لا يمكن الحديث عن مواقف الشيعة في دول الخليج العربية في إطار واحد تجاه علاقاتهم بحكومات بلدانهم، ونفوذهم السياسي والاقتصادي والعسكري، وتوجهاتهم الدينية والسياسية، وتمثيلهم في المؤسسة الرسمية. في الكويت، تسجل المؤشرات علاقة إيجابية بين عائلة الصباح الحاكمة والأقلية الشيعية، التي تقدر نسبتها بنحو 30% من المواطنين البالغ عددهم نحو 1.3 مليون نسمة. وقد انحاز المواطنون الشيعة للوضع القائم حين مضت المعارضة في مطالبة صاخبة بانتخاب حكومة شعبية بديلاً للحكومة المعينة من قبل أمير البلاد، في وضع معاكس للبحرين، حين طالبت الأغلبية الشيعية فيها بانتخاب الحكومة، ورفضت الأقلية السنية ذلك، وإن كان الوضع مختلفاً بين الكويت التي يحكمها دستور متوافق عليه، وبرلمان مُنتخب ثلثا أعضائه، ويعيش أبناؤها وضعاً اقتصادياً مريحاً، فيما ألغى حاكم البحرين دستور 1973، الذي كان نسخة طبق الأصل تقريباً من دستور الكويت، وأحال البحرين الى ديكتاتورية بديكور ليبرالي. وقد انتقلت العلاقة بين الحاكمين من آل الصباح وتيارات شيعية رئيسية من التوتر إلى التحالف بعد 2008، وذلك على خلفية الهجمة الرسمية ضد جماعات شيعية عبرت عن حزنها على مقتل القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية، الذي تتهمه السلطات الكويتية بتفجير طائرة الجابرية (1986)، وانتهى هذا الإشكال بانتقال الكويتيين الشيعة المعارضين تقليدياً للنظام إلى التحالف معه، الأمر الذي تجلى في الوقوف مع رئيس الوزراء السابق ناصر المحمد الصباح طوال خمس سنوات من الهجوم الممنهج ضده من قبل المعارضة القبلية _ الإسلامية بقيادة مسلم البراك. ثم مضى الشيعة في تحالف أكثر وضوحاً مع السلطة إبان التظاهرات التي عمّت مناطق كويتية في 2011، ولم تنته بإطاحة المحمد الصباح من رئاسة الحكومة في نوفمبر 2011.

وفي عُمان، تقدر نسبة الشيعة في حدود 5% من المواطنين البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة. وتتمتع الأقلية الشيعية بوضع مثالي لجهة علاقتهم بالسلطة وتمثيلهم في المؤسسة الرسمية. وعشية الاحتجاجات في 2011، كان واضحاً الانحياز الشيعي لخيارات السلطان قابوس بن سعيد الذي يحكم السلطنة المحافظة منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، في الوقت الذي كان فيه (شيعة عمان) يتظاهرون منددين بالعنف الخليفي غير المسبوق ضد شيعة البحرين المعارضين، كما فعل شيعة الكويت.
وفي الإمارات وقطر، حيث تقدر نسبة الشيعة فيهما بـ 15% و10% على التوالي، فإن التوجس الرسمي لم يتحول إلى تغول واضطهاد سافر ضد الأقلية الشيعية التي تعيش أوضاعاً اقتصادية واجتماعية مريحة، بيد أن عصا التضييق غير المباشر ضد المؤسسات والمناسبات الدينية الشيعية ظلت على الدوام حاضرة. أما الأقلية الشيعية في السعودية المتمركزة في مناطق إنتاج النفط في شرق شبه الجزيرة العربية، والمقدر نسبتها بحدود 15% من المواطنين، فإن احتجاجاتها المتصاعدة ضد التمييز والازدراء، ومطالبتها بالمساواة وتمثيل عادل في المؤسسة الرسمية، فيما تمضي جماعات محدودة مطالبة بالانفصال، أو حكم ذاتي واسع النطاق، على غرار الأكراد في العراق، ويرون في ذلك خياراً محقاً، ولعله أكثر قدرة على تحقيق العدالة التي ستظل بعيدة عن أقاليم المملكة ما ظلت المركزية والديكتاتورية سائدة في الرياض. إذاً، تعميم الحديث عن موقف موحد للشيعة في المنطقة يبدو تسطيحاً للحالات المتعددة في عمومها والمتباينة في بعض تفاصيلها، فالجماعات الشيعية تتحرك ضمن نطاق ما تؤمن بأنه حقها بالمواطنة، بما في ذلك شيعة السعودية الذين اختارت قياداتهم العودة إلى الداخل في 1993، لكن التقديرات الآن هي أن الطموح الذي كان يراود الشيخ حسن الصفار، أبرز الزعامات الشيعية في القطيف، والقيادات الشيعية الأخرى، والإصلاحيين من السنة وعموم الراغبين في التغيير قد تبدّد منذ زمن، وخصوصاً أن وعود الملك عبد الله الذي رفع شعارات إصلاحية قبل نحو ثلاث سنوات، لم تكن أفضل حالاً من دعوات الإصلاح التي أطلقها الملك حمد في البحرين، وإن كان الأخير تميز عن غيره بصبغة ليبرالية شكلانية، سرعان ما تعرّت ديكتاتورية متأصلة.

