منذ البداية، كان واضحاً أن روسيا لا تريد من تدخّلها الجوي دعم النظام فقط أو معاودة تفعيل وجوده على الجبهات المختلفة، بل وضع الأمر في سياق أوسع بالاتفاق مع الولايات المتحدة التي كانت قد باشرت قبل الروس بسنة تقريباً تدخلاً جوياً آخرَ في مواجهة "داعش". التدخّلان حصلا بالتزامن مع فقدان النظام والمعارضة التابعة للسعودية وتركيا والغرب أراضي ومساحات كبيرة لمصلحة تنظيمي "داعش" و"النصرة"، ولذلك فإن الربط بينهما كان قد حصل عملياً على الرغم من التباين الظاهري في استراتيجية كلٍّ منهما. بالنسبة إلى الروس كان المهمّ هو استعادة الأراضي التي فقدها النظام لمصلحة "داعش" و"النصرة"، وهذا لا يتعارض مع المسعى الأميركي عبر "الائتلاف الدولي" لتمكين الأكراد من طرد "داعش" من مناطقهم في الجزيرة وعين العرب باتجاه معقله الأساسي في الرقة. في الحالتين ثمّة اتفاق على "توحيد الجهود" لتوسيع رقعة الأراضي التي يسيطر عليها كلّ من النظام و"قوات سورية الديموقراطية"، وفي المقابل تقليص المساحة التي يسيطر عليها "داعش"، وهو ما يقود عملياً إلى ترسيم حدود سيطرة كلّ فصيل يتبع لهذه القوة أو تلك بانتظار حصول التسوية التي ستوضع فيها أوراق الميدان على الطاولة للبحث في "حدود الدولة" وشكل النظام السياسي الذي يقودها. في هذه الفترة كلّها لم يكن الخلاف بين الطرفين متمحوراً حول المضمون الفعلي للعمليات العسكرية بقدر ما كان حول الحدود التي يفترض بهما عدم تخطيها في أثناء الشروع بأعمال القصف. من جهة روسيا كانت الحدود تتعلّق بعدم استهداف النظام أو أيٍّ من القوات الرديفة التي تقاتل إلى جانبه، وقد التزم الأميركيون هذا الأمر، لا لأنهم عاجزون عن قصفه، بل لأنّ استهدافه في هذه المرحلة سيصبّ في مصلحة "داعش"، وسيدفعها إلى احتلال مزيدٍ من الأراضي، وهذا سيكون على حساب المعارضة التي قد تستفيد من قصف النظام على المدى القريب، ولكنها حتماً ستخسر ما كسبته لمصلحة التنظيم في وقتٍ لاحق. في المقابل، كانت الاستراتيجية الروسية تركّز على أولوية جعل النظام يتقدّم بمعزل عن حدود الاشتباك التي رُسمت مع الأميركيين، ولذلك فإنّ الاصطدام بالقوات التي تدعمها السعودية وتركيا بالاتفاق مع أميركا كان حتمياً، سواء في ريف اللاذقية الشمالي أو في جنوب حلب وشمال حماه.
هذا التعارض بين الاستراتيجيتين كان جزئياً، ولكنه أدى إلى حصول سوء فهم بالنسبة إلى المراقبين الذين عدّوا ما حصل بمثابة خلاف جذري في الرؤية، في حين أنّ الأمر لم يتعدّ المسّ "الطفيف" من جانب الروس "بقواعد الاشتباك". وعليه، بقيت الصورة أسيرةً للتهويلات التي كان يتعمّد الغرب إثارتها كلما حصل مسٌّ بإحدى المجموعات التي تتبع له أو للخليج وتركيا. كان الأميركيون يدركون حجم التعديل الذي تستطيع روسيا إحداثه في موازين القوى الميدانية (لمصلحة النظام وحلفائه)، ولأنهم ما زالوا مقيّدين باستراتيجية تحجيم داعش، فقد اقتصرت "مجابهتهم" للغارات الروسية ضدّ حلفائهم على الشقّ الإعلامي، ومن هنا كان التصعيد السياسي من جانبهم، إلى حدٍّ ما، متناسباً مع حجم الضرر الذي يحلّ بهذه القوات.

