حملت إطلالة السيد حسن نصر الله الأخيرة، عبر مقابلة هامة وراقية مع الإعلامي جان عزيز، العديد من الرسائل التي تستدعي التوقف والتأمل. ومع أن تسميته للسعودية كمسؤولة عن الإرهاب، في لبنان والمنطقة، ومعطلة للحل السياسي في سوريا، شكّلت سابقة طغت على ما عداها في النقاش اللاحق، فإن نصر الله بدا، في مقاربته اللبنانية، «سيداً» للبلاد التي بدا ردّ «رئيسها»، في اليوم التالي، أقرب إلى موقف زعيم لحزب فئوي فيها، وهو يستنكر الإساءة إلى السعودية. لا شك أن قرار تحميل السعودية مسؤولية دعم الإرهاب، بما في ذلك، محاولة تفجير السفارة الإيرانية في بيروت، كان مفاجئاً للبعض بسبب فهمهم الخاص لطبيعة المناخات الجديدة في المنطقة. وهو لقي من ردود الفعل ما هو منسق ومتوقع في آن، ذلك أنّ فريق 14 آذار بات متفرغاً بشكل شبه حصري، لتبرير الإرهاب السعودي ودعمه، أملاً في الوصول إلى أهدافه في سوريا، ومن ثم لبنان. وسطحية «الفكر» الآذاري تعبر عن نفسها أحياناً بمواقف يراد لها أن تحمل نفساً عبقرياً، كمثل القول إنّ اتهام السيد نصر الله للسعودية يندرج في إطار خلافه مع سياسة الرئيس الإيراني الانفتاحية، علماً بأنها تحظى برعاية ودعم المرشد الأعلى. وليس معلوماً بعد، كيف سيستقيم ذلك مع تهمة الولاء لإيران وليس للبنان. هل تمرّد «الجندي» على الولي الفقيه مثلاً؟

لا يشذ موقف الرئيس ميشال سليمان عن هذا التموضع الآذاري، وخصوصاً أن زيارته الأخيرة لمملكة الصمت والقهر بدت، في الشكل والمضمون، إعلاناً عن الاستقرار في المحور المعادي لسوريا وحلفائها في لبنان. كل أركان السلطة اللبنانية يعرفون مدى التورط السعودي، والجديد الوحيد في هذا الموضوع هو قيام حزب الله، على لسان أمينه العام، بكشف الأمر أمام العموم. وعليه فإن موقف الرئيس سليمان من ذلك لا يمكن حصره بمجرد الحرص على العلاقة مع دولة شقيقة، حيث بدا أقرب إلى تغطية على هذا الدور السعودي الذي يساهم في تخريب الجمهورية التي يرأسها وفي تعطيل تشكيل آخر حكومة في عهده. فلماذا باح نصر الله واستنكر سليمان؟ يبدو الأمر تكثيفاً شديد الصفاء لمآلات الحرب الكونية على محور الممانعة والمقاومة. فلم يعد مقبولاً من وجهة نظر هذا المحور أن ينأى لبنان بنفسه عن تبعات التفاهم الروسي _ الأميركي وما تلاه من إحباط للعدوان الإمبريالي المباشر على سوريا، واعتراف بحق إيران بالتخصيب على أراضيها والبدء برفع العقوبات الاقتصادية عنها. ولم يعد مسموحاً، على وجه الخصوص، أن ينأى لبنان بنفسه عن التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي بات جميع المعنيين يجاهرون بكونه خلاصة للفكر الوهابي وأدواته الإجرامية. ومعنى ذلك أن تنعكس هذه التطورات في الداخل اللبناني أيضاً. إنه، بعبارة أخرى، تعبير عن الضرورة الموضوعية للقطيعة مع نظرية «الشطارة» اللبنانية والدخول في عالم السياسة الجدية، حيث المساءلة قرينة المسؤولية. ويبدو هذا شرطاً لعملية بناء الدولة نفسها، بعد عقود من سقوطها بين مخالب تجار السياسة وأمراء الحرب ومافيات النهب المنظم، في إطار التبعية الدائمة للمركز الرأسمالي وأدواته الإقليمية التي تتصدرها مملكة آل سعود. هذا هو المنطق الذي حكم مجمل كلام نصر الله، ولعلّه، لهذا السبب، استنفر أركان النظام الذي ينازع سكرات الموت. لبنان وطن «نهائي»، أعلن زعيم حزب الله الذي يصفه خصومه بأنه إيراني ويريد بناء دولة إسلامية، وهو ذكّر بأن الحزب توقف عن الدعوة إلى مؤتمر تأسيسي للبنان بعدما لحظ غياب «الإجماع» حوله. كذلك كشف أن الفريق «الآخر» هو الذي يعطل الحلول في البلاد، تلبية لرغبة سعودية أيضاً. ومع ذلك، مدّ نصر الله اليد، مجدداً، من أجل تشكيل حكومة جامعة «لأن هذا البلد لا يقوم على إلغاء أحد».لا يريد نصر الله، القائد الميداني للمحور المنتصر، أن «يلغي» الفريق اللبناني في المحور المهزوم.
