مع إعلان حزب البعث، إثر انقلابه عام 1963، تأميم جميع وسائل الإنتاج الخاصة لتغدو ملكاً للدولة، حزمت البورجوازية الوطنية آنذاك حقائبها وثرواتها المقدرة بنحو 800 مليون ليرة وتوجهت للعمل والاستثمار في دول عربية وأجنبية كثيرة، لا تزال بصماتها موجودة فيها إلى يومنا هذا.

وإذا كانت التحولات والتطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال العقود التالية لانقلاب البعث قد مهدت الطريق لنشوء طبقة رأسمالية بورجوازية جديدة، فإن جزءاً كبيراً من الفضل في ذلك يعود إلى مكون الفساد الذي استشرى في بنية الدولة وثنايا المجتمع، بدءاً من منتصف الثمانينيات في القرن الماضي، متحالفاً مع بعض مراكز القرار في الدولة والسلطة.

اليوم، بعد عامين ونصف عام على الأزمة الحالية وتداعياتها السلبية على الداخل السوري، يمكن القول إن السيناريو السابق يكرر نفسه مع بعض التباينات في الأسباب والظروف والنتائج. ففي الوقت الذي كانت فيه يوميات الأزمة تسجل دخول مزيد من السوريين دائرة الفقر بحديه الأدنى والأعلى وخروج كثير من المستثمرين بأموالهم وشهرة منشآتهم من البلاد والاستقرار في دول مجاورة وإقليمية، كانت بالمقابل تبشر بولادة أسماء جديدة ومغمورة في عالم الثراء والغنى المفاجئ من جهة، وتزيد من ثروات الكثيرين ممن أتقنوا تطبيق سياسة «كيف تؤكل الكتف» من جهة ثانية.