تولّى الروس بالاتفاق
مع الأميركيين إحضار النظام إلى جنيف
فحينما يحصل تدمير كامل لموقع معيّن يكون التصعيد كبيراً، وتقوم وسائل الإعلام القريبة منهم في الغرب والمنطقة بنعي العملية السياسية واعتبار ما يفعله الروس عبر غاراتهم على المعارضة تقويضاً كاملاً لها، وإن كانت الغارة (أو سلسلة الغارات) التالية ضدّ داعش، وليس المعارضة، يجري بسرعة تصويب المقاربة السياسية أو الإعلامية عبر إعادة الاعتبار إلى المعركة المشتركة ضدّ التنظيم. في الحالتين، يُستعمَل تكتيك سياسي لاستيعاب فائض القوّة الروسي، وبالتالي التعامل بدهاء وحنكة سياسية مع خروج موسكو جزئياً عن قواعد الاشتباك "المعلنة" ضد داعش. هذا الأمر لم ينسحب على الحلفاء العرب (في الخليج تحديداً) الذين انطلَت عليهم الألاعيب المشتركة الروسية الأميركية، وفي كلّ مرة كان يحصل فيها "اشتباك صُوَري" من هذا النوع يزداد تعلّق هؤلاء بنظرية "المواجهة الروسية الأميركية" على الأرض السورية. ومع هذا الازدياد يتناقص بالضرورة حجم استيعابهم للتنسيق الكبير الحاصل بين القوتين العظميين، سواء على الأرض حيث المعركة المشتركة مع "داعش"، أو على المستوى الدبلوماسي حيث يجري التنسيق على قدمٍ وساق لمعاودة تثبيت المسار السياسي عبر جرّ الجميع بعد إنهاكهم ميدانياً إلى مائدة التفاوض. هنا بالضبط يقع المحظور، ويبدأ الكلام عن الخديعة التي يتعرّض لها هذا الطرف أو ذاك من جانب حليفه الدولي، وغالباً ما يترافق هذا الكلام مع حملة على الحليف في وسائل الإعلام للضغط عليه من أجل تصحيح وضعية امتثاله للشروط الروسية مثلاً. حصل هذا الأمر أكثر من مرّة مع المعارضة التابعة للسعودية، وآخرها كان قبل جولة التفاوض الجارية في جنيف، حيث اتهم منسّق الهيئة العليا للتفاوض رياض حجاب، الأميركيين عبر شخصي رئيسهم ووزير خارجيتهم بالخضوع للشروط الروسية، ولم يجرِ التراجع عن هذه التصريحات إلا بعد اتضاح حجم التنسيق الأميركي الروسي الذي قاد جون كيري إلى الرياض للإتيان بالمعارضة إلى جنيف وإجبارها على لحس تصريحاتها المنتقدة له ولإدارته. من جهتهم، تولّى الروس بالاتفاق مع الأميركيين إحضار النظام إلى جنيف وإجباره هو الآخر على التراجع عن التصريحات التي أطلقها وليد المعلم بخصوص عدم التطرّق في أثناء التفاوض إلى "موقع الرئاسة"، حيث لم يعد الوفد السوري يتطرّق إلى هذه المسألة، ولو بالإشارة، وأصبح، خصوصاً بعد إعلان الانسحاب الروسي الجزئي من سوريا، مضطراً إلى الإذعان الكامل للتفاهمات التي أُقرت في فيينا، ولاحقاً في قرار مجلس الأمن 2254، وكلّها تضع مسألة الرئاسة في اعتبارها عند البحث في المرحلة الانتقالية. في الحالتين ثمّة رغبة مشتركة روسية أميركية في تثبيت الخطوط التي أفضى إليها المشهد الميداني ونَقلِها إلى الحيّز السياسي الذي أوجدته المفاوضات، بحيث لا يمكن تخطّيها أو التراجع عنها تحت أيّ ظرف، ومن يجرّب من الأطراف التابعين لهذه الجهة أو تلك التراجع أو الخروج عن الخطوط المرسومة يجري توبيخه فوراً وإفهامه أنّ الأفق الوحيد الممكن لمحاولته هو الخروج من العملية السياسية، وبالتالي انتهاء أيّ دور له في "مستقبل سوريا". وربطاً بالميدان، فإنّ ذلك الخروج يعني ـ خصوصاً بالنسبة إلى فصائل المعارضة المسلّحة التابعة للسعودية وتركيا ـ شموله بالعمليات التي يقودها الطرفان الراعيان ضدّ المجموعات المصنّفة إرهابية وغير المشمولة بالتسوية السياسية. لحدّ الآن، لا يزال الاتفاق جارياً على اعتبار "داعش" و"النصرة" الوحيدتين القابعتين خارج التوافق الروسي الأميركي على الحلّ، ولكن إذا انضمّت إليهما قوىً أخرى تعتبر نفسها في حلٍّ من الهدنة وتجميد الأعمال القتالية، فسيجري تحريك خطوط الاشتباك مجدداً، ومعاودة رسمها من جديد في ضوء الخطط الروسية الأميركية التي يجري تحديثها باستمرار عبر التنسيق بين مركزي مراقبة الهدنة في حميميم والأردن.
في أماكن أخرى من العالم لا يكون التنسيق الروسي الأميركي على هذا القدر من الوضوح و"المتانة"، وغالباً ما يكون العكس هو الصحيح، حيث التصعيد هو الأساس، ولكن في سوريا وبسبب طبيعة الاشتباك وبنيته المعقّدة والمتداخلة، فإنّ الحصيلة التي أفضى إليها هذا التنسيق هي الأفضل على الإطلاق خلال عمر الأزمة الذي تجاوز خمس سنوات، ولذلك يجب التمسّك به وعدم السماح لأيٍّ من القوى التي تدّعي تمثيل السوريين بتجاوزه.
* كاتب سوري