كانت مفاجأة عندما كتبنا اسم عبد الرحمن خير (1945 ـــ 2016) على محرك البحث الشهير غوغل. لا شيء عن الرجل، سوى خبر وفاته قبل أسابيع، وبعض تصريحاته المتعلقة بالحقوق العمالية والاقتصادية، وكذلك تصريحات تحمل هموم وطن عربي كامل.
تقول القاعدة «اسأل الإنترنت، فعنده إجابة على كل سؤال» لكن ها هي كسرت القاعدة، وبخل الانترنت، وتوقف في حدود بعض المرثيات التي تعبّر عن قيمة خير الفكرية والنقابية، ولكنها لا تخبر الناس عن تاريخ هذا الرجل. لذا فالطريق كان طويلاً ونحن نقلب في أوراق هذا الرجل، ونبحث في مذكراته المكتوبة بخط يده. كان صعباً أيضاً تلخيص أحاديث القريبين منه، كل هذا كان هدفاً لنضع سيرة ذاتية لهذا الرجل الذي اجتمع في عزائه المتناقضون، والمختلفون. «ليلة أبويا كانت شبهه، ذاخرة بالحب والوفاء، صاخبة بالونس، ملتقى لكل الأطياف، ليلة مصرية من طراز رفيع، وكل هذا الحضور لروحه حضورا ينفي الغياب، شكرا لكل تعازيكم»، تقول فاطمة، الابنة الكبرى لعبد الرحمن خير.
قبل ساعات من الإعلان عن وفاته (25 فبراير الماضي) أصر الرجل على أن يتوج تاريخه بملخص خبراته، فكتب على صفحته الشخصية: «لقد ذهب الذين قسّموا المانيا وفيتنام وضربوا اليابان إلى مزبلة التاريخ وبقت الشعوب تصنع مستقبلها، ستبقى سورية موحدة شعبها وارضها وبسالة جيشها الذي سبق ان انقذها بالوحدة مع مصر عام ١٩٥٨.. وستعود العراق الى قوتها وستنكسر اميركا واتباعها الخونة.. وسترتفع اعلامنا خفاقة.. العار لكلاب الرجعية العربية.. لبيك يا علم العروبة». كلماته تلك هي ملخص لرحلته الطويلة، فالطفل الذي جاء والده من قرية «الشراونة» في أقاصي الصعيد، ظل محافظاً على طبيعة أهل أسوان القادم منها.

اعتبر واحداً من أهم مؤرخي الحركة العمالية المصرية والعربية

تلك المنطقة من الصعيد التي لم تفلح شمسها القاسية في الوصول إلى قلوبهم، فظلت بيضا، رغم بشرتهم السمراء، واكتملت تلك الطيبة الموروثة، بتربية في حي السيدة زينب في وسط القاهرة، حيث مسجد السيدة وجو مشبع بالروحانيات، وموالد السيدة التي يجتمع فيها المصريون من أنحاء المعمورة. في ليلة صافية من ليالي أغسطس كان عبد الرحمن خير يصرخ معلناً حضوره إلى هذا العالم، وكأنه كان إعلان أن هذا الطفل لن يصمت إلا بالموت، وسيظل مدافعاً صلباً عن حقوق ملايين المقهورين، من العمال والفلاحين، فكان صوتهم العالي. كان والده ككل فلاحي مصر في عهد الملكية، «اللي جاي على قد اللي رايح» كما يقول المثل الشعبي الشهير، تعبيراً عن الظروف المعيشية الصعبة، ورغم ذلك أصر على أن يعلم عبد الرحمن، فكان الاول من أبناء قريته الذي وصل الى التعليم الثانوي. اهتم والده به: «كان والده يرى أن التعليم هو الإرث الذي سوف يغير من حياته» تقول زينب خير، الابنة الوسطى لعبد الرحمن. وتضيف بأن نشأته بحي السيدة زينب كان لها تأثير كبير على انخراطه بالحياة العامة والسياسية «فهذا الحي في خمسينات وستينات وحتى سبعينات القرن الماضي كان من أكثر مناطق القاهرة حراكاً سياسياً خاصة لقرب الحي من ميدان وقصر عابدين الذي كان مركزاً للتظاهرات والاحتفالات السياسية». هذا القرب ساعده في أن يلتقى بعمالقة في السياسة المصرية مثل كامل العقيلي وسيف الغزالي وعبد المنعم الغزالي وفؤاد سراج الدين ونبيل الهلالي وزكي مراد وغيرهم الكثير من قادة الطليعة الوفدية، والشيوعيون الذين كانوا يسكنون في هذا الحي، لذلك كان من الطبيعي أن يبدأ خير نشاطه السياسي في فترة الدراسة الثانوية بمدرسة الحلمية الثانوية التجارية بالسيدة زينب، واختار الاتجاه ناحية اليسار منذ البداية، وظل ملتزماً به حتى وفاته. وانضم رسمياً الى عضوية الاتحاد الاشتراكي 1968، وقبلها كان مجنداً في الحرب المصرية في اليمن، وكذلك ذاق مرارة الهزيمة في 1967.
