يفيد أحياناً استحضار عنوان رواية «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، رائعة الروائي الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز في هذا الضجيج الحاصل والتصيّد العكر في الإعلان الروسي بسحب جزئي للقوات الرئيسة في سوريا. وكأن ما يحصل هو عزلة الكولونيل بعيداً عن واقع كان يرغب بأن يترك بصماته فيه، فوجد نفسه وحيداً بين مذكراته واستجرار للماضي.

وهنا لدى الكولونيل من يكاتبه علانية وبعناوين واضحة لا تحتاج إلى رسائل مبهمة ولا «يحتاج إلى راتب تقاعدي ينتظره 15 عاماً ولا يصل» كما في تفاصيل الرواية. فماذا عن السنوات الخمس من الحرب السياسية العاصفة التي خاضتها روسياً دفاعاً عن وحدة الأرض السورية في مجلس الأمن، ولجمت واشنطن من قرارات متهورة، ومدت اليد اليها للتوافق على حلول سلمية للازمة ونجحت الى حد كبير في ذلك. وهي تراهن على انتصار الجيش العربي السوري في مواجهة الارهاب، ولم تراهن على أحصنة خاسرة.
للجنرال من يكاتبه مباشرة ورسائله لم تعد مشفرة. ومن دون مقدمات، فالقرار الروسي بسحب القوات الجزئي ما كان يحضر في الكرملين من دون أن يتم التشاور مع القيادة السورية التي شكرت روسيا لدورها المتواصل في دعم سورية ووحدة أرضها وخيارات شعبها، وأسهمت في مناخات تهيئة الأجواء للعملية السياسية المتواصلة. والقناعة الروسية منذ بداية الحرب على سورية لم تتبدل في أهمية الوصول إلى حل سوري – سوري من دون أي تدخل خارجي.
من حق أي مواطن أن يسأل عن توقيت هذا الانسحاب الجزئي، ومن حقه أن يقلق، ومن حق أي صحافي أن «يروس» مقالته بالانسحاب «المفاجئ» و«القرار المفاجئ» والمتسرع أحياناً. ومن حق أي صحافي أيضاً أن لا يتناول ما حصل من بوابة نظرية المؤامرة التي يطرب لها القارئ العربي.

لم تبنِ
روسيا
العلاقة مع سوريا من واقع المصالح المجردة

عبر عقود قصفت العقول كثيراً بوابل الاعلام العربي المسيس جداً، وفق نظريات «المصالح» و«براغماتية» السياسة حتى أصبحت بعض المقالات والكتابات «الاستراتيجية» تهول في القراءة لترعب القارئ أكثر من عمق التحليل الذي تسعى الى إظهاره. وهذا ما يحصل أحياناً كثيرة في القراءة اللاهادئة من دون أي معطيات توفر الحد الأدنى من الاستنتاج.
وهنا ايضاً ليس من حق الاعلامي أن يهول ويرعب القارئ وكأن ما حصل في القرار الروسي هو بداية الانقلاب على سورية، والانسحاب من ساحة الفعل السياسي، ومقايضة حصلت بين أميركا وروسيا، وتُركت الساحة للمغامرين الاقليميين الذين جربوا كل ما استطاعوا لإسقاط الدولة السورية وفشلوا.
لست هنا في مجال العرض للكثير مما كتب، ويكتب في صحف كثيرة، عن الخطوة الروسية، وكأن موسكو قد راجعت حساباتها واكتشفت أن ما حصل في المنطقة من تدمير لليبيا حمل معه بشائر عصر جديد، وما يحصل من تدمير لسورية يفتح أفقاً لعالم متحضر. وما حصل من دعم في أوكرانيا للانفصال الاقتصادي المدعوم من واشنطن يكشف عن دور خلاق لعالم مثالي. وكذلك الدعم الأميركي لمشروع التقسيم والتفتيت في سورية حالة سياسية راقية.
لم تبن روسيا خلال السنوات الخمس الماضية العلاقة مع سورية والوقوف الى جانبها سياسياً ثم في مرحلة متأخرة عسكرياً من واقع المصالح المجردة، ففي تاريخية العلاقة نستدل على الاستراتيجية السوفياتية سابقاً، ولاحقاً روسيا التي لا تعوزها المعرفة في فهم الشرق العربي ومكوناته المجتمعية- والسياسية والثقافية والاقتصادية، وأهمية الشراكة الاستراتيجية وخصوصاً مع سورية. والكثير يمكن أن يقال في هذا الجانب.

