وأخيراً تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بفضل صمودها وثباتها على التمسك بحقوقها واستقلالها، من تحقيق انتصار تاريخي، هو الثاني بعد انتصار ثورتها عام 1979 على نظام الشاه التابع للولايات المتحدة. وتمثل هذا الانتصار في انتزاع إقرار واعتراف الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بحق إيران بإنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية على أراضيها وبقدراتها الذاتية، عبر مواصلة تخصيب اليورانيوم في منشآتها النووية كافة بنسبة 5%، واستمرار المحافظة على منشأة «أراك» للماء الثقيل، مقابل تجميد التخصيب بنسبة عشرين في المئة، وموافقة الغرب على رفع تدريجي للعقوبات المفروضة على إيران، بدءاً بإلغاء الحظر على استيراد النفط الإيراني، ورفع القيود عن الودائع المصرفية الإيرانية المجمدة في الخارج، والأموال المحجوزة في أميركا منذ انتصار الثورة، وعن تجارة المعادن النفيسة والبترو كيماويات، وقطع غيار الطائرات المدنية.

وإذا كان الغرب قد حاول إظهار كأنه حقق انجازاً بضمان عدم امتلاك إيران السلاح نووي، إلا أن ذلك لم يكن مدرجاً أصلاً في خطط إيران واستراتيجيها النووية، فالمعركة مع الغرب كانت في أساسها وجوهرها مركزة على حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي، والغرب كان يريد تفكيك هذا البرنامج، لانه لا يريد نشوء دولة إقليمية قوية غير تابعة له، تتمتع بالقدرة النووية، وتملك نموذجاً تنموياً مستقلاً، في قلب منطقة حيوية بالنسبة إلى مصالحه، حيث يتوافر اكبر احتياطي للنفط في العالم، والكيان الصهيوني الذي يعد حماية أمنه من أولويات أميركا وحلفائها.
والأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي: ما نتائج هذا الاتفاق؟ وما انعكاساته على الغرب والكيان الصهيوني، والدول العربية المرتبطة بأميركا، وعلى الأزمة السورية، والصراع العربي الصهيوني؟
أولاً: في النتائج
1ـ يمثل الاتفاق النووي انتصاراً إيرانياً تاريخياً، واعترافاً دولياً بإيران دولة نووية مستقلة، وسقوطاً مدوياً لسياسة العقوبات والضغوط الغربية التي حاولت حرمانها حق امتلاك القدرة الذاتية على إنتاج الطاقة النووية السلمية وتطوير أبحاثها العلمية.
2ـ نجاح إيران، بفضل صمودها ونضالها الطويل في تحمل الضغوط، من الثبات على موقفها وتحقيق هذا النصر الجديد الذي يمكنها من الاستمرار في سلوك نهج التنمية المستقلة والتطور العلمي والتقني الذي يضعها في مصافي الدول المتطورة الكبرى في العالم.
3ـ الاعتراف الغربي بإيران دولة نووية والتسليم بمصالحها، يعني تسليم الغرب بالهزيمة في مواجهة إيران، بعدما أدرك أن استخدام القوة لضرب برنامجها النووي غير ممكن لأنه مكلف جداً له، وستكون له تداعيات خطيرة على مصالحه في المنطقة، ولا سيما النفط، وأمن إسرائيل، فيما فشل الحصار الاقتصادي في تطويع الموقف الإيراني، وبات الزمن لا يعمل لمصلحة أميركا التي أصبحت مضطرة، انطلاقاً من نهجها البراغماتي، إلى الاعتراف بالفشل والتسليم بما كانت ترفضه وتعمل على حرمان إيران إياه.
4ـ الاعتراف بإيران قوة إقليمية كبرى يعني تسليم أميركا بانتهاء زمن هيمنتها على العالم، وبالتالي تكريس ولادة توازن دولي وإقليمي جديد تحكمه المصالح، مما يضع حداً لنهج الحروب العدوانية الاستعمارية المباشرة، وتراجع النفوذ الأميركي الغربي في المنطقة.
ثانياً: انعكاسات الاتفاق
سيكون للاتفاق انعكاسات مباشرة وسريعة على موازين القوى في المنطقة، فانتصار إيران يمثل انتصاراً للدول الساعية إلى انتهاج خط التنمية المستقلة بعيداً عن التبعية للغرب، كما يمثل انتصاراً لحلف المقاومة المتمثل في إيران وسوريا والمقاومة في لبنان وفلسطين، ولكل قوى التحرر في المنطقة. ويخلق بيئة جديدة لمصلحة هذا الحلف ستكون له انعكاسات ايجابية على الأزمة السورية، ويعطي دفعاً قوياً باتجاه عقد «جنيف 2»، ويعزز من دور إيران في المؤتمر، في المقابل ستكون له انعكاسات سلبية على الكيان الصهيوني، الذي اقر قادته بتعرضهم لهزيمة قاسية، نتيجة فشلهم في منع إيران من انتزاع مثل هذا الانتصار الكبير، الذي وصفه وزير الخارجية ليبرمان بأنه أكبر نصر دبلوماسي تحققه إيران منذ انتصار ثورتها الإسلامية، ويجعل إسرائيل أمام وضع جديد.
كما أن رفع العقوبات سيعطي دفعاً قوياً لاقتصاد إيران، ويزيد من نهوضها وتطورها، وسيقود إلى تعزيز قوة حلف المقاومة، وينعكس ايجاباً على القضية الفلسطينية والمقاومة ضد الكيان الصهيوني، الذي يجد نفسه أمام موازين قوى جديدة تتمثل في تعاظم قوة حلف المقاومة، ونشوء توازن دولي جديد ليس في مصلحة سياساتها العدوانية والتوسعية، التي ازدادت شراسة في زمن الهيمنة الأحادية الاميركية، الذي أفل.
ثالثاً: الاتفاق سيؤدي إلى انعكاسات مباشرة على الاصطفافات في المنطقة، فالانفتاح الغربي على إيران وعودة العلاقات معها، وانتهاء زمن العقوبات سوف يدفع الدول العربية المتحالفة مع واشنطن إلى الحذو حذو الغرب في الانفتاح على إيران، وهو ما اشار إليه مواقف الدول الخليجية المرحبة بالاتفاق تباعاً، وكان آخرها السعودية التي وجدت نفسها مضطرة إلى الترحيب لتجنب الوقوع في العزلة، ما يعني انفراجاً في العلاقات العربية الإيرانية من ناحية، وانهياراً لأحلام إسرائيل بإنشاء حلف عربي إسرائيلي ضد إيران يبعد العرب عن قضية فلسطين من ناحية ثانية.
ومثل هذا التطور سيقود أيضاً إلى تراجع الحملة الإعلامية التي تشن ضد إيران وحزب الله تحت عنوان مذهبي، لأن الانفتاح على إيران لا يمكن أن ينسجم مع استمرار هذه الحملة، فهو يتطلب مواكبة بسياسة جديدة تتوافق مع مسار تطبيع العلاقات مع إيران، والحديث عن ايجابياتها، وهذا سيؤدي بالضرورة إلى انعكاسات ايجابية على لبنان ستترجم بتراجع حدة الصراع والاتجاه نحو تحقيق التسوية، وتأليف الحكومة استناداً إلى موازين القوى القائمة، لأنّ قوى 14 شباط لا يمكنها السير عكس التوجه الأميركي، وستكون مجبرة على إحداث تغيير تدريجي في لغتها وخطابها السياسي، وبالتالي التخلي عن شروطها التعجيزية لتأليف الحكومة.
* كاتب لبناني