«ابقَ معنا يا سيّد فقد مال النهار» (إنجيل لوقا)



في أنطاكية ضجّة تلو الضجة. أهذا أوان الغضب؟ أين أخطأنا لنصبح برج بابل، والعاصف يعبث بالسفينة؟ بمن نستجير؟ فإذا فسد الملح بماذا يملّح؟
أمام هول المشهد، يصرخ الجرح، وينزف الكَلِم، تتدفّق العبارات من الأعماق إلى ضفاف البوح، وما يطفو على الصفحة زبد، تمتمات متلعثمة، يصفعنا بهتانها إزاء ما يضطرم في القلب ويلهب العقل ويحرق الأنفاس.
«هاتِ يدك وشدّدنا في العثار»، بهذا الكلام كنتَ تناجي المصلوب ويداه مبسوطتان ومسمرتان. هكذا صنع الله خلاصاً للعالم، للذين قبلوه من خاصته.
«من البطن قبل كوكب الصبح ولدتُك»، هذا القول الكتابي، صدّقته الوالدة لما روت حادثة تغلُّبك على الموت وأنت بعد بالأقمطة. النور الذي قبل كوكب الصبح انتشلك من جرن المعموديّة، سكن فيك مستتراً ينشئك بالحكمة متّكئاً على صدر المعلم إلى أن بلغت الثامنة عشرة، فنطقت كاشفاً أن الله عشقٌ حارقٌ وهو الصانع خدامه لهيب نار، وبنوره كلّنا اهتدينا.
فضل أسياد المجمع آنذاك أنهم أصغوا إلى شاب لم يكن متجلبباً إلا بماء المعموديّة وممسوحاً بالميرون فقط كهنوتاً ملوكيّاً، ولم يكن على أي رتبة مرتّبة بواسطة أياد بشرية. فضلهم على الكنيسة أنهم أصغوا إلى الروح ينفخ في شباب التهبوا عشقاً، فهماً، ومحبّة وهؤلاء كانوا علمانيين أي من العالم، وقد أداروا ألحاظهم إلى فوق. فضل آباء المجمع آنذاك أنهم أصغوا إلى الروح القدس ومنه نعمة التمييز والتواضع.

ففهموا أنكم ماضون إلى العالم لتفعلوا فيه خلاصاً من القوالب الجامدة، من القوانين المكبّلة، من الرتابة الإنشائية، والترداد النثري ولغته الخشبية.
كنتم شباباً نزع الله منكم القلب الحجريّ وأعطاكم قلباً من لحم ودم وتغذيتم بدم المصلوب حبّاً فسرى في عروقكم ونفخ في أفواهكم.
تميّزتَ عن ربعك بنفحة خاصة، هي المفارقة الكبرى في حياتك. وكل مفارقة مأساة لأنها تضادّ وانشطار وتمزّق مستمرّ بين قطبين. لم ينجُ من هذه المأساة سوى مريم، إذ نمدحها قائلين: «يا جامعة الأضداد إلى واحد»، وخضع المسيح بالجسد لهذه المأساة حين مُزِّق جسده على الصليب. كان لا بد له من أن يستسلم للموت، ليكون شريكاً تاماً لنا في لعنة الخطيئة التي حملها عنّا، ليلفّنا معه جميعاً بالأكفان التي سربلت جسده المائت، قبل أن يرتفع بالنور الذي فيه الى فوق ويرفع معه من شاء منا.
بهرَك النور الذي فيه، وعلِقت عيناك بالسماء واستطبت المقام، وسمعت هناك «كلمات لا يسوغ النطق بها». لكنك لم تنجُ من مأساة التجسّد لأنك ساكن جسداً، هي المفارقة الكبرى: عيناك أبداً إلى فوق من حيث يأتي الخلاص، قابض على سرّه، عنيد في الحفاظ عليه، فيما أنت مكلّف بأهل الارض. لجأتَ إلى الكتب وكانت وحدها صحبك طويلاً، إلى أن أدركتَ «أن الآخر أساسي حتى التنفّس». (لو حكيت مسرى الطفولة). هكذا دخلت في سرّ التجسّد الذي نحن نعيش موسمه الآن وفهمت أن اللغة هي الجسر الذي يربطنا بالسماء، بالأنبياء، بالكتب التي عبّر الله عن ذاته فيها. ولكن العبارات كلّها بقيت ناقصة مشوّهة، إذ يفهمها البشر بمحدوديتهم، يتلاعب بها المفسرون انطلاقاً من مآربهم ومن أغراضهم. فكان لا بدّ للّه من أن يكشف ذاته بالكليّة دحضاً لكل خطأ «فصار الكلمة جسداً وحلّ بيننا ورأينا مجده مجد وحيده»، (إنجيل يوحنا).
