منذ بدء ما يسمّى «الربيع العربي»، تفاعلت إشكالية الأقليات في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة قضية المسيحيين وهجرتهم. ومن قضية الوجود، انطلق المدافعون، من المسيحيين وغير المسيحيين إلى الدفاع عمّا سميّ بالتحوّل في الخطاب العقائدي المسيحي من الارتباط بالمشاريع الخارجية إلى الوطنية والقومية العربية. يعرض هذا المقال عدداً من المغالطات في ما يخصّ المفهوم الخاطئ المنسوب إلى المسيحيين وأصولهم ودورهم في المنطقة والآثار التي ترتبت عليه.

لا بدّ من التوقف تاريخياً عند الدور الأساسي الذي لعبه المسيحيون في النهضة العربية، وفي بناء الحضارة العربية الإسلامية. فالمسيحيين في ذلك الوقت، أي مع ظهور الإسلام، تعمّقوا في الديانة الإسلامية وتعاليمها لجهة الانتماء العربي، وانصهروا في مجتمعاتها مع الحفاظ على انتمائهم الديني. ولم يكن هذا الوجود شكلياً، بل شكّل المسيحيون مدماك الحضارة العربية الإسلامية عبر الدور الذي لعبوه في حركات الترجمة والتي ساعدت المسلمين على نشر حضارتهم وثقافتهم، وفي تبوّء عدد منهم المناصب الرسمية على مرّ التاريخ في عصر الخلافة الإسلامية.
واستكمل المسيحيون دورهم الريادي في بناء وتطوير المجتمعات العربية وتعزيز ثقافة الانتماء العربي في مجتمعاتهم على الرغم من الاضطهاد الذي عانوه في عدد من المحطات التاريخية حتى القرن التاسع عشر. إذ منذ بدايات هذا القرن، كانوا أوّل من أنشأ النوادي والجمعيات الثقافية التي شددت على ضرورة التمسّك بالتراث وبالهوية العربية ومحاربة أي هيمنة غربية على المجتمعات العربية، والمساهمة في تطوّر هذه المجتمعات دون التعرّض للقضايا الدينية. وهنا لا بدّ من التذكير أن أبرز إنجازات المسيحيين في المشرق العربي وصولاً إلى مصر كان إدخالهم الصحافة على المجتمعات العربية، والتي لعبوا من خلالها دوراً بارزاً في الحفاظ على اللغة العربية والتمسك بها، وفي نشر الوعي القومي بين جميع مكونات المجتمع العربي عبر الدفاع عن القضايا العربية الوطنية، لا سيما محاربة الاحتلالات الأجنبية بدءاً من السلطنة العثمانية وصولاً إلى الانتدابين الفرنسي والإنكليزي، فمحاربة إسرائيل. (ومن أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً في النهضة الفكرية الأدبية إبراهيم اليازجي، أحمد فارس شدياق، ناصيف اليازجي وغيرهم).
وتزامنت هذه النهضة الفكرية العربية التي أسسها المسيحيون في المشرق ونشروها في المجتمعات العربية كافة مع الدور السياسي البارز الذي لعبوه في بناء الفكر القومي. فمنذ عهد السلطنة العثمانية، لم يتقوقع المسيحيون على ديانتهم ومذاهبهم، بل كانوا نواة الفكر القومي في المنطقة في مواجهة البطش والظلم الذي تعرّضوا له على أيدي الأتراك. وعلى الرغم من انفتاحهم على الغرب على مرّ العصور في مختلف المجالات العلمية والفكرية، إلا أنّ هذا الأمر لم يمنع وقوفهم في وجه المطامع الغربية (أي الفرنسية والبريطانية آنذاك) في بلادهم على الرغم من انجرار بعض الأطراف أو المجموعات المسيحية مع المشروع الغربي. وقد تجلّى هذا الفكر القومي في بداياته عبر الدعوة إلى العلمانية، إذ كانوا (أي المسيحيين) أوّل من بلور مبدأ العلمانية في تطويرهم للفكر القومي العربي، وذلك من أجل إبعاد الطابع الديني أو الهيمنة الدينية التي قد تؤدي إلى غرق المجتمعات المشرقية في الصراعات الطائفية والمذهبية، عن الانتماء العروبي الذي بدأ بالظهور آنذاك، وكان أهم ركائزه محاربة المحتلّ أياّ تكن هويّته من أجل حماية استقلال الأرض وتاريخها.
