوت». وبدأ بإعطاء الدروس والاتصال بعدد ممن شاركوا في تجربة السلفية الجهادية في أفغانستان، التي من اللافت أنها لم تشهد عمليات انتحارية ضخمة، ولم يبرز هذا الأسلوب وينتشر خلالها، بل كان القتال فيها يدور وفق قواعد حرب العصابات التقليدية التي أتقنها وانتصر عبرها الشيوعيون في الصين وفييتنام وكوبا وغير الشيوعيين في الجزائر وغيرها. وحين أخذت دعوة البرقاوي تنتشر سُجن صاحبها وجماعته بتهمة ازدراء النظام، وتنبهت الجهات الأمنية الأردنية لنشاطه إثر نشر كتابه «الديموقراطية دين»، الذي نشر ووزع مع الانتخابات البرلمانية الأردنية، مهاجماً إياها بعنف وداعياً إلى ما يدعوه «تحكيم شرع الله»، ليجري، إثر ذلك، ملاحقة السلفيين وكلّ من له اتصال بدروس الشيخ أو حيازة كتاباته واعتقال عدد منهم.
اعتقل البرقاوي ثانية مع عدد من زملائه بعد أن أفتاهم بجواز القيام بعملية مسلحة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين بعد مذبحة المسجد الإبراهيمي في الخليل، حيث اتصل بمقاومين فلسطينيين وأمدهم بالأسلحة والمتفجرات، وقد حكمت عليه محكمة أمن الدولة الأردنية بالسجن لخمسة عشر عاماً. واصل البرقاوي دعوته داخل السجن وكتب العديد من رسائله هناك. وقد أمضى نصف مدة حكمه في سجون الأردن ثم أفرج عنه بعد ذلك مع استمرار التضييق عليه. فواصل كتاباته ودعوته واعتقلته في أعقاب ذلك المخابرات الأردنية مرات عدة، لفترات محدودة في أعقاب أي نشاط في البلد. بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أفتى البرقاوي بمشروعية هذه العمليات ودافع عن المهاجمين، وألّف رسالة بعنوان «هذا ما أدين الله به»، ثم اعتقل إثر ذلك لأشهر عدة، خرج بعدها من المعتقل ليواصل دعوته وتحريضه على «الجهاد» كما يراه ويحرض عليه.
أما قصة تلميذه الزرقاوي فتختلف في التفاصيل كثيراً، فقد دخل هذا الأخير السجن في قضية ليست سياسية، وتعرَّف إلى الفكر السلفي الجهادي خلال فترة سجنه فمال إليه وتبناه، وبعد إطلاق سراحه سافر الزرقاوي مباشرة إلى أفغانستان للمشاركة في القتال ضد القوات السوفياتية والحكم الأفغاني اليساري المدعوم منها، وحين وصل إلى هناك كانت الحرب قد وضعت أوزارها، فعمل في صحيفة صغيرة لفترة ثم عاد إلى الأردن سنة 1993. وبدأ التخطيط لعملية مسلحة فشلت فشلاً ذريعاً اعتقل إثرها وحوكم وسجن ستة أعوام ليطلق سراحه بعد عفو عام، فعاد إلى أفغانستان وافتتح معسكراً للتدريب في «هيرات» وحدثت بينه وبين قيادة حركة الطالبان خلافات، توقف إثرها عن القتال إلى جانبهم كما يخبرنا البرقاوي في رسالته التي سنتوقف عندها مطولاً قريباً، والمعنونة «مناصرة ومناصحة»، مسجلاً أنه هو الآخر كانت لديه تحفظات عديدة على حركة طالبان سبق بها الزرقاوي بزمن طويل دون أن يُطْلِع قارئه على ماهية تلك الخلافات ودواعيها. فيكتب بهذا الخصوص «وبلغني أن أبا مصعب – الزرقاوي - ومن معه من الشباب امتنعوا عن القتال مع طالبان لما عاينوا أشياء كنت أتحفظ بسبب بعضها على الأوضاع هناك ولا أتحمس للسفر الذي تحمس له غيري، فعاينت تلك الأشياء بعين البصيرة في وقت مبكر دون أن أتجشم تلك المسافات التي قطعوها كي يعاينوها بعين البصر، مع أنها أشياء كانت معلومة تتناقلها وكالات الأنباء والصحافة».