الفقر: أرقام مخيفة

أدى فقدان آلاف العائلات السورية لمصدر رزقها الخاص وممتلكاتها، وارتفاع معدلي البطالة والتضخم لمستويات قياسية غير مسبوقة قدّرت لغاية شهر نيسان الماضي بنحو 48% للأول، وما بين 112 - 300% للثاني، إلى زيادة انتشار مساحة الفقر أفقياً وعمودياً في المجتمع السوري، بنسب تتباين الدراسات غير الرسمية في تقديرها، بين المركز السوري لبحوث السياسات الذي يؤكد أن هناك 6.7 ملايين مواطن سوري دخلوا دائرة الفقر لغاية الربع الأول من العام الحالي بينهم 3.1 ملايين صنفوا في دائرة الفقر الشديد، وبين الأمم المتحدة التي أعلنت أخيراً (عبر الاسكوا) أنّ عدد السوريين اليوم ممن هم دون خط الفقر الأعلى يصل إلى 18 مليون شخص بنسبة تصل إلى 78% من إجمالي عدد السكان، منهم 8 ملايين تحت خط الفقر الأدنى، مشكلين بذلك نسبة خطيرة تقدر بنحو 34% من إجمالي عدد السكان في سوريا.
وأياً تكن التقديرات الصحيحة، فإن توسع مظلة الفقر لم يعد مرتبطاً فقط باستمرار الأزمة والأعمال القتالية، بل بالواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد الذي أفرزته الأحداث خلال الأشهر الماضية، والذي يبدو أنه سيظل مؤثراً لفترة زمنية ليست بالقصيرة حتى وإن انتهت الأزمة، وهذا الواقع تتبدى مظاهره بعدة حقائق من أبرزها:
ـــ المتغيرات الديموغرافية الهائلة التي تشكلت مع نزوح ما يزيد على خمسة ملايين شخص عن منازلهم ومدنهم إلى مناطق داخلية أكثر أماناً، وما تحمله تلك المتغيرات من انعكاسات سلبية خطيرة تطاول أنماط السلوك والعادات والأعمال، ولا سيّما أن كثيراً من السوريين مضى على نزوحهم ما يقرب من عامين، وليس هناك ما يشير إلى عودتهم قريباً في ظل التوقعات الإحصائية التي تتحدث عن تضرر أو تدمير ما يصل إلى مليون منزل.
ـــ اضطرار آلاف السوريين إلى النزوح لدول الجوار وإقامتهم فيها وسط ظروف إنسانية واقتصادية واجتماعية صعبة نجمت عن تراخي المجتمع الدولي في التعاطي مع احتياجاتهم الضرورية بجدية ومسؤولية، وهو للأسف أمر سيكون له تبعاته السلبية على المدى البعيد، سواء عاد هؤلاء قريباً إلى ديارهم ومنازلهم، أو تأخروا إلى حين انتهاء الأزمة.
ـــ التراجع الحاد في مستويات الدخل الفردي نتيجة توقف عجلة الإنتاج المحلية وتضرر المنشآت الاقتصادية والخدمية على اختلاف مستوياتها وملكيتها، وصعوبة استعادة الاقتصاد السوري لنشاطه السابق إلا بعد مضي عدة سنوات على انتهاء الأزمة لا تقل مدتها عند أشد المتفائلين عن خمس إلى عشر سنوات، وهو ما يعني استمرار معدل الفقر في الارتفاع، ولو بنسب أقل من السابق، ومحافظته على وضعه الراهن عند بدء تحسن النشاط الاقتصادي العام.
ـــ اندثار الطبقة الوسطى تماماً، فالشريحة الأكبر من هذه الطبقة انزلقت نحو الأسفل لتنضم إلى دائرة الفقر بفعل فقدان أفرادها لأعمالهم وتآكل أو خسارة مدخراتهم المالية، فيما استغلت شريحة قليلة من الطبقة الوسطى الأوضاع الحالية لتحسين مردودها المادي وأنشطتها الاقتصادية وتنتقل إلى مصاف الطبقة الغنية.
ـــ الأضرار الكبيرة والطويلة الأمد التي سببتها الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية العشوائية المتخذة خلال سنوات الأزمة، من قبيل طرق معالجة عجز الموازنة وهدر الثروات الاقتصادية والتستر على الفساد الكبير والاكتفاء بملاحقة جوانب صغيرة ومحدودة من الفساد الصغير المستشري في مؤسسات الدولة... وغيرها.
لذلك، إن الاقتصاديين السوريين يؤمنون بأن مرحلة ما بعد الأزمة ستكون الأصعب بالنظر إلى حجم التحديات والأعمال المطلوب تنفيذها لترميم ما أصاب المجتمع السوري من أضرار جسيمة، بعضها قد يحتاج إلى سنوات كثيرة لإصلاحها ومعالجتها، فضياع ما يقرب من ثلاثة عقود من التنمية - كما يؤكد المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع منظمة الأونرا - لا يعني أنه يمكن استرجاعها في ثلاثة عقود أيضاً!

