تقدمت «المشرقية العربية» إلى قلب النقاش الفكري السياسي الدائر في المنطقة، باعتبارها أفقاً جدياً قابلاً للتحقق الواقعي. وهي إذ تزداد تبلوراً، من خلال النقاش نفسه، فإن طبيعة النقاشات نفسها تفيد في توكيد ما هو جوهري فيها. إحدى القضايا الجوهرية، التي يبدو انها استثارت بعض القوميين الليبراليين والإسلاميين، هي أن المشرقية، لحظة تحققها، تشكل قطباً جاذباً وقائماً بذاته، خارج دائرة التأثير والنفوذ «العربيين». لسبب ما، اتفق بعض الليبراليين القوميين، المؤمنين بأن لا نهضة للعرب إلا من خلال مصر، مع بعض الإسلاميين المؤمنين بأنّ المشروع العربي تقوده السعودية (رضوان السيد، «الشرق الأوسط»، 8 تشرين الثاني)، على إبداء الحذر من المشروع المشرقي وصولاً إلى مناصبته العداء. المشترك هو تصوير المشرقية، إطاراً معادياً للعروبة، رغم أنها عربية صميم. فبالنسبة لحازم صاغية («الحياة»، 9 تشرين الثاني) «يمكن للمشرقية أن تنطوي على معنى محترم (كذا!) إذا ما ارتبطت بإطارين ثقافيين آخرين، عربي وإسلامي عثماني». هكذا، وكما لو أن دولتي الأمويين والعباسيين قامتا في صحراء نجد، يريد صاغية من دمشق وبغداد أن ترتبطا بإطار «عربي» سيتبيّن سريعاً أنه ليس سوى الخليج وقاطرته الوهابية. مثل هذا الانزلاق لا يقع فيه كاتب كبير بقامة حازم صاغية لولا أنه متصل، باعتقادنا، بالتوتر السعودي من مجمل التطورات الإقليمية وهو ما ينكشف بوضوح من خلال مقالة رضوان السيد الذي لا يرى إلا مشروعاً عربياً واحداً في المنطقة، هو الذي تقوده الوهابية، مقابل مشروع آخر، تقوده إيران. صحيح أن صاغية يلحظ، بنباهة، حيوية المشروع المشرقي وإمكان تحققه ــ ولذلك يسارع إلى اقتراح ضم تركيا إليه ــ ولكنه، على غرار السيد، يريده، في العمق، لمواجهة إيران.

لقد جرى تناول موجبات المشروع المشرقي في أكثر من مقالة ولن نستعيدها كلها الآن. لكن الأكيد أن لا علاقة للمشروع بالنظام السوري كما يظنُ صاغية، وهو منبتُ الصلة بالفكرة القومية السورية. ونواته الأصلية يسارية، وطنية تقدمية، وعروبية خالصة. فلا شوفينية ولا «أمة» سورية. أما الإقليم فهو مجال جيوسياسي وجيو ستراتيجي، له خصائصه التي تميزه عن الإقليم الخليجي الذي سبق له أن قونن تمايزه، دون أن يتعرض للنقد انطلاقاً من معاداته للرابطة العربية الجامعة. فلا اذكر أني قرأت لصاغية، أو لأقرانه، دعوة للخليج كي يرتبط بإطار ثقافي «عربي». لا يتعدى الأمر، إذا، في ما يخص المشروع المشرقي، حدود تميُز الجزء ضمن الكل، في لحظة انكشفت فيها أدوار مكونات جزئية أخرى، باعتبارها «وديعة» خارجية أو بؤرة سرطانية تحيا على تدمير الكل المرتجى. وما يميز لحظة ضرورة التميز هذه، بالنسبة لهذ الجزء، هو الوعي المستجد بأن طاقات وقدرات وتنوُع المشرق العربي مؤهلة، دون غيرها، في الشرط التاريخي الراهن لتشكيل الفضاء الإستراتيجي العربي. وعندما يتعلق الأمر بسوريا والعراق، لا يكون الحديث عن أي جزء بل عن الجزء المكون الأساسي، أي بالضبط ذاك الذي، من دونه، يفقد الكلُ ماهيته. ففي المشرق تنوجد الجينة التي تعطي لكامل الجسم العربي خصائصه ومميزاته المحدِدة له. ولأن فلسطين هي جزء من هذا المشرق الذي لا يمكن أن يقوم ويزدهر ويتعاضد، من دون حل قضيتها وتفكيك الدولة التي تحتلها، فإن معاداة إسرائيل والصهيونية صفة ملازمة للمشروع المشرقي. ومن شأن ذلك أن يقود إلى التحالفات، الإقليمية والدولية، المتوافقة مع هذا الدور خارج أي بعد أيديولوجي أو ديني أو مذهبي. ولذلك ليس مستغرباً أن يناصبه التيار الوهّابي، بأشكاله المختلفة، العداء. وإذا كان مفهوماً أن يتعامل معه بعض التيار القومي بنوع من الحذر والترقب، فإن وضوح الأفق الوحدوي للمشروع المشرقي، وركيزتاه دمشق وبغداد، معاً، وبدون أي لبس، يجب أن يفتح الباب أمام تعاون غير محدود بين التيارين.
