لقد ابتدأ إعلام المعارضة السورية ذرائعياً، وانتهى ذرائعياً. لقد درّب هذا الإعلام نفسه شعورياً ونفسياً منذ غزو العراق على تقبل لحظة مماثلة، وعلى التنفس في مناخ فوضى الحرية الموعودة، المتخيلة سورياً. ولكن، بين ذرائعية البداية وذرائعية الخاتمة، انقلاب عميق في المشاعر والأحاسيس، وليس في الأفكار فحسب. فقد انقلبت حال المعارضة من «ثورة الحرية» إلى «جحيم الثورة» أو إلى «مأساة الثورة». انقلاب الحلم الثوري إلى جحيم ومأساة لم يكن وليد تعثر عملية إسقاط السلطة، أو وليد الصدام العنيد بين الواقع العصيّ والبرامج «الثورية» الملفقة فحسب، بل كان، بدرجة أولى، وليد العقل الذرائعي، الذي بنيت عليه أخيلة المعارضة.

وما دمنا نتحدث عن الأهداف والأخيلة، يجب أن نقف عند حمد بن جاسم، وزير خارجية قطر السابق، وعرّاب الحرب السورية، أثناء حضوره اجتماع المعارضة في اسطنبول، في آخر ظهور قيادي له، بعد سؤال عن مشكلات الثورة السورية وكثرة تأجيل مواعيد إسقاط النظام وإمكانية أن يعاد النظر ببعض الثوابت، أجاب حمد بكلمات بدوية خشنة: «خلاص، الثورة اتخذت قرارها وانتهى الأمر». لكن الواقع السوري يقول بإصرار: لم ينته الأمر بعد.
شدة احتقان كلمات ابن جاسم أخفت ما استتر عن مدارك الناس آنذاك: انتهاء عقد ابن جاسم الثوري. لقد اختفى حمد بن جاسم، لكن قراره المتخذ نيابة عن ضمير المجتمع السوري لم يزل قائماً، يواصل صناعة جحيم الثورة، ويواصل إنتاج مآسيها. هنا يكمن الخلل الأول.
إن التناقض بين الوهم والواقع، بين عالم مختلق، ذرائعي، وبين لعنة الواقع (جحيمه)، أنتج ذاتاً افتراضية، تصنع لها عالماً خاصاً، وتصر على العيش فيه، بديلاً من الواقع الحقيقي.
إنها علامات العقل الذرائعي التقليدية: الفصام الروحي والنفسي والفكري، الذي سيطر على أجواء الإعلام العربي سيطرة جبارة. فلم يعد أحد قادراً على مواجهته، لأنه لم يعد بمقدور أحد فصل نفسه عن هذا المناخ الإعلامي الجبار، ولم يعد يسيراً إيجاد فسحة للنظر أو التأمل ببعض التجرد العقلي.
إن السعودية لا تختلف عن قطر في أنها صاغت للمعارضة السورية قراراً لا تراجع فيه، ثم أوكلت وألزمت نفسها بمهمة تنفيذ وتحقيق هذا القرار، من طريق إرغام التاريخ على الانحناء لأوامرها.
إن ذرائعية المعارضة تستمد أصولها من كونها هي ذاتها، بكل قواها الفكرية والعسكرية، أضحت محض ذريعة بيد قوى لها مصالحها الخاصة، المتناقضة تماماً مع مشروع إقامة مجتمع سوري ديموقراطي تعددي. وبذلك جعلت من نفسها ظاهرة سطحية، لم تقو على تصعيد الأسس الحقيقية للمعاناة الاجتماعية إلى صيغة واقعية للنضال سياسياً وعسكرياً وثقافياً. بل على العكس، اندفعت (البعض يقول انجرّت)، منذ ولادتها، إلى حيث ارتضت لنفسها أن تكون: ذريعة سياسية وعسكرية، وتالياً ذريعة إعلامية مفككة، فصامية، فكرياً وعقلياً. وهذا ما يميزها عن الحركة الشعبية المصرية بكل أطيافها وشعاراتها.