في السبعينيات شارك في محاولات إحياء الحياة الحزبية بمشاركته في تأسيس حزب التجمع اليساري سنة 1976 بعد عودة الحياة الحزبية في مصر، فكتب رفعت السعيد، رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمع، في نعيه لخير أنه «صعد في سلم الحركة النقابية حتى وصل إلى صفوفها الأولى وكان واحداً ممن غرسوا بذور اليسار في صفوف الحركة العمالية المعاصرة مستعيداً مع زملائه النقابيين اليساريين تراث اليسار النقابي العمالي ومطوراً خبراته وقدرته على الأداء وسعيه الدؤوب لتوحيد القوى العمالية التقدمية لتنهض بمهام الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة المصرية».
وخاض خير تجربة الهروب، فكان على خلاف كبير مع سياسات أنور السادات، وتعرض للاعتقال مرتين في عهده، الأولى في مايو 1972، في القضية المعروفة باسم «تنظيم أنصار الطليعة العربية» والتي كان متهماً فيها أيضاً المفكر القومي عصمت سيف الدولة، وقضى خير في الحبس 100 يوم، ووجهت لهم تهم إنشاء وإدارة وتنظيم منظمة الغرض منها الدعوة إلى مناهضة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم، وتهدف الى تحقيق الوحدة العربية الشاملة عن طريق هذا التنظيم السري، وتجنيد الشباب العربي للإطاحة بكل نظم الحكم في البلاد العربية. أما الاعتقال الثاني فكان في 1974 في قضية «منزل نصر الغزالي»، ولعب دوراً مهماً في انتفاضة الخبز في 17 و18 يناير 1977، وكان خير ممن قادوا تظاهرات عمال حلوان حتى وصلت الى وسط القاهرة. ومع بداية الحديث عن اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، تزايد التضييق على خير مع غيره من السياسيين، فقرر السفر إلا أنه مُنع من السفر ضمن قائمة طويلة من المعارضين، كتب عنها الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، قصيدته الشهيرة «ممنوع من السفر»، فلجأ خير إلى أقاربه في الصعيد، وعبر الحدود الجنوبية وصل إلى الخرطوم ومنها إلى بيروت ثم الأردن واستقر في بغداد، لنحو ست سنوات. لم يكن مختبئاً بل كان يجتهد في حل مشاكل العمالة المصرية الموجودة في العراق، وقام بدوره كنقابي يحمي حقوق العمال المهاجرين، خاصة أن تلك الفترة كانت مصر السادات في عزلة عربية بعد توقيع معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني.
