يطيب للبعض، من غير القابلين للتعلم، لا من هزائمهم التاريخية ولا من هزائم حلفائهم، الذين كانوا أتباعاً ذيليين لهم، لا أكثر، ولا الأخذ من التاريخ عبر، استخدام الفلسطينيين مكسر عصى لكل تقصيراتهم وشوفينيتهم التي تصل أحياناً إلى مستوى الفاشية. فالبعض يرى الفلسطينيين في هذا البلد أو ذاك قوة مذهبية يمكن أن تقف إلى جانبه في صراعه مع شقيقه في الوطن، الذي بات عدواً يجب هزيمته عسكرياً، وآخر يستخدمها فزاعة يتملق بها صاحب الجلالة ونظامه المتصهين منذ الولادة... وهكذا.

الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع، شاؤوا أو أبوا، أن الفلسطينيين في أمكنة وجودهم، وبالدرجة الأولى في شرق الأردن (الأصح: عبر الأردن) مواطنون لهم الحق القانوني في التمتع بكل حقوق المواطنة في تلك الدولة (إن كان لأي كان، عند حكامها، أي حقوق أصلاً). حقوقهم ليست إنسانية، وإنما سياسية بالدرجة الأولى. ومن يدّعي أن لهم حقوقاً إنسانية فإنه يجعل منهم، وعن قصد، تجمع بشري لا هوية له، وجب النظر إلى حاجاته الإنسانية من مسكن ومأوى وما إلى ذلك، وربما وجب تشكيل منظمات خاصة للرفق بهم، على غرار منظمات الرفق بالحيوان أو منظمات حماية البيئة... إلخ.
الحقوق الإنسانية تصح، من منظور قانوني، فقط في حالة اللاجئين، أما عندما يحمل شخص ما تبعية دولة ما ودفتر عائلة وجواز سفر مسجل عليه إنه مواطن وفق القانون الأساس، فإن محاولة إبعاده عن الحياة السياسية في تلك الدولة ممارسة شوفينية عنصرية بهيمية.
لقد مارس نظام عمان سياسة التفرقة بين مكونات سكان الدولة الأردنية، الكرتونية الكاريكاتورية أصلاً، وحاول إجبار أكثر من ثلاثة أرباع سكانها على نكران أصلهم الفلسطيني، وهنا نتكلم عن الهوية الفلسطينية بصفتها انتماءً نضالياً في المقام الأول، لكننا نعني الانتماء الجغرافي أيضاً، لصالح الاعتراف بشروط المؤامرة التي حاكها، هو وعرب سايكس/ بيكو، مع العدو الصهيوني، بهدف تقاسم فلسطين عام 1948 بينهما.
إن نضال القوى الوطنية في الأردن مهم، ونحن نعرف الشروط الصعبة التي يعيشها أي نضال صدوق في نظام عشيري رجعي متخلف كنظام عمان المرتبط ارتباطاً عضوياً بالمشروع الصهيوني، أي نظام وظيفي ليس غير. لكن الظروف الصعبة والابتزاز الدائم لنظام عمان لكل نضال وطني تحرري تقدمي لا يعني تسويغ اندفاع البعض إلى ممالأته ومنافقته بتصويب فوهة البندقية الفكرية، مهما كانت مبتذلة وسخيفة تحت شعارات عفا عليها الزمن، تجاه الشعب الفلسطيني في الأردن والتحريض عليه، تحت مختلف الادعاءات.
نضال القوى الوطنية/ القومية في الأردن يجب أن ينصب على مواجهة نظام ذوي عون المتصهين الذي، وكما كتبنا من قبل، لم يتوقف ولو لطرفة عين، عن خدمة المشروع الإمبريالي _ الصهيوني في أوطاننا، وتصويب البعض منظار البندقية بعيداً عن نظام عمان الصهيوني يعكس جبناً وهروباً من المعركة الرئيسية ضد الإمبريالية الأميركية والرجعية العربية.
فقط عندما تتوقف تلك القوى عن تصويب سهامها إلى صدور أبناء شعبنا في الأردن والتحريض ضد أي مشاركة له في النضال الوطني من أجل استبدال نظام وطني تقدمي عروبي القلب والقالب بنظام عمان المتخلف المتلهف لخدمة صهيون، نصدق أنها تسعى إلى تحقيق ما ترفعه من شعارات قومية، مهما كانت متواضعة. عدا ذلك، فإن تصويب السهام على أبناء شعبنا الفلسطيني في شرق الأردن لن يؤدي إلا إلى انفجار تسيل فيه دماؤه أنهراً، خدمة للعدو الإمبريالي _ الصهيوني وعليها تحمل المسؤولية الكاملة عن أي قطرة دم فلسطينية تسال هناك.
وفقط عندما تتوقف تلك الحملات ضد شعبنا والاعتراف بحقوقه الكاملة بصفته يتمتع بالمواطنية الكاملة، يمكننا أن نصدق ما يرفع من شعارات.
فالتحريض المستمر على الفلسطينيين في شرق الأردن ما هو إلا دعوة لتجريدهم من حقوق المواطنة وتحويلهم إلى مواطنين [من الدرجة الثالثة]، التي فرضها نظام عمان عليهم بالتعاون مع الإمبريالية العالمية بهدف تذويب هويتهم، وبالتالي إفساح المجال أمام وصول المشروع الصهيوني في فلسطين والمشرق العربي إلى غاياته العدوانية والعنصرية.
عدا ذلك، فمن غير الممكن النظر إلى السياسات الممالئة والنفاق الرخيص لقوى تدعي الوطنية والقومية إلا كونها دليلاً على شوفينية وعصبية مبتذلة لبداة لا يعرفون حياة غير الغزو والنهب والقتل، تعكس معاناة أصحابها عقدة نقص تجاه كل ما هو فلسطيني، حتى لو كان المقصود بالتعريف هوية نضالية وليس جغرافية، وهذا ما نؤكده دوماً ونتمسك به.
* كاتب عربي