مصائب قوم... فوائد

على المقلب الآخر، كانت نقمة الأزمة ومآسيها تتحول إلى مصدر لـ«النعمة» ومزيد من الثروة لدى الكثيرين، سواء بشكل مشروع أو غير مشروع، ممن تعاونوا مع الدولة والحكومة السورية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية أو عملوا وتحركوا باسم «الثورة»، ولا سيما في المناطق التي تسيطر عليها مجموعات المعارضة المسلحة باختلاف تسمياتها وأهدافها ومبادئها. فتوسع رقعة الحيز الجغرافي للأعمال القتالية، بدءاً من النصف الثاني للعام الماضي، وما رافقه من استهداف ممنهج للقطاعات الاقتصادية والخدمية قدرت أضراره رسمياً بما يزيد على 17 مليار دولار، فضلاً عن توقف شبه تام لعجلة الإنتاج المحلي، كل ذلك دفع البلاد إلى الاعتماد على الاستيراد لتأمين احتياجات السكان الضرورية، وهذا كان معناه بطبيعة الحال التالي:
ـــ ارتفاع قيمة المشتريات والصفقات الحكومية بشكل كبير، وما يشكله ذلك من حدوث حالات تلاعب وسرقات بفعل التحالف القائم بين بعض التجار والمستوردين وبين شخصيات حكومية فاسدة سخرت سلطتها ومهامها لخدمة مصالحها الشخصية والمادية. وتكفي الإشارة هنا إلى أن بيانات المصرف التجاري السوري تؤكد أن قيمة القروض التي منحها المصرف لمؤسسات حكومية عامة لتمويل مستورداتها بلغت خلال عام واحد فقط نحو 119 مليار ليرة، وإذا افترضنا أن جميع هذه الصفقات حصلت بعيداً عن أي شبهة فساد وبشكل قانوني فإن أرباح المستوردين منها لا تقل عن 20 مليار ليرة فقط!
ـــ زيادة حجم أعمال التجار والمستوردين الرئيسين أو من يسمون «أمراء الاستيراد»، واستغلال بعضهم ضعف مؤسسات الدولة المعنية أو غض الحكومة الطرف عنهم للتلاعب بمواصفات وأسعار السلع المستوردة والتحكم بتدفقها إلى السوق المحلية واحتكارها بما يخدم زيادة أرباحهم. وهذا ما خلص إليه مصرف سورية المركزي أخيراً عندما أكد أن العديد من المستوردين الذين استفادوا من تمويل المصرف لمستورداتهم بالسعر الرسمي للدولار قاموا بتسعير منتجاتهم عند طرحها في الأسواق المحلية بأسعار مضاعفة.
ـــ دخول شريحة جديدة من الأشخاص ميدان التجارة والاستيراد ولمعانهم خلال فترة قصيرة جداً؛ إذ يتداول الشارع السوري حالياً أسماء شخصيات ترتبط بعلاقات قرابة مع مسؤولين حكوميين أو مقربة منهم، وتعتبر هذه الشخصيات اليوم من أهم التجار المستوردين للسلع والمواد الغذائية وغير الغذائية.
وفيما كان مواطنون عاديون يكسبون شهرياً بضعة آلاف من الليرات جراء حصولهم شهرياً على ألف دولار ولاحقاً على خمسمئة دولار من مؤسسات الصرافة النظامية بالسعر الرسمي ومن ثم يبيعونها في السوق السوداء، كان تجار هذه السوق يجمعون ثروات هائلة جراء عمليات المضاربة التي يديرونها ضد الليرة وإشرافهم على تهريب أموال عدد من السوريين إلى الخارج، ويقدر مصرفي سوري قيمة المبالغ التي صرفها المصرف المركزي على قراره بيع المواطنين سنوياً مبلغ 10 آلاف دولار للأغراض غير التجارية بنحو مليار دولار، ذهب معظمها إلى خزائن المضاربين في السوق السوداء. وهو مبلغ يتقاطع مع أعلنه أخيراً وزير الاقتصاد السابق الدكتور نضال الشعار من أن الحكومة كانت قد خصصت نحو 700 مليون دولار لتثبيت سعر صرف الليرة خلال عام 2013.
ويوضح مصدر مصرفي بارز أنّ المصرف المركزي بتشجيعه قبل الأزمة سياسة الاستهلاك سبب انهيار أرقام القطع الأجنبي في الجهاز المصرفي بنحو 400 مليار ليرة (8 مليارات دولار على أساس سعر صرف قدره 50 ليرة) وبدلاً من النظر ملياً في الكوارث التي تلي مثل هذه الوقائع استمر المركزي في تشجيع منظومة الاستهلاك وترافق ذلك بموضوعين أساسيين:
ــ سياسات إقراض توسعية من مختلف المصارف (والخاصة منها تحديداً) بما لا يقل عن مئات المليارات، والغريب أن السياسة النقدية أو الضريبية لم توضح طوال تلك الفترة أولوياتها، فكان الفلتان الاقتصادي سيد الموقف.
ـــ إصرار المصرف المركزي (رغم غياب الإمكانات) على أنه قادر على التحكم بسوق القطع، فزاد من طيف المواد الممولة بالقطع الأجنبي، وزاد النزف مع قرارات إلغاء تعهد التصدير وفك ارتباط الاستيراد بالتصدير، وغيرها من الإجراءات التي أتاحت للمواطن السوري أن يشتري 10 آلاف دولار، ولو لم يكن بحاجة إليها.
ويضيف المصرفي الذي فضّل عدم ذكر اسمه: بالعودة إلى سنوات الأزمة الحالية، يمكننا أن نتوقع المزيد من النزف في احتياطي القطع الأجنبي، فقد سببت تلك السياسات تسميناً غير مسبوق لحيتان المال ذوي العلاقات والنفوذ الذين استفادوا من كل جوانب الأزمة، وبغض النظر عن الصفقات المعتادة وكواليسها في ظل نسب تضخم غير مسبوقة وفي ظل حجج مرتبطة بالعقوبات والحصار، ما جعل الأرقام مضاعفة في الآونة الأخيرة، ولا بد لنا من التذكير هنا بأن الأجواء التضخمية تجعل التحوط عبر العملة الأجنبية (وعلى رأسها الدولار) من أهم الأنشطة، ويكون التحوط أكبر بالنسبة إلى هذه الشريحة عندما يكون على حساب الآخرين، فهم اللاعبون الحقيقيون في سوق القطع، وهم الذين يعلمون (لكونهم المستشارين واللاعبين بشكل مباشر أو غير مباشر في مزادات المركزي) كيف ومتى يجب التدخل في السوق، وعندما نعلم أن التقلبات في الأسبوع الواحد كانت تراوح بين 10-30% أحياناً يمكننا أن نتخيل التضخم الهائل في ثرواتهم.