مبررات التحالف الشيعي الخليفي

إذاً، في ظل عدم وجود قاعدة ثابتة لتعامل الشيعة مع حكامهم غير ما تمليه عليهم قناعاتهم ومصلحة وطنهم... وفي ظل تحولات مهمة وتوازن قوى جديد تشهده الساحة الإقليمية، بما في ذلك الحديث عن استدارة أميركية نحو إيران، حيث المصالح دائمة والعلاقات متحركة، هل يمكن الحديث عن فرص لتحالف شيعي خليفي في البحرين؟
هنا لن أتحدث عن فرص التحالف مع رئيس الوزراء خليفة بن سلمان الذي هو في طور الرحيل، وإن كان عهده الآفل لم يشهد تمييزاً جائراً بائناً على النحو الذي أشاعه نهج الملك حمد، بيد أن خليفة كان قد اختار التمييز الفاعل ضد الشيعة في القطاع المالي حين مكّن السنة من التحكم الكامل بقطاع البنوك الذي بدأ ينتعش مع انطلاق رصاصات الحرب الأهلية في لبنان صيف 1975، وتواكب ذلك مع تمييز فاقع آخر خطّه الملك في المؤسسة العسكرية، التي بدأ العمل على تأسيسها بمساعدة البريطانيين منتصف الستينيات من القرن الماضي.
وأخشى بعد الذي جرى من تردّ، أن الحديث قد لا يكون منطقياً عن فرص التحالف الشيعي مع الشيخ حمد الذي شكل عهده مرحلة حاسمة في تدهور العلاقات بين الشيعة والعائلة الحاكمة من جهة، والعلاقات السنية الشيعية من جهة أخرى، على نحو لم تشهدها مراحل سابقة في العهد الحديث. ولذا، سنقارب هنا إمكانية التحالف بين ولي العهد سلمان والإسلاميين الشيعة في جمعية «الوفاق» بقيادة رجل الدين الشيخ علي سلمان، في بلد طالما نظر فيه إلى المعارضة والشيعة على أنهما وجهان لعملة واحدة. ولا يبدو ذلك دقيقاً تاريخياً، بيد أنه ولا شك يحمل الكثير من علامات الصحة في الوضع الراهن. ويقتضي اختبار الفرضية المذكورة مناقشة ما يمكن للمعارضين وعموم النخبة الشيعية من جهة، وولي العهد من جهة أخرى أن يقدماه لبعضهما البعض، في سبيل اختراق الوضع القائم على تحالف المكون السني مع العائلة الحاكمة التي تحتكر القرار الفعلي.
نقترح هنا مجموعة من العناوين لدراسة تموضع ولي العهد، بما يمكن من رسم خريطة التحالفات الماثلة، أذكرها على النحو الآتي: تموضعه في العائلة الحاكمة، موقف الموالين السنة تجاهه، موقف السعودية والعوائل الحاكمة في الخليج تجاهه، موقف الغرب وتقييمهم لبرنامجه وأدائه، وخياراته المتاحة إبان توليه منصبه ولياً للعهد من 1999 حتى 2013، وخصوصاً منذ تعيينه نائباً أول لرئيس الوزراء في مارس 2012 حتى الآن، وهي مدة تبدو كافية لرصد إمكاناته وفرص نجاح طروحاته التي توصف بأنها معتدلة.
ويبدو أني أشرت إلى بعض تموضعات الرجل في ورقة: «الصراع المكتوم: مستقبل ولاية العهد في البحرين»، وفي كتاب «بنية الاستبداد في البحرين: دراسة في توازنات النفوذ في العائلة الحاكمة»، ما يعفيني من التفصيل هنا، آملاً من القارئ العودة الى الكتابات السابقة، وبعضها منشور في هذه الصفحة.
بعض العناوين أعلاه، قد تصلح لمقاربة تموضع الشيعة، إضافة إلى عناوين أخرى مثل الثقل الديموغرافي، والنفوذ الاقتصادي، وموقف إيران، والدول الغربية، وخاصة بريطانيا وأميركا ومراكز النفوذ الشيعية في البحرين وخارجها.
الفرضية التي تقوم عليها هذه المقاربة تستند إلى عناصر ثلاثة: (1) هشاشة تموضع كل من ولي العهد والشيعة في مراكز القرار والمؤسسة العسكرية، (2) ضعف علاقة الطرفين بالسعودية، (3) الانفتاح الغربي عليهما يستند إلى فرضية وصول ولي العهد إلى السلطة، ومشاركة الوفاق فيها.