لقد تغلغلت مشاعر الصدام العنيف بين العقل وخداع الذات، بين الواقع العنيد، كحقيقة قائمة على الأرض، والواقع المفترض باعتباره حلماً أو أمنية أو خيالاً صرفاً، مرهوناً بإرادات خارجية، لا صلة تربطها بهذا الخيال الوهم، أو بمن يقوم بإنتاجه والعيش فيه وبه.
وإذا كانت السياسة قادرة على إخفاء وجهها الذرائعي المضلل، بسبب طبيعة العمل السياسي، القائم على لعبة اختلاف المصالح، فإن جوانب الحياة الأخرى، التي لا تقع تحت التأثير المباشر والإرغامي لاختلاف المصالح، كالأدب والفن والتاريخ وقوانين الحق والعدالة، تفضح على نحو واضح شدة تناقض الخيال الذرائعي للمعارضة السورية، وعمق تغلغله في وجدان أصحابه، إلى حد أنّ الذرائعية تبدو، في بعض وجوهها، هذياناً عصابياً، لا واعياً.
حينما تقيم المعارضة السورية ندوة لناشطة في شؤون المرأة في اسطنبول، تتحدث عن معاناة المرأة السورية (هذا ممكن جداً من الناحية الواقعية)، ثم تختتم ندوتها بمناشدة لمساعدة المرأة السورية على التخلص من واقعها المأسوي، (وهذا ممكن أيضاً من الناحية العملية والنفعية). لكنها حينما تخص المملكة العربية السعودية، بأن تلعب دورها التاريخي، منقذاً ومُخلّصاً، للمرأة السورية من حياة العبودية والتخلف، نكون قد اقتربنا كثيراً من حافة الفصامين، العقلي والسياسي معاً.

علم الجمال التكفيري

ربما يكون علم الجمال أكثر الميادين بعداً عن التأثير السياسي المباشر. لكن مقالة الناشطة السورية علا شيب الدين، المنشورة في ملحق «النهار»، في 16 آذار 2013، تحت عنوان «الثورة السورية والقيمة الجمالية» تعيد رسم علم الجمال على ضوء الذرائع السياسية، فتمنح القارئ فرصة جيدة للتعرف حسياً على ظاهرة الفصام الثقافي، التي يعاني منها كثيرون من رافعي شعارات الديموقراطية والحرية القطرية السعودية. تقول علا: «في6/4/2012 رفع الثائرون في عامودا بمحافظة الحسكة لافتة تضمّنت مقولة لوركا «ما الإنسان دون الحرية يا ماريانا؟ كيف سأحبّكِ إذا لم أكن حرّاً؟ كيف أهبكِ قلبي إذا لم يكن مُلكي»».
ما الذي يترتب عقلياً على رؤية لافتة تحمل كلمات لوركا بين آلاف اللافتات التي تحمل نداءات الموت والنحر؟ النتيجة السياسية معروفة للجميع، ولا ضرورة لتكرار شرحها. ولكن ما النتيجة الجمالية المترتبة على هذه اللافتة؟
تقول الكاتبة: «تكشف، في العمق، علاقة جماليّة عبَّرت عن تواصل روحي وجسدي بين الثائر والثورة؛ طالما أنها علاقة تعقد الصلة بين الواقع، بكل قباحاته، والجمال، عبر معايشة جمالية بين الذات الثائرة وموضوع هذه الذات، أي الثورة».
هل حقاً تستطيع تسع كلمات للوركا أن تفعل هذا الفعل الجمالي في التاريخ السوري الراهن الغارق في طوفان الدم؟ تجيبنا المعارضة بثقة مطلقة: «بدت الثورة كأنها سعي من أجل انتصار الجمال والروعة على الشرّ والابتذال والقبح. ولعل انضواء التنوّع في الثقافة، والعلم، والدين، والطائفة، والقومية، والمنطقة، والعمر، والجنس، والعمل، والطبقة الاجتماعية داخل وحدة كلية هي ثورة شعبية، كان مصدر جمال الثورة من حيث هو انسجام. فجمالية الانسجام هنا تبدّت في وحدة المتنوِّع والمتناقِض (تيمّناً برؤية هيغل للانسجام). يُضاف إلى ذلك، التناغم بين حركة الفرد/ الثائر كجزء كان على مرّ عقود ساكناً راكداً، وحركة الثورة ككلّ. مع انسجام الحركة بين الجزء والكل، غدت العلاقة بين الثائر والثورة حافزاً لإقامة علاقة جمالية بين الفرد وذاته، وبين الفرد ومجتمعه، وبينه وبين مثله الأعلى. إن الجمال هنا، وقد أصبح مع الثورة «حياة»، يكاد يقترب من الجمال في «الفن»».