ولا يغفل عن القارئ والمتابع أن من بديهيات سياسة الدول الاستعمارية اعتمادها التقسيم مبدأ من أجل السيطرة على المناطق التي تريد استعمارها أو احتلالها أو استغلالها. من هنا، كان على هذه القوى أن تعمد إلى خلق مفاهيم تؤدي إلى إحداث خلل بنيوي في الوحدة والتعاون المسيحي الإسلامي الذي تجّلى على أكثر من صعيد، وإلى تغليب التمايز والتفرقة بين مختلف الطوائف العربية. فكان أن عمدوا إلى ابتداع تسمية «أقليّة» على المسيحيين. (مع عدم التقليل أو إنكار مشكلة انخفاض عدد المسحيين في المنطقة). ولم تنحصر آثار هذه التسمية على العامل العددي فحسب، بل إن التصويب عليها أدى إلى ضرب العمق العربي الطبيعي الذي انبثقت عنه الطائفة المسيحية منذ التكوين (بدءاً من ظهور الديانة المسيحية في فلسطين المحتلة)، حتى بات يصوّر المسيحيون على أنهم غرباء عن قضايا أرضهم الوطنية والعروبية، وباتوا في موقع الاتهام بالتماهي مع الغرب أو «أعداء الأمّة» على حساب المسلمين والهوية العربية بدءا من النكبة حتى الأمس القريب. في حين أن طليعة المدافعين، كما أشرنا سابقاً، عن الهوية العربية كانوا من المسيحيين أمثال جرجي زيدان، وخليل مطران، وقسطنطين زريق، ومكرم عبيد، وميشال عفلق، وجورج حبش، وأنطون سعادة، وكمال ناصر، والمطران بولس الخوري وغيرهم من الشخصيات الوطنية العروبية. وما ساهم في تعزيز هذه النظرة الخاطئة على مرّ التاريخ حتى باتت من المسلمات في مجتمعاتنا، هو التركيز الدائم على فكرة ارتباط المسيحيين بالمشروع الغربي وتسليط الضوء على المجموعات المسيحية التي كانت مأجورة خدمة لهذا المشروع (وهو أمر يحدث عند جميع الطوائف) في حين كان يتمّ تجاهل المواقف والمبادرات الوطنية التي كانت تنبثق عن المجموعات الأخرى. فالنكبة لم تصب المسلمين وحدهم، بل هي لم تفرّق بين مسلم ومسيحيّ، وهي استهدفت ولا تزال كنيسة المهد كما المسجد الأقصى. ولم يهجّر المسلمون وحدهم من أرضهم في فلسطين في العام 1948، بل كانت «الشرارة الأولى» لهجرة المسيحيين في الشرق الأوسط مع بداية المشروع الصهيوني في المنطقة أيّ النكبة الفلسطينية دون إغفال دور الكنيسة المشرقية في رفض الاحتلال والاعتداء على الأراضي المقدّسة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر رسالة البابا شنودة الذي هاجم فيها الإسرائيليين ورفض اعتبار الكيان الصهيوني القائم اليوم «شعب الله المختار»، مؤكداً أنهم «احتلوا فلسطين نتيجة وعد بلفور». كما دحض فكرة «الصهيونية المسيحية» التي اعتبرها «مصطلحاً سياسياً» تشوّه جوهر الدين المسيحي بالإضافة إلى رفضه مبادرة السلام المصرية ــ الإسرائيلية ووقوفه ودعمه الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973 دون التمييز بين مسلم ومسيحي. واستمرّ التهجير المسيحي عندما استهدفت ركائز الدولة القومية في العالم العربي وانتشار الأنظمة الطائفية بديلاً عنها، مرورا بلبنان فالعراق إبان الحرب الأميركية وما رافقها من استهداف للمسيحيين حتى يومنا هذا، وصولاً إلى مصر وسوريا اليوم، التي تستهدف المجموعات المتطرفة فيها الدولة الكيان. كل ذلك، لا يهدف إلا إلى استكمال المخطط الغربي الذي يهدف إلى إسقاط الهوية العربية عن المسيحيين وصولا إلى تفريغ المنطقة من وجودهم.
من هنا، فإن الأصوات المسيحية الوطنية التي نسمعها اليوم في كلّ من فلسطين ومصر والعراق وسوريا ولبنان، لا يجب أن ينظر إليها على أنها تبدّل أو تطوّر في الموقف المسيحي، بل هي تصبّ في قلب امتدادهم وانتمائهم العربي منذ وجود الدين المسيحي، والتصويب على هذا التمايز ليس إلا استكمالاً للمخطط الغربي في المنطقة الذي يتخّذ أشكالاً عدة. أما المجموعات والأفراد والأحزاب المسيحية التي ارتهنت لصالح المصالح الأجنبية وضربت عمق الدين والانتماء المسيحي العروبي على مرّ التاريخ في دول المشرق، فهي حالات شاذة تشبه تلك التي نشهدها على الساحة الإسلامية في منطقتنا، حيث يتمّ استخدام وضرب روحية الدين الإسلامي خدمة للمشاريع التقسيمية الأجنبية.
يدقّ المسيحيون اليوم في الشرق ناقوس الخطر على وجودهم، وما المؤتمر المسيحي الأخير الذي عقد في العاصمة اللبنانية بيروت إلا دليلاً على الخطر الحقيقي الذي يشعر به هؤلاء على وجودهم. والخطر المسيحي هو خطر يهدّد المجتمعات العربية كافة، المسيحية والإسلامية. لذا، فإن المسؤولية لا تقع على المسيحيين وحدهم في حماية وجودهم، بل أيضاً على المسلمين في الدفاع عنهم، لأنهم أبناء هذه الأرض العربية، وحاملو قضاياها الوطنية وفكرها القومي منذ القدم. ولأن المسيحية والإسلام كيان واحد لا يتجزّأ في روحيته وهويته، فإن أي ضرر يصيب أحد أعمدة هذا الكيان سيؤدي حتماً إلى تفككه وانهياره فيما بعد، وبالتالي انهيار قومية الدول العربية وهويتها وزوال تاريخها.
* أستاذة جامعية