لم يعد الزرقاوي إلى الأردن بعد ذلك قط، بل بقي هناك لفترة قصيرة، ثم تسلل هو ومجموعة من صحبه إلى العراق عبر إيران فإقليم كردستان حيث أنشأ هناك، هو والشيخ رائد خريسات معسكراً للتدريب كشفته القوات الأميركية ووجهت له ضربة صاروخية قتلت أغلب مَن كان فيه ولم يكن الزرقاوي ضمن القتلى. ورغم أن بعض المصادر ترجح وصول الزرقاوي إلى العراق قبل احتلاله بفترة قصيرة، تؤكد مصادر أخرى أنّه وصل ومجموعته بعده، وكانت تجربته قتالية عملية وليست دعوية ولم يتعرض خلالها لفترات سجن كأستاذه البرقاوي غير أنّ العلاقة بين الرجلين استمرت كما يتضح وطيدة ودون توقف. وكان الزرقاوي يجل الشيخ البرقاوي كثيراً، ويعتبره مثاله الأعلى وشيخه المباشر، والنموذج الأقرب إلى فكره حتى من بن لادن والظواهري وغيرهما، حتى أنه سيطلق اسم موقع الشيخ على الإنترنت «التوحيد والجهاد» اسماً علماً على منظمته السرية التي شكلها وقادها في العراق قبل أن يغير اسمها في ما بعد إلى اسم آخر أقرب إلى اسم منظمة أسامة بن لادن. وبذل الزرقاوي خلال سنوات نشاطه جهوداً حثيثة ليكسب اعترافاً رسمياً به وبفرعه في العراق من قيادة القاعدة، ولكن الشيخ ابن لادن تردد أو أبطأ كثيراً قبل أن يصدر بيانه العلني الذي اعترف به بالأخير وتبنى نشاطاته وجماعته. لكن هذا الاعتراف كما تقول المصادر لم يخلُ من الخلافات والاعتراضات والتحفظات التي أبداها بن لادن على نشاط وتوجهات الزرقاوي بحسب بعض المتخصصين في شؤون الحركة السلفية الجهادية.
برز الخلاف الكبير بين الشيخ البرقاوي وتلميذه في الفترة التي بلغ فيها عنف هذا الأخير ومجموعته «التوحيد والجهاد» في العراق ذروته الدموية الهذيانية حيث أصبحت الهجمات الانتحارية والخطف والتصفيات الجسدية على الهوية أو بتهمة الردة والخيانة أسلوباً رئيساً في النشاط والقتال التي تقوم به «التوحيد والجهاد». كانت أول وأكثر عمليات الزرقاوي إثارة للرأي العام هي إقدامه، في السنة الثانية للاحتلال 2004، على نحر شاب أميركي عشريني يدعى نيكولاس بيرج أمام كاميرة الفيديو بعد أن برك عليه عدد من مساعدي الزرقاوي الضخام الأجساد. ولم يكن الشاب الذبيح من جنود الاحتلال أو من عناصر مخابراته، ولم يكن موظفاً في أي من مؤسسات الدولة الأميركية، بل كان رجل أعمال ساقته الأقدار إلى حتفه، وقد قال والده في ما بعد وهو يغالب دموعه أمام الصحفيين: «لقد قتلوا صديقاً مخلصاً للمسلمين والعرب هو ولدي نيكولاس».