تكريس هزيمة هذا المحور يجب أن ينعكس تغييراً في الخيارات الكبرى، لا في تصفية الحسابات مع من تآمر على المقاومة ولا يزال. وفي هذا السياق تحديداً، صارت المواجهة مع السعودية واجبة كضرورة لإعادة تأسيس المجال السياسي في البلاد وفق قواعد جديدة. ليس في الأمر استدعاء لفتنة صارت في صحن الدار، بل هي حرب لوأدها من خلال تحديد المسؤولين عنها، بعد ضبطهم بالجرم المشهود، تمهيداً لعزلهم إقليمياً بعد انزلاقهم إلى مشارف العزلة الدولية. ففي لحظة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم والمنطقة، لا بدّ من رؤية استراتيجية، مختلفة عما كان سائداً، تقود إلى تحقيق المصالح الفعلية للبنان واللبنانيين. والمجال الحيوي للبنان، تاريخياً، هو بلدان المشرق العربي المجاورة والمتشابهة والزاخرة بالعناصر الضرورية لتحقيق التكامل في ما بينها. كل السياسات التي عوّلت على البعيد، الفرنسي أو السعودي، لمواجهة القريب، السوري خصوصاً، قادت البلاد إلى معظم أزماتها. فكر هذه السياسات ينكشف، اليوم، مأزوماً وبائساً. عبّر خطاب الرئيس سليمان عن ذلك بصورة مثيرة للشفقة. كيف تسنّى لمستشاريه «إبداع» علاقات «تاريخية» مع السعودية؟ هل يستطيع هؤلاء أنّ يقولوا لنا إلى كم سنة تعود هذه العلاقات التاريخية؟ بل كم هو عمر هذه المملكة العائلية التي استولت على كعبة المسلمين؟ بالنسبة إلى هؤلاء، يتساوى التاريخ مع حيواتهم على ما يبدو، أو ربما مع مصالحهم. هم يصفون العلاقات مع فرنسا الاستعمارية بأنها، أيضاً، تاريخية وهو ما ينبئ عن استمرار تأثرهم بالفلسفة اللبنانية التي لا تلحظ تاريخاً للبنان إلا من زاوية تجار وإقطاع جبله، المعزول عن محيطه. وهذا الفكر هو، بالتحديد، الذي يسقط اليوم تحت ضربات المحور المنتصر والذي يتشكل خصوصاً من بلدان وقوى مشرقية. ومما لا شك فيه، أن تغيّر معادلة الغاز والنفط في المنطقة، لصالح لبنان وسوريا والعراق، يشكل أساساً مادياً صلباً لإنتاج رؤية استراتيجية مختلفة لا تنظر إلى «الدعم» الخليجي، الاستعلائي والمتخلف والكريه، كضرورة حياة تطلّبت، من أركان النظام السابق، تحويل البلد إلى «كاباريه» مفتوح. من الطبيعي أن يقلق هؤلاء من إغضاب السعودية التي لا تكتفي فقط بمنحهم عطاءات لديها أو تمويل مؤسساتهم التي تخدمها، بل تقوم بإرسال سياحها _ قبل إرسال الإرهابيين _ الذين لا تستفيد منهم إلا شبكة الفنادق والملاهي والقواد، التي تشكل عماد اقتصادهم الخدماتي. هذا هو الماضي الذي ينهار اليوم لصالح حاضر مختلف مفتوح على مستقبل أفضل. وشروط هذا المستقبل إقامة نظام سياسي _ اقتصادي _ اجتماعي مختلف، أشار إلى بعض معالمه زعيم حزب الله، بلبنانية طفحت في مقابلته، نختلف معها لكونها لا تزال تستبطن بحثاً عن اعتراف، بينما هي في الواقع الموضوعي قادرة على أن تكون خشبة خلاص للبنان وانتشال له من حالة الاستتباع. في مطلق الأحوال، نطق نصر الله باسم مصالح لبنان واللبنانيين معلناً أن زماناً جديداً قد بدأ، تحميه القوة الذاتية ويتأسس، خصوصاً، على علاقات خارجية من نوع جديد. وهو بذلك بدا كأنه «سيد البلاد» الفعلي.