ما هو واضح أن هذه الطروحات تأتي في لحظة مفصلية إلى حد بعيد بالنسبة إلى السعودية التي تواجه خيارين لا ثالث لهما: الهروب إلى الأمام، بطريقة انتحارية أو التكيُف مع التطورات الجديدة وتقديم التنازلات الضرورية. وفيما تعكس مقالة السيد، الخيار الأول، يبدو صاغية أكثر اهتماماً بنقد المشرقية، و«شيطنتها» لإدراكه أنها ستحدُ من الدور السعودي، حتى عندما يتكيّف. فمملكة الصمت والقهر الوهابية ستفقد، لأسباب باتت معلومة، معظم ميزاتها الستراتيجية بحلول العام 2016 غير البعيد. وهي اليوم، مع اضطرارها للقبول بحقيقة بقاء الرئيس السوري في موقعه، وصمود سوريا، دولة وجيشاً وشعباً، وتحمُل تبعات الموقف الأميركي «العقلاني»، تجد نفسها لأول مرة في العراء الذي يزيده غربة، تشغيلها لأذرعتها الإرهابية في سلوك بائس ومثير للشفقة. وسيشكل قيام المشرق العربي، كحقيقة واقعية تتكئ على سوريا والعراق، رغم ظروفهما الحالية، وبعد تجاوزها قريباً، نهاية للدور والنفوذ السعوديين. والأدق، ربما، وهو ما تنبّه له صاغية، إن قيامة المشرق تفترض إنهاء النفوذ السعودي وهو ما بدأ يتحقق بشكل متسارع. لكن ما يقلق السعودية أيضاً هو أن المشروع المشرقي سيشكل، بالضرورة، خشبة خلاص للشعب السعودي ولقواه السياسية والاجتماعية الحية، بتياراته العروبية والديمقراطية والتقدمية، ذلك أن تراجع النفوذ إقليمياً سيدفع الهجمة للارتداد نحو الداخل المثقل بالتوق من أجل التغيير الحقيقي. وفي لحظة قريبة، نراها تُقبل بثبات، ستتصل المعركة ضد الوهابية، الجارية في سوريا والعراق ولبنان، مع معركة إسقاطها من الداخل. إنّ هذه الاحتمالات التاريخية هي التي تضع الكثيرين في حالة توتر وقلق، وبعضها ناجم عن خوف من الانحياز غير المضمونة نتائجه. وإذا كان مفهوماً بالنسبة للإسلامي رضوان السيد، انغماسه في لعبة التصعيد الانتحارية فإن المنتظر من ليبرالية وعلمانية حازم صاغية، أن تسستشعرا تطلُب التاريخ في حركة تقدمه إلى الأمام، حيث لم يعد مقبولاً للوهابية أن تستمر في تهديد استقرار منطقتنا وأمن العالم أجمع. فهذه الحركة، بعد انكشاف أذرعتها واضطرارها، بالتالي، إلى خوض المواجهة بشكل مكشوف من خلال بعض أمراء آل سعود، خصوصاً، باتت في التصورالشعبي والإقليمي والدولي، حركة سياسية إجرامية وإرهابية، لا يشكل الدين سوى وسيلة سيطرتها.
لعل بعض المثقفين يتخوف، فعلياً، كما يتضح من المقالين المذكورين، من هيمنة إيران «الشيعية»، ولا يجد خياراً سوى الاتكاء على السعودية، لقوتها ونفوذها وليس ولعاً بوهابيتها ونفطها. مثل هذا البعض يتجاهل أن إيران دولة «قومية» يشكل المذهب احدى عصبياتها المكونة وهي، لذلك، لا يمكن مقابلتها بعائلة آفلة تمثل ناطوراً للناهب الدولي، تحالفت، كي تحكم، مع فكر متخلف يرتدي عباءة دينية. لكن نزوع الدول الكبيرة إلى مد نفوذها ليس مبرراً كافياً لمعاداتها، بقدر ما يجب أن يشكل حافزاً على بناء القوة الذاتية كضرورة لبناء علاقات سوية معها. وفي الحالة العربية الراهنة، ثمة خياران جادان فقط، قادران على ملء الفراغ الإستراتيجي مقابل الدول الإقليمية النافذة (إيران - تركيا - إسرائيل): توحُد الإطار المشرقي العربي و/ أو نهضة مصرية مؤثرة. وفيما ننكبُ، في ما نسعى إليه، على «نحت» المشروع المشرقي، مشروعاً عربياً معادياً لإسرائيل وتنموياً معبراً عن تطلعات الشعوب في العيش برخاء وازدهار وكرامة، يبقى ضرورياً ومفهوماً أن تبذل جهود مماثلة وموازية من أجل استعادة مصر وبنائها كقوة عربية مركزية تعوض، في أذهان العامة، عما زرعه فيها أمثال رضوان السيد من تهويمات، قربت العدو الإسرائيلي إلى صدر الدار واختلقت، مكانه، أعداء وهميين يصدف أنهم، هم، الذين يقاتلون العدو الإسرائيلي. إذاك يستقيم البحث وتتطابق المزاعم مع الأفعال وتتضح المقاصد على حقيقتها، فتتكامل الجهود بدل أن تتنابذ. أما الحديث عن مشروع عربي بقيادة وهابية فليس سوى ترهات لا يقبلها عاقل.
* قيادي يساري ــ لبنان