رسائل روسية بعناوين لا تُؤول
القرار الروسي لم يكن مفاجئاً ولا عجولاً، ولم يأت كرد فعل على خطاب السيد وليد المعلم أو الانتخابات البرلمانية السورية أو للضغط على الوفد المفاوض. ومن الطبيعي أن تكون هناك بعض التباينات السياسية، لكن هذه التباينات لم تصل إلى حد الفراق والانسحاب من المشهد وترك ساحة الفعل لأميركا التي نَشدت ذلك في كثير من مفاصل الأزمة السورية.
المدقق بسياسة روسيا عبر عقود يصل إلى يقين أنها لم تصل إلى حد الكباش مع أميركا وحلفائها جراء الملف السوري فقط، وإنما يتصل هذا بسياسة ارضاخ روسيا ودورها في بناء أحلاف سياسية واقتصادية تجعلها خارج دوائر التأثير الغربي والأميركي (البريكس - مجموعة شنغهاي) وغيرها من العلاقات الاقتصادية المتدحرجة مع الصين.
نحن إذاً امام قوة روسية صاعدة في كثير من الملفات الاقتصادية والسياسية العالمية التي لا تتعلق مباشرة في منطقتنا إنما تتأثر بها، والمراقب يستنتج أسباب تأزم العلاقات الأميركية - الروسية في أكثر من ملف، وأهمها كان الملف الأوكراني.
وهنا يجب ملاحظة الآتي: محاولات الحد من الدور الروسي المتصاعد جوبه بسياسة أميركية حاولت أن تضع الحواجز أمامه، فلم تفتح حرباً مباشرة معها وإنما عبر وكلائها، وهذا تجلى في أوكرانيا الأكثر سخونة، وأقلها في المواجهات الباردة من تأجيج للوضع الداخلي الروسي عبر شركات مرتبطة بالاقتصاد الأميركي والتلاعب بالسوق الداخلية.
دعم كل الحركات الانفصالية عن روسيا واستمالة جمهوريات اسلامية تربطها علاقات اقتصادية بموسكو، ما فشل إلى حد كبير.
بعد ضم البلقان تعالت الأصوات بدعم مباشر من واشنطن لإرباك روسيا والضغط عليها عبر ضرب الاقتصاد الروسي من خلال الضغط على حلفائها بتحجيم التبادل التجاري مع شركائها الأوروبيين.
مع بدء الحرب على سورية وسياسة الأحلاف والاستقطاب، دفعت الولايات المتحدة إلى استمالة روسيا وإبعادها عن الملف السوري وفق سياسة المقايضات والانفتاح الاقتصادي، بما يضمن لها دوراً في السياسات العالمية والاقتصادية بشكل أكبر.
تنامي الدور الروسي الذي اتسع في انتقاد مرحلة تدخل الناتو في ليبيا، وما آلت اليه الأوضاع من فوضى ودمار.
التنسيق الروسي ــ الصيني أبعد شبح الهيمنة على المياه الدافئة، ودفع ذلك إلى مواجهات باردة في مجلس الأمن ولم يُمرّر أي قرار ينتقص من السيادة السورية.
الوجود الروسي إلى جانب سوريا مع الحلفاء الذي لم يزل حاضراً وبقوة، أسقط بالضربة القاضية كل الرهانات بإسقاط الدولة السورية وعززت الضربات الجوية الروسية لمواقع الارهابيين من اعادة الاستقرار لكثير من المناطق حيث حقق الجيش والحلفاء انتصارات استراتيجية.
لم تأت روسيا إلى المنطقة إلا للحد من التطلعات الأميركية في تقسيمها مع حلفائها الاقليميين. وفق كل ذلك هل تترك وتخرج من المشهد... وهذا يجيب هل كان قرار الانسحاب الجزئي مفاجئاً. روسيا وعلى لسان رئيسها قالت: «جئنا للمساعدة وأنجزنا المهمة». والمساعدة لا تعني الاقامة الدائمة.
رسائل روسيا منذ اليوم الأول للحرب على سورية كانت بعناوين واضحة جداً. ويبدو أن من يريد أن يقرأ من السطر الأخير يستعجل الخاتمة.

* كاتب وإعلامي فلسطيني