ومع ذلك تبقى قصة نيكولاس سيرج مشوبة بالغموض والتساؤلات، إذ كيف نفسر قدوم رجل أعمال شاب في العشرينيات من العمر إلى ساحة حرب ضارية وفي ظروف احتلال قاسية ومضطربة؟ وعلى افتراض أنّه عميل سري لمخابرات الاحتلال كما زعم الزرقاوي، فهل يعقل أن تزج أجهزة المخابرات الأميركية المتمرسة وذات الخبرة العريضة بعميلها هذا إلى قلب الميدان مجاناً وبهذه السهولة والغباء؟ هل كان هناك طرف آخر استدرج هذا الشاب أو دفع به إلى مآله المأسوي؟ وأين نضع تأكيدات والده المفجوع، أنّ الضحية صديق للعرب والمسلمين، وما فائدة أنْ يكشف الأب عن هذا الأمر بعد مقتل ابنه إنْ لم يكن حقيقياً وصادقاً؟ تصاعد عنف الزرقاوي وتطرفه الدموي خصوصاً بعد أن أصدر بيانات عدة كفر فيها المسلمين الشيعة أو «الروافض» كما يسميهم، ودعا بداية إلى مقاطعتهم وعدم التعامل التجاري أو التزواج معهم. ثم دعا بعد ذلك، في بيان لاحق إلى قتلهم واعتبارهم أخطر وشرّاً على الإسلام من «الغازي الصليبي»، أي المحتلين الأميركيين، ورفع آنذاك شعاره الشهير «رصاصة للغازي الصليبي وعشرة للرافضي والمرتد». والمرتد في لغة الزرقاوي، هو المسلم السني الذي قد يكون متعاوناً مع الاحتلال أو الحكومة العراقية المحلية، وقد يكون مجرد رافض للفكر السلفي التكفيري.
مع تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في شهر شباط 2006 أي قبل بضعة أشهر من مقتله، بلغ عنف الزرقاوي وتطرفه الذروة. وكان دافعه إلى القيام بهذا التفجير هو زج المجتمع العراقي، الذي أبدى تماسكاً مجتمعياً ملحوظاً وتضامناً لا سابقة له في تجارب الحروب والاحتلال، في فتنة طائفية يستثير من خلالها جماهير العرب السنة ضد مواطنيهم من المكونات الأخرى وبخاصة المسلمين الشيعة، ويستثير في الوقت نفسه رد فعل عنيف من الشيعة ضد هؤلاء، وهو ما نجح فيه – للأسف – إلى درجة كبيرة بعد هذا التفجير ودخل العراق مذ ذاك ما عرف لاحقاً بسنوات الجثث المجهولة. أحدثت هذه المواقف والبيانات التكفيرية والممارسات التطبيقية للزرقاوي وجماعته ردّ فعل قوياً حتى في صفوف العرب السنّة العراقيين والمناهضين للاحتلال الذين نالهم من سكاكين ورصاص جماعة الزرقاوي الشيء الكثير. فقد خاطب الشيخ حارث الضاري، المعروف كأحد زعماء العرب السنّة المؤيدين لمقاومة الاحتلال وغير المشاركين في العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال، وفي بيان علني، وبعد إنكارٍ طويلٍ لوجود الزرقاوي ومنظمته على أرض العراق حيث كان يعتبره «أكذوبة وشبحاً اخترعته مخابرات الاحتلال الأميركي»، خاطب – الضاري – الزرقاوي وطالبه بالتراجع عن هذا النهج التكفيري لأنه يضر بقضية مقاومة الاحتلال في العراق ويضر بجميع العراقيين. وقد أخذ الكثيرون على الضاري أسلوبه اللين الذي يقترب من التوسل في مخاطبة الزرقاوي ورفضه لإدانته والتبرؤ منه ومن أفعاله.
أما الزرقاوي نفسه، فقد تراجع جزئياً عن موقفه الداعي إلى تكفير واستهداف الشيعة عموم الشيعة واستثنى قائمة صغيرة من شيوخهم ووجهائهم الذين كانوا ينشطون مع الشيخ الضاري ضمن مناهضة الاحتلال ليؤكد أنه لا يعمم الاستهداف والتكفير، ولكنه لم يغفر للضاري هذا الموقف وقد خاطبه في إحدى الرسائل لاحقاً بعبارة «أنت ضارٍ على الإسلام وأهله يا ضاري»، كذلك اغتيل عدد من أفراد عشيرة الضاري المسماة «زوبع»، وكان أغلبهم من كوادر وقادة إحدى فصائل المقاومة العراقية وتدعى «كتائب ثورة العشرين». يعتقد أن جماعة الزرقاوي مسؤولة عن تصفيتهم؛ في هذا الخضم المجبول بالدماء التي يسفكها الاحتلال وتلك التي تسفكها تفجيرات وعمليات منظمة الزرقاوي، جاء تدخل الشيخ عاصم البرقاوي «أبو محمد المقدسي» وخرج خلافه مع تلميذه الزرقاوي إلى العلن.
* كاتب عراقي