تموضع ولي العهد في منظومة الحكم

حين ندرس تموضع ولي العهد والشيعة في منظومة السلطة، قد ندرك أن كليهما في موقع ضعيف داخل منظومة الحكم. بالنسبة إلى ولي العهد، يمكن الإشارة إلى ثلاث نقاط:
1ــ وضعه الدستوري: عدا عن النيابة عن الملك في حال غيابه أو في افتتاح البرلمان، لا يمنح الدستور ولي العهد صلاحيات، إلا تلك التي يكلفه بها الملك، وهذا ما تكشفه المواد الدستورية الثلاث (1، 34، 74) ذات الصلة بولي العهد.
2ــ تاريخياً في التقاليد الخليفية، لا يمارس ولي العهد تسيير الشؤون العامة، ولا يعتبر العضد الأيمن لرأس الدولة، بل هنالك حرص بالغ على إبعاده عن محيط دائرة تحرك الحاكم العلني، وينطبق ذلك على الملك حمد حين كان ولياً للعهد، كما ينطبق على نحو واضح على ولي العهد الحالي سلمان.
3ــ في الأداء العملي، يمكن ملاحظة أربع مراحل لولي العهد: الأولى من مارس 1999 إلى صدور الدستور في 2002، والتي تتضمن رئاسته لجنة تفعيل الميثاق الفاشلة والمحبطة للإصلاحيين في البلد، والمرحلة الثانية من 2002 حتى انتفاضة 2011 وهي أكبر مرحلة خاض فيها غمار التجارب الاقتصادية غير الناجحة، والمرحلة الثالثة من فبراير 2011 إلى فبراير 2012 التي قدمته كحلقة وصل تحت الطلب، وكبير مدير العلاقات العامة للنظام، وأخيراً المرحلة الرابعة منذ تعيينه نائباً لرئيس الوزراء في مارس 2012 حتى الآن، والتي أكدت غياب تمايز برنامجه السياسي البديل، وأخطرها عليه المغامرة بخسارة الغرب، كما تجلى في زيارته الأخيرة لبريطانيا ومشاركته في اجتماع المنبر الإسلامي الاقتصادي العالمي التاسع بين 28 أكتوبر و1 نوفمبر 2013.
ومع أني سأخصص دراسة عن تلك المراحل التي مر بها ولي العهد، وخصوصاً ما أنجزه في الأشهر الثمانية الماضية منذ توليه منصبه نائباً لرئيس الوزراء في مارس 2012، فإني أسجل الملاحظتين الآتيتين:
الملاحظة الأولى: فشل برنامجه الاقتصادي وتردي أداء المؤسسات التي أنشأها، وتلك التي يشرف عليها، وانتشار الفساد فيها. وأكسبه ذلك ابتعاد الطبقة الخليفية وازدراء الفئات المالية والتجارية النافذة. كما خيّب ولي العهد آمال المعارضين، وأولئك الليبراليين من الموالين الذين يتعشمون في الحصول على حصة في كعكة المصالح المالية التي توزعها السلطة على مريديها، ويتطلعون إلى برنامج إصلاحي جاد، وإن على الطريقة الصينية، إن صح القول، حيث نجاح اقتصادي دون انفتاح سياسي.
الملاحظة الثانية: لا أريد الحديث عن فشل برنامجه السياسي، فلا أظن أن هذا البرنامج حتى هو قيد البروز، مع وجود برنامج الملك المحدد المعالم والأبعاد، لكن يمكن أن أتحدث عن نجاحه الباهر في خسارة ثقة التيار النافذ والمتشدد في السلطة، ونعني الخوالد، وكذلك نجاحه الباهر في خسارة ثقة تيار المحافظين بزعامة رئيس الوزراء، بالإضافة إلى نجاحه في خسارة ثقة الموالين السنة، وإلى تصاعد شكوك المعارضين الشيعة في قدرته على تغيير ميزان القوى داخل العائلة الحاكمة أو في المجتمع، والذين لا يجدونه بديلاً قوياً للتعلق به.

