على امتداد ما يقارب ثمانية عقود بعد ظهور أول نموذج من نماذج حكم الفكر الشمولي، وبعد أن حكم لاحقاً هذا الفكر في مناطق مختلفة من العالم وبأزمنة مختلفة أيضاً، لم يتمكن أي من هذه الأنظمة التي وصفت بالشمولية من إحداث أي تغيير أو تحسين على الصورة السيئة التي ارتسمت منذ البداية لهذه الأنظمة عبر تجاربها في الحكم. ولم يخرج هذا الفكر عن توصيفه العام بأنه نظام المجتمع المغلق الذي يمسك فيه حزب واحد بكامل السلطة، وتكون فيه الدولة تحت سلطة فرد أو فئة أو فصيل واحد ودون أن تقبل الدولة حدوداً لسلطاتها، حيث تسعى إلى السيطرة على كل جوانب الحياة وجمع المواطنين في كتلة واحدة، ولا تقبل بأي معارضة لها، بل على العكس تماماً فمع مرور الزمن وتعدد التجارب تكرست مرتكزات هذا الفكر بشكل مستنسخ ودون أي تحسين أو تطوير، ولكن من اللافت أنّ هذا الفكر لم يكن حكراً على أمة أو قارة أو إيديولوجيا أو عرق. فالشمولية حكمت دولاً في أنحاء مختلفة من العالم تباينت، وخاصة نماذجها الكبرى في غالبية مفردات مجتمعاتها ومكوناتها، وتباينت أيضاً الأهداف والغايات والشعارات التي قادت هذا الفكر للحكم، والمبررات والظروف التي مكنته من ذلك. ومن اللافت أيضاً أنه لم يحقق في جميع نماذجه أي من هذه الأهداف والغايات، كذلك فإنه لم يتمكن من ترجمة شعاراته المرفوعة إلى واقع ملموس على الأرض.

ينطلق الفكر الشمولي في الشكل العام من قناعة راسخة لديه بأنه الوحيد الذي يمتلك المعرفة والفهم الصحيحين للمشاكل والمعوقات، وبالتالي لمتطلبات الدولة والمجتمع واحتياجاتهما، وذلك يستوجب من وجهة نظره امتلاك القوة والقدرة على إحداث التغيير الذي يتوافق مع هذه المعرفة وهذا الفهم، لذلك لا بد من الوصول إلى الحكم ليمتلك حينها السلطة القوية القادرة على أن تحكم وفق قناعاته وتفرض تطبيقها بشكل تام دون أي إمكانية للبحث فيها أو مناقشتها. لذلك نرى أن هذا الفكر في جميع نماذجه يذهب إلى إيديولوجيا إن كانت دينية أو حزبية أوعرقية أو غير ذلك، قادرة على أن تكون الرافعة الأساسية في إدارة حكمه. واستناداً إلى هذه الأيديولوجية يضع آلياته للحكم التي تصبح ناجزة لا يمكن مراجعتها، واعتبار أي طلب أو محاولة لمراجعتها مساساً بأصول الأيديولوجية الحاملة لها، وإمعاناً في ضمان تسليم الجماهير قيادها لهذا الفكر الذي يختصر نفسه وجماهيره في النهاية بفرد أو جماعة أو حزب لا بد من وجود خطر كبير يهدد الأمة أو العرق أو الدين أو غير ذلك من الإيديولوجيات، أو رفع شعارات وأهداف عظيمة تخدم البشرية جمعاء. وهكذا تضمن هذه الأنظمة أو الأحزاب أو الحركات الولاء المطلق من مكوناتها، وتسقط بالمقابل أي أولويات أو حقوق أو ضرورات أخرى مهما كانت درجة أهميتها، وبالتالي تحتكر هذه الأنظمة المسؤولة الكاملة عن جميع تفاصيل الحياة اليومية والمستقبلية لكل من يرزح تحت رايتها، عبر الاضطلاع بكل نواحي الحياة السياسية والفكرية والاقتصادية والدينية