المواقف الحقيقة للدول الفاعلة في الأزمة السورية، من مختلف الأحداث التي تجري على أرض سوريا، أو بالعلاقة معها، ليست هي دائماً ما يتم الإعلان عنها، سواء على ألسنة الناطقين الرسميين، أو من قبل الدبلوماسيين المعروفين، أو غير المعروفين (أولئك الذين يفضلون «عدم ذكر أسمائهم») في لقاءاتهم المختلفة، أو في ما يعرضه الصحافيون المخولون أو «المطلعون» في وسائل الإعلام المختلفة. حقيقة مواقف هذه الدول قد تكون غير ذلك تماماً، أو قد لا تكون هي تلك المعلنة بالضبط، وذلك بالعلاقة مع طبيعة المصالح الآنية أو الإستراتيجية التي يجري تأمينها في سوريا. إنّ الخداع الدبلوماسي هو من صميم الدبلوماسية الناجحة، إذ لا وجود لمعايير أخلاقية تحكم ذلك، بل مصالح وفقط مصالح.

في تاريخ الدبلوماسية أمثلة لا حصر لها على اختلاف المخرجات المتوقعة من الدبلوماسية العلنية عن مخرجات الدبلوماسية السرية، وقد يبلغ الاختلاف حد التباين فتصير الدبلوماسية العلنية مجرد علاقات عامة، في حين تكون الدبلوماسية السرية قوة فعل حقيقية. يشهد على ذلك، كمثال نموذجي، تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، إذ عملت الدبلوماسية السرية الأميركية ونظيرتها الغربية عموماً، على ترسيخ الوجود الصهيوني في فلسطين، وإضعاف العرب، وليس على حل «عادل» لها. وفي هذا السياق يستحق الاستشهاد باتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل كمثال نموذجي.
ولا تزال حاضرة في الذاكرة أيضاً قصة السفيرة الأميركية في بغداد، وما قالته لصدام حسين تشجيعاً له على غزو الكويت، وما نجم عنه لاحقاً من تدمير العراق. وفي هذا السياق يمكن اعتبار التناقضات بين الدبلوماسية العلنية والسرية الأميركية المتعلقة بالأزمة السورية، وبأطرافها المختلفة مثالاً نموذجياً آخر كما سوف نحاول تبيانه وإظهاره.
لقد عبرت الدبلوماسية الأميركية، في وجهها المعلن والسافر، عن تأييدها لمطالب الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، وظلت تطالب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتنحي الرئيس السوري. أما في وجهها المخفي والمستور فكانت تعمل في إطار خطة إستراتيجية على خلق فرص لتقدم الإسلام السياسي «المعتدل» في المنطقة، بحسب تصنيفها وفهمها للاعتدال، إلى الواجهة، والعمل على خلق الظروف والشروط الملائمة لاحتواء سوريا وإيران، دون أن يصل الأمر إلى حد إسقاط نظاميهما الاستبداديين، على الأقل في هذه المرحلة. من هذا المنظور تعاملت أميركا مع الشأن السوري في دبلوماسيتها السرية. ففي لقاء أحد المسؤولين الأميركيين المعنيين مباشرة بالملف السوري مع معارضين سوريين في الدوحة أثناء التحضير لتأسيس الائتلاف الوطني السوري، طالب المسؤول الحاضرين بأنّ عليهم أن يقنعوا شعبهم بالعدول عن المطالب التي ينادي بها، خصوصاً تلك المتعلقة بإسقاط النظام، وأن يخفف من غلواء الشعارات التي يرفعها، لأنها تضر بالمصالح الأميركية، ولا يمكن بالتالي الموافقة عليها. وبدا التناقض بين الدبلوماسية المعلنة والدبلوماسية السرية لدى أميركا ومعها فرنسا وبريطانيا حدّ التباين في الموقف من تشجيع المعارضة المسلحة على الاستمرار في الخيار العسكري لإسقاط النظام، والوعود المتكررة لها بتقديم الدعم بالمال والسلاح. لكنها في الوقت ذاته كانت