لقد شجع ناشرو هذه الهلوسة الكاتبة الحالمة على التمادي أكثر فأكثر في إظهار مشاعر الجمع بين العلم والثورة والبربرية. ففي ملحق «النهار»، الثاني من تشرين الثاني، تخصص الكاتبة ذاتها معظم مقالها لموضوع الدفاع المستميت عن الوجود الحر من طريق أكل قلوب الأعداء! تشرح لنا نظرية حلول القاتل في جسد القتيل، من طريق تبرير سبب أكل مقاتل معارض سوري قلب أحد الجنود القتلى. وتبيّن بمهارة عالية أن مشاعر الحقد والاشمئزاز يجب أن توجّه نحو صاحب القلب المأكول، لأنه كان سبباً في إثارة شهوة الدم في نفس آكل القلب. كيف فات على النهار هذا القدر الكبير من تجاوز قوانين المنطق والحس البشري؟ من يشجع من؟ هنا، لم تعد الكاتبة وحدها من ذهب بعيداً في رحلة العصاب الصحافي. إن هذا المثال، المنسوب للكانيبالية السياسية، ربما يمنح النائبة المسالمة نائلة تويني حقاً شرعياً وأخلاقياً في أكل قلوب كثيرين، إذا دخل لبنان مرحلة الدفاع المستميت عن الوجود الحر.
عند استبعاد الهلوسة اللفظية من هذه النصوص نرى بوضوح كيف تغلغل النزوع الذرائعي تغلغلاً عميقاً في نسيج الوعي، حتى باتت الكتابة ضرباً من الهذيان المحمّل بالعبث العقلي التام وبالإباحات المطلقة، وبضمور ملكة التفكير.

التاريخ في قبضة التكفييريين

ليس الجمال وحده من استُخدم في معركة الذرائع، التاريخ أيضاً تمّ استنهاضه لغرض تدعيم خيال المقاتلين والمثقفين. في 3 آب 2013، من على صفحات ملحق «النهار»، يستفيض محمود الزيباوي في وصف تاريخ مسجد ومرقد خالد بن الوليد بطريقة جذابة وذكية، تضمن إلى حد كبير استمالة القارئ إلى أهمية هذا الموقع التاريخي. لكن الكاتب لا ينسى أن يربط تاريخ المسجد بالمعارك العسكرية الراهنة ونتائجها المدمرة: «أعلن الجيش النظامي سيطرته على مسجد خالد بن الوليد، ونقلت وسائل الإعلام المرئية صوراً تظهر تعرضه للخراب نتيجة تساقط الصواريخ في محيطه، ونتيجة المعارك التي شهدتها باحاته الداخلية والخارجية. طاول القصف ضريح الصحابي القائم في الزاوية الشمالية الغربية من حرم المسجد، ونشرت شبكة «شام» الاخبارية وصفحات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً تظهر حجم الدمار الذي لحق بهذا الضريح». وإذا كان الكاتب قد ربط بين تحرير المسجد والتاريخ، فإنه يترك للآخرين مهمة إيصال هذا الربط الى غاياته النهائية: تدمير التاريخ العربي من قبل النظام السوري!
ففي 23 آب 2013، تولت صحيفة «الخليج» الإماراتية مهمة استكمال الوصف السابق، فقامت بوضعه تحت عنوان كبير يقول: «تدمير مسجد خالد بن الوليد في حمص»، جاء فيه «واصل النظام قصفه للأحياء المحاصرة في مدينة حمص، ودمّر مرقد الصحابي خالد بن الوليد في المدينة».