صار الله إنساناً مثلنا لكي نفهم. ترجمة الحبّ أن يأتي الحبيب الى الحبيب. كلّ منا يرى بحسب كثافة أناه، لكلّ منا في أعماقه، في سرّ علاقته مع الأبدي صورة لإلهه. ميّزكَ أنت، إذ أعطاكَ أن تسمّر ألحاظك الى فوق، فكانت غربتك في الأرض صليبك.
عشتَ غريباً، تضرب في الأرض بحثاً عن آثار أقدام المعلم، غريباً زادُك الكلمة. فأكلت الكتاب، وأُلهِبت بنوره كعاشق مصاب بدوار لا يهدأ. وكالمتصوفة العشّاق، أحببته حباً شُغِلتَ به عمن سواه وأحبّك هوَ فكشفَ لك الحجبَ حتى تراه. موهبة الرؤيا الحق أنطَقتكَ بالحرية التي وهبك الله «تعرفون الحق والحق يحرّركم». أخلصتَ لها وكانت مكتظّة محتدمة. في شبابك فهمنا منها ما استطعنا، فهمنا الكثير، وغاب عنّا الأكثر. شاعر مهووس بإله هو محبة (وتشدد أنها ليست من صفاته، بل هي ذاته). لأن إخلاصك كان أبداً الى فوق، صعب علينا نحن الجالسين في ظلمات الدهر أن نستوعب ما تكتب. أُعجِبنا، استلذَذنا، صفَّقنا، تحمّسنا، كلّ منا أخذ ما استطاع منها. وجهد الكثيرون في السير على خطاك. شبّه لهم، كرّروك، قلّدوك، سقطوا من حيث أنهم ظنّوا أن السرّ هو في الكتابة. أنت لست كاتباً، أنت حالة شعرية في ليل الإبداع يستسلم لله فيملي عليك بغفلة من أناك، ليأتي إلينا بواسطتك وقد غدوت ابن أمته.
المفارقة الكبرى هي أنك ما زلت تقول صادقاً بأنك طفل من حارة النصارى، ولئن غدوت على فتوّتك، كاشف مجد أنطاكية العظمى وعشير آبائها تعرف نبض أقوالهم وتضبط إيقاعه. دخلت سرّهم ومنه عدت إلينا بلغة فتحت مسالك الفهم العربي إلى قلب الله. أذهلك الشعر واختُطفت به إلى رؤية الجمال الإلهي وأنت عاجز عن أن تحلّ سير حذائك، أن تعتني بأشيائك الصغرى أن ترتّب كتبك، أن تنظّم أوراقك، أن تراجع حساباتك... ما كان همّك في الأرض إلا البحث عن آثار الجمال الذي تحسبه انعكاس الوهج الإلهي وفيه الخير والحق. لاحقت الوهج الإلهي في كل شيء، في كل وجه، فإذا ظفرت به في أي أمر مادّي، كنت تظفر به، تحمله إلى مكان قصيّ لتحتفل به دون ما يشوبه من أعراض مادية وظروف واقعية وحدود. تنتقيه وحده وتعرض عن كل شيء سواه، كما يفعل الجرّاح حين يغطّي سائر الجسد ليركّز على الجرح الذي هو موضع اهتمامه وعمليّته.
هي هنا مفارقة كبرى. لقد ظفرت بالنصيب الذي لا ينزع منك وظفرت بالسرّ الإلهي. لكن أشياء الدنيا غابت عنك وما كنت لتحسبها شيئاً مهماً. نطقت، يا سيّد المنابر وكتبت يا صاحب القلم، ألهمتَ، ألهبتَ، واصطدت صيداً جمّاً فذرّيتك لا تعدّ ولا تحصى. إلى كل الأرض خرج صوتك، ميزتك أنك «كشفتَ لنا عشقَ المسيح وحرّيتَنا فيه» (أ. د.) فصرنا بشراً جُدُدا، وما كانت اللغة إلّا الحجاب الذي دعوتنا لإسقاطه. قلت في عظة لك «اسلكوا في دنياكم بحيث إنه إذا اختفى كتاب الإنجيل عن وجه الأرض يستطيع الناس أن يقرأوه على وجوهكم».
إلا أنك صُلبت على جسد الدنيا. لم تخترقه، لم تعرفه، لم تعتبره شيئاً مهماً. وهنا مفارقة أخرى، إذ أُسلِم إليك جبل لبنان من حيث نادى الله عروسه. وأحسبُ أنك ما رأيتَ من هذا التكليف سوى شهوتك أن تجيبَ العروسُ هذه عريس الكنيسة بأحسن جواب. أسِفَت والدتي، التي كانت تعظّمك جداً، لهذا التكليف، قالت: «مسكين كم سيتعذب في هذه البقعة من الأرض، فإنه كان الأولى بهم أن يجعلوه سفير أنطاكية الى العالم».