تحاور النظام السوري سراً من أجل تخليصه من أسلحته الإستراتيجية، ومن أجل تبادل المعطيات الأمنية المتعلقة بالحركات الإرهابية. ففي جوابه عن سؤال مباشر وجهته في حينه للسفير البريطاني في سوريا عن صحة هذه المعلومات الدبلوماسية المتعلقة بمحاورة النظام حول هذه القضايا لم ينف، بل أجاب بنعم تحت الإصرار على إعادة طرح السؤال ذاته. وفي لقاء شبه رسمي جرى منذ نحو شهرين بين مسؤول أميركي رفيع المستوى، معني بالملف السوري، مع معارضين سوريين في باريس، قال الدبلوماسي الأميركي: إنّ أولويات أميركا في سوريا ليست الديمقراطية، لأنّ الشعب السوري غير جاهز لها بحسب زعمه، وأن أميركا تخطط لحرب استنزاف طويلة الأمد من اجل إسقاط الأسد (كذا)، وحلفائه (إيران) وتدمير حزب الله، خصوصاً بعد تورطه في الصراع الداخلي في سوريا. وفي الأسبوع الفائت قالت خبيرة أميركية معروفة تعمل لدى مراكز بحثية أميركية وغربية عديدة، لأحد المعارضين السوريين المعروفين الذي كان يشارك في لقاء الخبراء السوريين لإعادة اعمار سوريا، الذي عقد في مقر الاسكوا في بيروت، بأن أميركا غير متحمسة لـ«جنيف 2»، وان تهديدها بضرب نظام الأسد لم يكن جدياً، فهي كانت تسعى من جهة لتوريط الروس أكثر فأكثر في الشؤون الداخلية السورية وإحراجهم وتسويد سمعتهم في أذهان السوريين، ومن جهة ثانية دفعهم للمساهمة في نزع أسلحة النظام الإستراتيجية. في ذات الاتجاه والمعنى تحدث أيضاً مسؤول بريطاني رفيع المستوى معني بالملف السوري، لذات الشخصية المعارضة، طالباً كزميلته الباحثة الأميركية عدم ذكر أسمائهما. فبحسب المسؤول البريطاني المذكور، فإن واشنطن في الوقت الذي تعمل رسمياً وعلنياً على عقد مؤتمر «جنيف 2»، وتشارك في التحضير له، فإن دبلوماسيتها السرية تعمل على إفشاله، متلطية وراء ستارات من صنعها مثل عدم وحدة المعارضة، أو عدم جهوزية بعض الدول الإقليمية للمشاركة فيه.
إن التطورات الأخيرة التي حصلت سواء لجهة نزع وتدمير الترسانة الكيميائية السورية، أو لجهة الانفراج الحاصل مع إيران، في ما يخص ملفها النووي، وربما غير النووي، هي ثمرة من ثمار الدبلوماسية الأميركية غير المعلنة، والتي كانت مختلفة عما كانت تقوله دبلوماسيتها العلنية. وأن جدية أميركا في دعم الحل السياسي للأزمة السورية سوف تتوقف إلى حد كبير على ما تنجزه هذه الدبلوماسية، لجهة نزع بقية أسلحة النظام الإستراتيجية، وضمان حل مع إسرائيل يكون في صالح هذه الأخيرة، وتغيير السلوك السياسي الإيراني بما ينسجم مع المصالح الأميركية. على هامش هذا المسار الاستراتيجي، يمكن أن توافق أميركا على دعم بعض المخرجات الثانوية بالنسبة لها مثل إيقاف العنف في سوريا، والتحول نحو نظام ديمقراطي. وإذ توافق على هذه المخرجات الثانوية تكون قد ضمنت لسنوات عديدة عدم التعرض لمصالحها، ومصالح إسرائيل في المنطقة من الجهة السورية، على الأقل، نتيجة الضرر الكبير الذي ساهمت، وحلفاؤها وتوابعها من السوريين وغير السوريين، بإلحاقه بالكيان السياسي السوري، وبالنسيج الاجتماعي فيه، والذي سوف يجعل من اتفاق الفواعل السياسية السورية على مشروع وطني جامع لإزالته، وإعادة بناء سوريا دولة قوية مستقرة وفاعلة في المنطقة أمرا صعباً، ربما لعقود من السنين.
* رئيس مكتب الاعلام
في «هيئة التنسيق الوطنية» السورية