تموضع الوفاق/ الشيعة في منظومة الحكم

ذلك عن ولي العهد، أما الطرف الآخر في معادلة التحالف التي تتحدث عنها هذه الورقة، فهي المعارضة الشيعية، المستبعدة كلياً من هياكل السلطة وإدارة مصادر الثروة جميعها من دون استثناء. وفي الواقع، فإن السلطة تعتمد استراتيجية إقصائية بامتياز مع المعارضين تعتمد أسلوب معالجة المصابين بالطاعون، وإبعادهم الكامل عن دائرة التفاعل مع المجتمع وحرق ممتلكاتهم وتصفيتهم في النهاية معنوياً ومادياً. بينما تعتمد درجة أخرى من التعامل الاستبعادي حتى مع الموالين الشيعة، وتعاملهم كمصابين بالجذام يجب عزلهم من محاور التأثير الاقتصادي ومفاصل الدولة وحصارهم ومعالجتهم بالمضادات المختلفة حتى الموت البطيء. وذلك واضح للعيان، وخصوصاً بعد استقالة غالبية الوجوه الشيعية الرئيسية في مارس 2011 على خلفية الهجوم الدامي على دوار اللؤلؤة بعيد التدخل السعودي العسكري في المنامة (راجع مقالي: إعادة هيكلة النخبة الشيعية الموالية). ودونكم الإحصاءات التي نشرتها جمعية الوفاق أخيراً، حيث السلطة التنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء؛ وفيها يشكل الشيعة نسبة 15%، فمن بين 20 وزيراً سنياً (يشمل آل خليفة) هنالك 6 وزراء شيعة، ومن بين 28 وكيل وزارة هناك اثنان من الشيعة فقط، وغيابهم شبه الكامل في مجال التمثيل الدبلوماسي. أما نسبة الشيعة في الهيئات والشركات الحكومية الكبرى فتبلغ 10% فقط، مقابل 90% يسيطر عليها آل خليفة والطائفة السنية؛ وفي السلطة القضائية، هناك 28 قاضياً شيعياً بنسبة 12%، من مجموع القضاة البالغ 230 قاضياً.
كما أن الوجود الشيعي في المؤسسة العسكرية والأمنية يقترب من الصفر، فيما حضور ولي العهد في هذه المؤسسة شكلي وهشّ، كما أوضحت ذلك في مقال «علاقة المتشددين الخليفيين في الغرب» المنشور في هذه الصفحة، والذي أوضحت فيه أيضاً أن قوة المتشددين من آل خليفة في المؤسسة العسكرية والأمنية يجعل ولي العهد ورقة غير مضمونة في نظر الغرب.
إذاً، فإن ولي العهد والشيعة (1) في وضع هش داخل منظومة مفاصل الحكم ومصادر الثروة، فيما (2) تحالفاتهما مع النخبة الخليفية والتجارية والسنية هشة وغير محددة المعالم. (3) وترتكز علاقة ولي العهد بالغرب على فرضية أنه ملك محتمل، أكثر من تعبيرها عن ثقة بقدرته على تطوير قاعدة نفوذه داخلياً (4). أما علاقة الغرب بالوفاق فتقوم على نهج الاحتواء المزدوج لنفوذها ويستند على محورين، الأول فتح خطوط التواصل كنوع من الاستعداد لاحتمالات تغير الوضع بطريقة غير متوقعة ودراماتيكية (كما حدث لحسني مبارك، أو شاه إيران)، والمحور الآخر هو التأثير الأنكلوسكسوني الفعال في تشكيل أبعاد ومستويات القرار الوفاقي في إضعاف ضغطها على السلطة، وإخراج قوى إسقاط النظام من دائرة الفعل السياسي، وتحييد موقفها إزاء معادلة موازين القوى الإقليمية. أما حصيلة التواصل الدبلوماسي الجيد الذي حققته الوفاق مع الغرب، فلا يزال بحاجة إلى فعالية أكبر بمقاييس النزاع الداخلي، وهو يتحرك في حدود دائرة تبادل وجهات النظر ولم يتحول بعد إلى جدول أعمال لرسم خريطة طريق محددة للخروج بالمأزق البحريني وتعقيداته الى بر الأمان.
في ظل هذا الوضع، ما هي فرص نجاح التحالف الخليفي (ولي العهد) مع الشيعة؟ الإجابة عن ذلك في المقال المقبل.
* كاتب وصحافي بحريني ــــــ لندن