في كنف «الثورة»

وكما هو حال جميع الحروب، ثمة أنشطة كثيرة غير مشروعة تزدهر مع توسع دائرة المعارك والقتل، تبدأ بعمليات السرقة والنهب للممتلكات العامة والخاصة ولا تقف عند عمليات التهريب والمتاجرة بالأرواح والعباد والخطف طلباً للفدية.
في سوريا لم يكن الوضع ليشذ عن ذلك، لا بل إنه شكل حالة متقدمة على ما سبقه من نزاعات وحروب داخلية. فقد استغل كثيرون ممن حملوا السلاح في مواجهة النظام سيطرتهم على بعض المناطق لسرقة ونهب المنشآت العامة والخاصة والمنازل والمحال التجارية وتكوين ثروات تباين حجمها تبعاً لطبيعة المسروقات وقدرتهم على تسويقها. ولعل ما جناه بعض قادة المجموعات المسلحة من مبالغ ضخمة جراء عمليات سرقة وتهريب معامل ومنشآت حلب الصناعية (قدر قيمتها رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية بما لا يقل عن 200 مليار ليرة) وسرقة النفط من بعض الآبار في المنطقة الشرقية وبيعه في تركيا (تقدر مؤسسة النفط الحكومية قيمته بنحو 1.1 مليار دولار حتى الآن) يكشف حجم ما يمكن أن نسميه «اقتصاديات السرقة والنهب» في سورية خلال العامين السابقين، وحتى أعمال السرقة التي تعرضت لها منازل النازحين والمهجرين وممتلكاتهم، فهي وإن كانت ضئيلة القيمة بحوادثها الفردية، إلا أنها بالمجمل تشكل رقماً مخيفاً بالنظر إلى عدد المنازل التي اضطر أصحابها إلى تركها وعدم تمكنهم من نقل محتوياتها من الأثاث والأدوات المنزلية.
ومع تراجع سلطة الدولة على المناطق الحدودية خلال الأشهر السابقة نشطت بشكل واسع وكبير عمليات التهريب من سوريا وإلىها، فإلى جانب السلاح والأموال والمواد الغذائية واللوجستية، التي تجد طريقها عبر سماسرة محليين وإقليميين إلى جماعات المعارضة المسلحة وتتباين التقديرات حول حجم هذه الظاهرة لكن قيمتها بمليارات الدولارات تبعاً لتقديرات إقليمية وغربية، عادت عمليات تهريب المواد المخدرة والعملات المزورة لتحتل واجهة التجارة غير المشروعة على الحدود، وخاصة مع تركيا ولبنان، ويتبدى حجم هذه التجارة من خلال التقديرات الرسمية التي أشارت إلى إدخال بعض الجهات الإقليمية ما لا يقل عن مليار دولار مزيفة إلى الشمال السوري لضرب سوق القطع الأجنبي في البلاد إضافة إلى حديث رئيس محكمة الجنايات الأولى بدمشق عن أن 20% من الدعاوى المنظورة أمامه تتعلق بتجارة المخدرات وتعاطيها و10% لدعاوى سرقة السيارات وتزييف العملة، فكيف سيكون الحال إذاً في المناطق المشهورة بأنها إحدى نوافذ تهريب السلع والمواد وتغيب عنها اليوم سلطة الدولة ويتحكم بمعابرها الحدودية مجموعة من المطلوبين والمهربين واللصوص!
* اعلامي سوري