وظلت القضية العربية واحدة من أهم قضاياه، حيث شارك في تأسيس وعضوية لجنة مكافحة التطبيع في مصر التي أنشئت في التسعينيات، وشارك في العديد من الأنشطة والتظاهرات والفعاليات المقاومة للتطبيع، كجزء من دعمه للقضية الفلسطينية، وكان رافضاً أيضاً لسياسات الهيمنة الأميركية في المنطقة، فكان عضواً في الوفد الشعبي الذي سافر إلى العراق في إطار حملات كسر الحصار الأميركي سنة 1998. على المستوى النقابي، يعتبر واحداً من أهم مؤرخي الحركة العمالية المصرية والعربية أيضاً، وسجل ذلك في كتبه التي تناولت بشكل خاص تلك القضايا، ويشهد على ذلك كتابه «النقابات العمالية المصرية - الوحدة - الاستقلالية – التعدد»، وكتاب «الوفد والحركة النقابية المصرية»، وترك مخطوطة لكتاب «تاريخ عمال الإنتاج الحربي». بالإضافة إلى آلاف المقالات التي نشرت في دوريات عمالية، وصحف مصرية تؤرخ جميعها للحركة العمالية المصرية، والعربية. وما يجعل عبد الرحمن خير مختلفاً أنه ورغم تأييده الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الاتحاد الحكومي، بل وعضويته في سكرتارية التثقيف العمالي بالاتحاد العام في الفترة من عام 1976 وحتى 2012، إلا أنه كان من المؤمنين بنظرية الإصلاح من الداخل التي انتشرت في فترة من الفترات، مع ثبات حكم حسني مبارك. فرغم الرفض الرسمي مثلاً للنقابات المستقلة، كان خير من المتواصلين مع قادتها، لدرجة حضوره المؤتمر التأسيسي لنقابة الضرائب العقارية المستقلة، بل وكان أحد المتضامنين مع اعتصام موظفي الضرائب العقارية أمام مجلس الوزراء في 2008، وكان رافضاً طوال الوقت للحلول الأمنية مع الحركة العمالية، ومؤيداً للتفاوض والحوار حتى مع المختلفين معه، وكان من أشد المعارضين لمنع الحق في الإضراب، وأيضاً كان ضد سياسات الخصخصة التي تبناها نظام مبارك، ورفض التكيف الهيكلي بالطريقة التي تمت بهت، والتي كانت تعبر بشكل غير مباشر عن سياسات الخصخصة، وشارك كممثل عن الاتحاد العام للعمال في لجنة صياغة قانون العمل الموحد من 1993 الى 2003، لمدة عشرة اعوام وهو القانون الذي خاض فيه صراعات عديدة من أجل الحفاظ على حقوق العمال، وكان عضواً في المجلس القومي للأجور ممثلاً عن العمال في الفترة ما بين عامي 2006 وحتى 2012، وخاض معركة قانونية وسياسية واعلامية كبيرة لوضع حد أدني للأجور في مصر.
وتميز خير بأنه قريب من الناس، فرسائل التعازي التي وصلت الى أسرته من العمال العاديين، وأهالي قريته في الصعيد تكفي لأن تعبّر عن مدى علاقة خير بتلك الطبقة، واستطاع أن يكون عضواً لمجلس الشورى بالانتخاب وليس بالتعيين كما كانت العادة وقتها، فنجح ممثلاً عن دائرة جنوب القاهرة عن الدورة البرلمانية 2004 وحتى 2010، وخلال عضويته في المجلس عمل على إدخال تعديلات كثيرة على قوانين تهم الطبقات البسيطة كالتأمينات الاجتماعية وتعديلات قانون الطفل وقانون التأمين الصحي على طلبة المدارس، بالاضافة الى العديد من القضايا الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الأجور والتأمينات الاجتماعية، وكان من أوائل المطالبين بأحقية أهل النوبة الأصليين في تملك الأراضي في النوبة الجديدة بدلاً من رجال الأعمال، واحتراماً لمجمهوداته كرمه اتحاد الجمعيات النوبية بعضوية فخرية. قبل وفاة خير بأيام كتب منتقداً البرلمان الحالي «مجلس الانس اللي ربنا بلانا بيها.. الحضانة أحسن منه ده يشتم ده، وده يضرب ده، ومصالح الشعب مركونة ع الرف وعاوزين بدلات وفلوس والناس قتلها الجوع والهم.. نرجو من السيسي الدعوة لاستفتاء على حل هذا المجلس حتى لا يكفر الشعب بالديموقراطية والله والوطن من وراء القصد».