إن كتابة التاريخ هنا لا تهدف إلى إضاءة التاريخ، بل إلى تعتيمه، مهما كانت نيات كاتبه بريئة. فكاتب المقال يربط بقوة بين حقائق التاريخ ولحظة تحرير المسجد من قبضة القوى التكفيرية. كيف نسي المقال أن هذا الأثر التاريخي ظل لأشهر عديدة رهينة بأيدي التكفيريين، الذين اتخذوا منه موقعاً ميدانياً لإدارة المعارك؟ ولماذا لم تستفز خيال الكاتب التاريخي سوى لحظة تحرير التاريخ من أسر الجماعات التكفيرية المسلحة؟
هنا لا يقوم الكاتب بخيانة التاريخ كوظيفة وكغاية علمية فحسب، بل يقوم أيضاً بتطويع التاريخ لمصلحة هادمي التاريخ. إن العقل الثقافي هنا يختار لحظاته المعرفية بما يتناقض مع مبادئ وقيم المعرفة. أي أنه يقوم باستخدام التاريخ، بطريقة تتلذذ بالألم (مازوخية)، لإدامة حرب معادية لمنطق التاريخ. هذا وجه خفيّ من وجوه التناقض الثقافي، لكنه وجه مبطّن، لا تسهل مهمة كشفه، لأنه أصبح نسيجاً داخلياً، وكاد أن يمسي بنية عقلية ونفسية.
بمرور الأيام لم يعد هذا التناقض الفاضح خافياً على أحد، لذلك يقول الكاتب السوري عمر يوسف سلمان في ملحق «النهار»، 5 تشرين الأول 2013، في موضوع عنوانه «الشعر السوري في جحيم الثورة والحرب»: نحن «إذاً أمام وجهين متناقضين من التغيير: الانفتاح العالمي والعزلة الفردية. هذا التناقض حدث مع السوريين في العالمين الافتراضي والواقعي. فعلى الرغم من أن الثورة أتاحت لهم التواصل والكشف بشكل لم يسبق له مثيل ربما، إلا أنها تحولت بعد سلسلة من العنف الدموي الى مصدر للتشويش والعزلة والهرب من الواقع نتيجة اليأس».
من دون شك، لا بدّ لجحيم الثورة، أية ثورة، ولجحيم الحرب، أية حرب مأسوية، من أن تفرض نفسها على النص وعلى الوعي عامة. لكن حسن التطابق بين المبنى والمعنى، باعتباره واحدة من ثمار الثورة المتخيلة، ربما لن يتحقق، لا في الشعر ولا في الواقع. لقد دخل العراقيون جحيمهم الأطول والأعنف، ولم يخرجوا منه بعد. لقد تمنى بعض أدباء العراق أن يغيّر الحلم الأميركي وحلم إسقاط الديكتاتور المدونات الأدبية والثقافية بطريقة جذرية لم يشهدها التاريخ البشري من قبل. ولكن، لم ينتج الواقع سوى المزيد من الانتكاسات العقلية والاجتماعية، والمزيد من فوضى الفكر والخراب الثقافي. قرارات حمد بن جاسم الصارمة، التي لم تزل تصرّ على ممارسة دورها القاتل في الواقع العسكري والسياسي، بدأت تؤتي أكلها جمالياً وشعرياً وثقافياً أيضاً، وأخذت تنتج منظومة عقلية متكاملة رديفة، تسند الخيال الحربي للمقاتلين. حقاً، نحن أمام معجزة ثقافية مثيرة، لا يستطيع أحد إنكار وجودها.
لم يكن السوريون وحدهم من وضعوا أيديهم على هذا الفصام. ففي صحيفة «الحياة»، السبت 19 تشرين الأول 2013، كتب أحد منظري احتلال العراق، وأحد المبشرين بضرب سورياً عسكرياً، حازم صاغية، مقالاً يصف فيه الثورة السورية بـ«المأساة».