بالمقابل، كان بإمكان رئيس الجمهورية أن يلتقط «كنه» الحديث، ويدفع به إلى رحاب أوسع لو لم يكن، باعتقادنا، أسير أمل بولاية إضافية، لا يزال مستشاروه يتوهمون بأنها تتطلب إرضاء آل سعود والهواة الفرنسيين. لكنه، آثر استرضاء الخارج على ملاقاة الداخل. إن رفض الرئيس إدانة السعودية «جزافاً»، ووصفه العلاقات اللبنانية السعودية بالـ«تاريخية»، انطلق، واقعياً، من مبررات ضعيفة ومن موقع شديد الفئوية. لا يعود ضعف المبررات إلى شكليتها، فقط، وهو العارف بالتلبّس السعودي، ولكن خصوصاً، إلى اعتمادها ازدواجية في المعايير تجعلها فاقدة للقيمة الأخلاقية المتوخاة منها. فلم يعرف عن الرئيس أنه أدان الإساءة إلى العلاقات مع سوريا، بل على العكس ذهب الى حدّ تقديم شكوى ضدها إلى الأمم المتحدة بعدما غضّ البصر عن توريد «بلاده» أسلحة ومقاتلين لمحاربة جيشها وقتل شعبها. كذلك فإن واجبات رئيس الجمهورية في تحصين علاقات لبنان الخارجية، لا يجوز أن تتقدم على واجبات تحصين العلاقات اللبنانية الداخلية، ذلك أن مصلحة لبنان واللبنانيين هي التي يجب أن تتقدم. وما لم يقدم الرئيس مطالعة شافية ووافية تظهر للبنانيين أن مصلحتهم هي مع الوهابية التكفيرية، المهووسة بالقتل والجنس، فإن موقفه في التغطية على الجرائم السعودية بحق اللبنانيين، سيبدو جزءاً من رهان فريق شديد التبعية للخارج. فببساطة شديدة، وبلغة أهل الدولة، فشل الرئيس في احترام الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة بين لبنان وسوريا، لا بل عمل ضدها في مواضع كثيرة، مهدداً مصلحة لبنان واستقراره، بينما يعمل في علاقاته مع السعودية وغيرها كمن تجمعه بهم عقود واتفاقيات أو مصالح سرية. ولذلك كله تفوح الفئوية الضيقة من بعض سلوكه السياسي. وبهذا المعنى، فإن سليمان أساء استخدام موقعه الرئاسي الجامع ليتحدث بلسان حزب، هو حزب 14 آذار، رابطاً استقرار لبنان بالخيار السعودي، في لحظة هزيمته ونزعاته الانتحارية.
الأسبوع المنصرم لم يكن استمراراً روتينياً بليداً للسجال السياسي المعهود. ففيه ظهرت بوضوح عناصر المشهد، من دون تجميل ونفاق: «سقط» رئيس البلاد التوافقي إلى الموقع الفئوي لفريق 14 آذار، و«ارتفع» زعيم الحزب «الطائفي» إلى موقع «السيد» في البلاد.
* قيادي يساري ــ لبنان