والعلمية والثقافية وغيرها، بما فيها الحياة الشخصية لأفراد المجتمع كافة. وتترجم هذا الاضطلاع عبر رقابة ومتابعة كاملة تصل حد الهوس بضرورة الضبط والتنظيم والتحكم والاطلاع وكل ما من شأنه أن يكرس الاحتكار بذريعة المسؤولية الكاملة تجاه الفرد والمجتمع والدولة التي يرفعها هذا الفكر شعاراً. ويخص نفسه بحق الاختيار والقدرة على اتخاذ القرارات الصائبة والصحيحة، ما يجعل هذه الأنظمة في سبيل إثبات ذلك واستناداً إلى الاعتقادات والمسلمات الايديولوجية التي تصبح بالنسبة إليها معياراً وحيداً تحكم على أساسه وتفرضه بالإكراه على أرض الواقع، يجعلها تخرج عن السياق الصحيح في التعامل مع القضايا التي قد تُطرح وتخلق الإشكاليات، لتصبح حينها أقرب إلى استخدام القوة والعنف إلى درجة تصل بها حد الاستبداد، ورفض الآخر إن كان فكراً أو كياناً، والعمل على إقصائه ومحاربته بكل الوسائل والأشكال.
التجارب المتلاحقة لهذا الفكر استندت في عدد منها إلى حوامل حزبية، ولم تعتمد في تعاطيها مع قضاياها على الجانب الديني، رغم أنها لم تلغه، لذلك كانت أكثر مرونة في التعامل وأكثر تنوعاً في الاستقطاب، وبنت آليات حكمها على كمّ كبير من نقاط الإجماع للشعب تحت شعار المصالح الوطنية والقومية العليا، والتصدي للأطماع والمؤامرات الكبيرة التي تستهدف الوطن والمواقف. أما التجارب الأخرى لهذا الفكر فقد استندت إلى حوامل دينية تلاقت في نقاط كثيرة مع مشروع الإسلام السياسي الذي شكل العمود الفقري لكثير من الأنظمة الشمولية في المنطقة. هذه التجارب كانت أكثر انغلاقاً وتقوقعاً على الذات، وأكثر تشدداً في التعاطي مع قضاياها، وخسرت من خلال رفضها المستند إلى الفتاوى والتشريع الشرائح الأخرى المكونة للمجتمع الذي تسعى إلى حكمه، فكانت آليات حكمها مبنية في غالبيتها على نقاط اختلاف مع الآخر الذي صنفته على أسس دينية أو مذهبية، ما جعلها أكثر حاجةً إلى القوة والعنف لبسط سيطرتها وهيمنتها على مفاصل الحكم. هذه التجارب جميعها أنتجت نماذج أوغلت في فرض هيمنتها على البشر وأفكارهم ومعتقداتهم، ومارست أشكالاً مختلفة من العنف والقسر لفرض لما تراه صحيحاً، وجعلت من الاحتكار منهجاً لسياستها، والإقصاء والإلغاء سلاحها الوحيد في مقارعة أية أفكار أو أيديولوجيات أخرى، واستخدمت في سبيل ذلك وسائل وأساليب تقوض في حقيقتها كل ما يدعي هذا الفكر من أهداف سامية وغايات كبيرة، لتصل إلى واقع فرضه الفكر الشمولي على مجتمعاته، وحبس نفسه داخله ليصبح عاجزاً عن الخروج منه. وليصبح جل ما يفعله هو السعي للثبات في الحكم في وجه القوة النابذة التي خلقتها ممارساته وآليات تثبيت حكمه، وأساليب ووسائل أجهزته في التعامل مع كل ما من شأنه أن يشكل من وجهة نظره أي تهديد أو خطر عليه، ليختصر هذا الفكر كل هذه السنين والتجارب والنماذج التي أفرزها في صورة اللاهث خلف الحكم بذرائع عظيمة، وليمتطي كلمة حق يراد بها باطل.
* إعلامي سوري