فالثورة تحولت فجأة، على يد أبنائها، من مُخلّص قدريّ، سحريّ، إلى «جحيم» و«مأساة».
وكلا الوصفان يعبران بدقة عالية عن حال المعارضة السورية الحقيقية. بيد أن كاتبي التعبيرين معاً، يرتكبان خطأ جسيماً حينما يحسبان أن الثورة دخلت مرحلة «الجحيم والتشوش والعزلة» بسبب الشعور باليأس. إنّ الواقع يقول عكس ذلك تماماً. إن التشوش والعزلة والمصير المأسوي والجحيمي هو الذي دفع كثيرين إلى حالة اليأس. فـ«الثورة» السورية لم تصطدم باليأس، بل قادت إليه منذ أن أوكلت مهمة تحقيق شعاراتها الديموقراطية الى دولة تحمل الأيديولوجيا الوهابية، ومنذ أن جعلت مطلب الحرية مرادفاً للاحتلال، ومنذ أن وضعت الديموقراطية في فوّهات القوى المسلحة، ومنذ أن تحالفت العلمانية المنادية بدولة الحقوق المدنية مع التكفيرية السياسية وأكلة قلوب البشر. إن مأساة وجحيم الثورة كان خطأ البداية التأسيسي، وليس مجرد نتيجة خاطئة، أو كبوة فارس.

الآباء يأكلون وجودهم الثوري

ربما يكون المعارض السوري ياسين الحاج صالح أقدر من غيره على وصف التناقض الروحي والسياسي والعقلي، الذي أمسك بخناق الاتجاه الداعي إلى الديموقراطية في المعارضة السورية.
والحاج صالح، كما يصفه حازم صاغية، في صحيفة «الحياة»، السبت 19 تشرين الأول 2013 «ليس فقط أحد ألمع الكتّاب العرب، لا السوريين وحدهم، بل هو أيضاً الأقرب لأن يسمى منظر الثورة السورية». يقول منظّر الثورة السورية، من على صفحات «المستقبل»، في السادس من تشرين الأول 2013، في مقابلة عنوانها «الثورة السورية دفاع عن الحياة قبل الخبز والحرّية»:
«لا أزال على موقفي الأول: لا لتبنّي الموقف الأميركي من النصرة، ولا لفتح جبهة صراع معها».
يعترض ياسين الحاج صالح حتى على إدانة أميركا لجبهة النصرة. ويعلل سبب هذا الاعتراض قائلاً: «إنّ الصراع مع النصرة ثانوي ويعالج بالسياسة، والصراع مع النظام وجودي». وحتى لو قبلنا بهذا الهذيان الثوري، الذي يحسب أن مواجهة وحسم الموقف مع جبهة النصرة يتمان من طريق سياسي، أي بالتفاوض أو صناديق الاقتراع. إلا أن الفصام العقلي يكمن في سبل رؤية الواقع السوري وطرق حل مشكلاته «الوجودية». يقول الحاج صالح: «تخوض الثورة معركة صعبة مع النظام، بينما النصرة لا تفتح جبهة ضد أحد في الثورة. قلت في المقالة: حين تختلف الظروف، كأن يسقط النظام أو تنقلب النصرة إلى مواجهة مجموعات المقاومة المسلحة الأخرى، يتغير التقويم والموقف».
ربما لهذا السبب حازت مقابلة الحاج صالح أعلى درجة في عدد القراءات، لمدة أسبوعين متتاليين، في صحيفة «المستقبل». وربما للسبب عينه، أصرّ كاتب المقابلة على وسم الحاج صالح بصفة مميزة جداً، ملتقطة من ملف العراق، هي تحرره من «الحياء الوطني».
أما موقع «الكومونة» الشيوعي، الذي يشاطر الحاج صالح موقفه الوجودي من النظام، فلا يخفي خلافه مع الحاج صالح في أمر جبهة النصرة، منادياً بضرورة مقاتلتها الآن، لأنها قوة معادية. دليله على ذلك أنها (جبهة النصرة) لم تزل تمارس الاعتداء والاعتقال للمعارضين، ومن بينهم «أحد أبناء ياسين الحاج صالح».
