أطلق مصرف لبنان ورقةً نقديةً جديدةً من فئة الـ 50 ألف ليرة لمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، ما لبثت أن أثارت زوبعةً من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.

ملأ مصممو الغرافيك الإنترنت بالتعليقات الغاضبة، فيما أعرب المدراء الإبداعيون في أكبر شركات الإعلانات عن صدمتهم، ووضع طلاب التصميم أنفسهم في حالة تأهب للمواجهة. فلماذا كلّ هذه الضجة؟

في المرحلة الأولى، بدا أن الانتقادات تناولت الجانب الجمالي من الورقة النقدية. فبالإضافة إلى ازدحامها بخريطة وأرزة وغيرها من الرسومات، يظهر عليها علم لبناني ملتوٍ، أريد له أن يبدو على شكل كلمة «لبنان» من دون أن ينجح في ذلك، إلى جانب بقعة بيضاء فوق منزل تراثي، ربما هي غيمة أو علامة مائية خاصة بالورقة النقدية. ولكن فلنكن منطقيين، أليس هذا المزيج القبيح من الأشكال غير المتناسقة أدق تجسيد للمشهد المُدني في لبنان؟
ثمّ تأتي أخطاء القواعد والأخطاء الإملائية في اللغتين العربية والفرنسية. ففي العربية، كتبت الفتحة على الحرف الخطأ، فكانت كلمة «مصَرف» بدل «مَصرف». وبالفرنسية، كتبت كلمة استقلال، بالمزج بين الفرنسية والإنكليزية لتصبح indépendence بدل indépendance. وأيضاً استخدمت الفاصلة في كتابة الرقم 50,000 كما في الإنكليزية.
هل هذه فضيحة كبرى تظهر عدم الأهلية وغياب الدقة لدى فريق كامل من العاملين غير القادرين على مراجعة بضع كلمات على ورقة ستنسخ بالآلاف؟ أم ما جرى يعكس تماماً أزمة الهوية التي تشهدها أمتنا التي باتت عاجزةً عن التمييز بين اللغات الثلاث التي يخلط بينها اللبنانيون على شاشات التلفزيون وفي المدارس والجامعات، وأيضاً في أدوات التواصل الرسمية والتجارية؟
وبالطبع لا بدّ من الإشارة هنا إلى مفارقة أن يحتفل اللبنانيون بعيد استقلالهم (عن فرنسا الاستعمارية) باللغة الفرنسية!
ولإضافة عدد أكبر من اللغات، كان من المضحك محاولة استخدام لغة برايل (بطريقة خاطئة وفق أبحاثي)، فكانت الأحرف مطبوعةً (بدل أن تكون نافرةً)، ما جعلها بلا أي فائدة. على أي حال، ما حاجة شخص أعمى إلى ورقة من فئة الـ 50 ألف ليرة إن كان عاجزاً عن قراءة أي ورقة نقدية أخرى.
إن الأمر سخيف بقدر تخصيص منحدرات للمعوّقين في الإدارات الرسمية تقودهم بعدها إلى سلالم. فهذه المبادرة المراعية للآخرين تعكس تماماً اهتمامنا المنافق بصورتنا كدولة تضمّ الجميع، بغضّ النظر عن مدى تماسك تلك الصورة ومدى صحتها.
على مستوى الصورة أيضاً، عجيب انتقاء منزل لبناني تراثي كرمز وطني في ظلّ الهجمة الوحشية على البيوت القديمة التي تدمّر لصالح بناء أبراج عالية. فعدا عن التصريحات الحنونة، لم يقم القيّمون بأي محاولة جدية من أجل حماية التراث الهندسي في البلاد (فما قولك بالسعي الى كبح الاستطباق وارتفاع أسعار الإيجارات) إلا ربما ما قاموا به في هذه الورقة النقدية، وجه أمّتنا العظيمة.
يبدو أن المنزل التراثي هنا يتلاءم تماماً مع صورة الآثار العتيقة الجميلة التي تنتمي إلى سنوات مضت، مثل هياكل بعلبك على ورقة الليرة الواحدة القديمة.
وأخيراً وليس آخراً، ربما الأمر الأساسي الذي يتعيّن على مصمم أي ورقة نقدية أن يقلق بشأنه، هو مدى وضوح قيمتها، فلماذا كُتب رقم «70» بأحرف كبيرة على ورقة من فئة الـ 50 ألف ليرة؟ فنعتقد للحظة مجيدة أننا نمتلك أموالاً أكثر ممّا نفعل في الواقع، ولكن لمَ لا؟ فمع التضخم المستمر، يبدو هذا الأمر منطقياً تماماً.
إن أكثر ما يثير القلق في هذه الورقة النقدية هو الصورة التي تعكسها لأمّتنا. وبما أن مصممي الغرافيك دخلوا الجدل من هذا الباب، عليّ أن أطرح السؤال: لماذا الصورة وليس الأمّة بحدّ ذاتها موضع النقاش هنا؟ وما الدور الريادي الذي يمكن للتصميم أن يلعبه كأداة فعّالة في التواصل مع الجماهير والتعامل بمسؤولية وبحسّ نقدي مع القضايا الاجتماعية؟
لا بدّ لي من أن أقول هنا إنه على الرغم من أن الإعلانات والتصاميم تشوّه المشهد المدني العام بالصور المترامية في كلّ حدب وصوب، إلا أنها تعمل في إطار واسع كآلية لصنع استراتيجيات تبيعنا كريمات لبشرة شابة ونضرة وشامبو لشعر طويل أسود ولامع وشوكولا يعيدنا طعمه إلى لحظات حميمة ترتعش لها الروح، وسيارات تأتي معها النساء المثيرات وحبوب فطور تجتمع حولها العائلات السعيدة.
فحين تركز مهنة التصميم والقيّمون عليها على التجميل إلى هذا الحدّ، تبدو هذه الورقة النقدية أدق تجسيد لهذه الأمّة المزعومة. فهي تحفل بمجموعة من التناقضات في آن واحد، بما فيها الفساد الذي بات يعمّ قطاعنا العام (حيث إن تصميماً كهذا مستحيل أن يكون قد فاز بأي مناقصة عامة).
ورقة نقدية لا تستخدمها أقلية ولا أكثرية، لا تصلح للقراءة في أي لغة وتتناقض تماماً مع أي واقع اجتماعي أو اقتصادي في البلاد، فلا حاجة لتزويرها على الإطلاق، هي تبدو كنسخة مزيفة أصلاً.
على أي حال، وبما أننا بالكاد نستطيع أن نشتري شيئاً بخمسين ألف ليرة، ما الذي علينا أن نتظاهر ضده بالتحديد أمام مصرف لبنان؟ لأنه بالفعل «مصَرّف لبنان».
* مصمّمة غرافيكية