وربما كان موقع «الكومونة»، الذي لا يقل اختلالاً عن باقي أطراف المعارضة السورية، يعني في هذه الإشارة أن ياسين الحاج صالح، الذي لا يمتلك القدرة على تحرير نجله «فراس» من أسر جبهة النصرة، ربما لا يتمكن، حينما «تسقط» السلطة، من تخليص المجتمع السوري من قبضة جبهة النصرة! وإذا أفلح الحاج صالح في ذلك، بواسطة معجزة سماوية أو أميركية، فإن التخلص من النصرة سيتم بعد أن تعاد سوريا إلى العصر الحجري.
نعم، بكل تأكيد، لقد اندفعت المعارضة نحو الجحيم والمأساة. ولكن «الثورة» لم تسقط في الجحم والمأساة بسبب اليأس، كما يدّعي النادبون. لقد سقطت بفعل انفصال العقل المعارض عن الواقع، حينما جعل من نفسه أداة وذريعة إعلامية خالصة، هدفها تسويق المشاريع العسكرية والسياسية الأجنبية. تحت ضغط الواقع القاسي: الوقوع بين ثبات بقاء النظام وتعاظم نفوذ الجماعات التكفيرية المسلحة، فقد العقل المعارض بوصلته تماماً. فعلى الرغم من ظهور انتقادات هنا وهناك، لأسباب شخصية في الغالب، تتعلق بحصص ومواطن سلوكية هامشية، إلا أن الموقف من القضايا الجوهرية، لدى قادة الاتجاه غير السلفي، أمثال ميشيل كيلو وبرهان غليون، اندفع نحو اليمين بقوة عمياء. فهو يقف إلى يمين الموقف الأميركي في نقد الجماعات التكفيرية، وإلى يمين الجماعات التكفيرية في نقد التدخل الأجنبي المسلح. وإلى يمين الجيش الحر في ما يتعلق بموضوع تشكيل حكومة في الأماكن الواقعة خارج سيطرة الحكومة، وإلى يمين الحكومة الوهمية في ما يتعلق بسبل التعامل مع الفصائل التكفيرية ضمن الجيش الحر. لقد اختار المعارضون الديمقراطيون الوقوف في منطقة يمين اليمين فكراً وسياسة وشعوراً. لذلك اندفع العقل المعارض بشدة نحو الخيال للخروج من أزمة الواقع. إن أبرز منظري المعارضة، ياسين الحاج صالح، يعتقد أن كلماته هي التي ستحسم المعركة على الأرض، وليس حملة البنادق والضغط الخارجي. ويعتقد أنه وحده من يمتلك ملكة التفكير ووضع خطط ما قبل إسقاط السلطة وما بعدها. ويعتقد أيضاً أن الآخر، المسلح بالبندقية والعقل التكفيري، لا حسابات له ولا إرادة، وأنه مجرد ألعوبة بيد مثقف مضطرب العواطف والأحاسيس، من أمثاله. هنا يكمن الوهم والابتذال العقلي الأكبر، وهنا يكمن حجم الاغتراب عن الواقع، الذي دفعنا إلى القول إن المعارضة السورية تحولت من شعار مطلبي إلى شعار عسكري تدميري، ثم إلى ذريعة إعلامية خالصة، يتم التلاعب بها دولياً وإقليمياً.
لقد انتهت المرحلة الأولى من الحرب. نتيجتها الملموسة على الأرض نجاح أميركا في خلق وتسمين عدد من أمراء الحرب، لم يكن لهم وجود قط على الخريطة الكونية من قبل. قابله نجاح روسيا في بقاء النظام السوري. أما المرحلة القادمة، فلن تكون سوى وضع شرعية اقتسام الأرض بين الأمراء موضع التطبيق، استعداداً لخوض جولة ضارية، هدفها صناعة توافق عسكري سياسي ضمني، تتحدد طبيعته ومديات حركته على ضوء معركة التوازن الدولي والإقليمي. إن الأرض العربية لم تزل تستجمع هزاتها الداخلية.
* ناقد وروائي عراقي