حملتَ صليبَك ومشيت مخاطباً البشر بالكلمة، بالمعرفة كما كان دأبك فيما كنت مبشّراً تمسح البلادة والجهل والتراخي «وتلقي ناراً» تحرق العتاقة. وانطلَقتَ من قناعة أن الإدارة محبة وثقة. وذهبت فيها كل مذهب وما كان يوماً البصر عندك أفعل من البصيرة ولا الفعل أبقى من النوايا _ فأسلمت لمن حولك راجياً إخلاصهم ومرجئاً للّه محاسبتهم. وحسبت أنه على قدر الثقة تأتي العزائم.
هي المأساةُ التي صلبَتك منذ سنين، غريب في الأرض. شاعر لا يعرف نفعاً للكلمات سوى أنها جسر الى الله، ولا يظن في الناس إلا خيراً.
ما قال الأقدمون إن الشعراء أسياد على الممالك الأرضية، قالوا بالفلاسفة، لأن الشعراء يهبطون إلينا من فوق ويمكثون في الهنا والهناك. غربتُك هذه كانت موضع ذهول واستغراب وتعجّب، تذكر بغربة «الأمير الصغير» (للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إيكزوبيري) الهابط من كوكب آخر الى الأرض. هذا بات طيلة إقامته بيننا ينذهل من غرابة تصرّفات البالغين، لم يكن له قِبل بمكرهم. المخطوفون إلى فوق إذا جيء بهم الى أسفل صُلبوا. وحسبتَ أن الله يعينك في حمل صليبك. لكن الله الذي فيك، لم يستطع أن يحرّك بالقَدْرِ ذاته من أحاطوا بك. فترجموك وفسّروك وقلّدوك ونسخوك ونصحوك والتفّوا حولك كطفل المغارة لتستدفئ بأنفاسهم من برد الدنيا. ولكنك مكثتَ غريباً.
والآن قد اشتدّت غربتك تبدو أكثر توهجاً وأكثر وداعةً. هي فيك من خجل ورقة وخفر. بتّ تنظر إلينا بلطف وكأنك ساكن عالماً آخر يمنحك سلاماً عميقاً وحباً عميماً.
وتعلّمنا شيئاً آخر هو أنه إذا المرء ضعُفت قواه الجسديّة من دون اعتلال وأمدّه الله بالعمر والرضى، شعّت روحه واحتلّت كيانه بأسره.
المذهل عندك أنك في شيخوختك أسقطت الأرضيات ولم تسقط من ذاكرتك عبارة واحدة من الكتاب العزيز ومن المعرفة الجمّة التي ادّخرت، واصطفيت منها ما حسبته أساسيّاً «حتى التنفّس».
تذكّر بحبّ الفقراء في مناسبة وغير مناسبة. وكأنك بعدما شدّدت على معرفة الكتب طيلة حياتك رأيتها ساقطة ما لم تقترن بخدمة هؤلاء الصغار إخوة يسوع. وكأني بك _ والتفسير لي بالنظر إلى حاجاتنا اليوم _ تجدّد نهضة الكنيسة الأرثوذكسية بالانتباه الى العناية بالناس التي جاءت ضعيفة سابقاً، فيما قويت نزعة المعرفة عندنا. فرعاية الفقراء في دنيانا ما زالت مبعثرة، بدائية. والمعوزون كثر والأثرياء أكثر، وبينهما هوّة لا تردمها مؤسسة ولا تضافر جهود ولا ترتيب، وفقرنا إلى التواصل يجعل الفرد الأرثوذكسي برجاً وحيداً يتعبّد لفرادته. يكثر الأرثوذكس الناجحون في مؤسساتهم التجارية والصناعية والمصرفية، والمحتاجون عندنا كثر.
فكيف نفهم وصيتك؟ من العالم وفي العالم، ومن تاريخنا، لنا دروس، إذا تعلّمنا التواضع. آن الأوان للأرثوذكسيين أن يتواضعوا. هم يرتاحون للاهوت لامس قلب الله ولا يغيثون إخوانهم الصغار بما يحفظ كرامة هؤلاء ويؤمّن عيشهم من خوف العوز. والسؤال أيضاً لي: كيف نترجم حبّ الفقراء إذا ما نظرنا إلى الأوقاف الواقفة عند إرادات متحجّرة وسلطة صمّاء؟ وكيف نفتح قلوب الأديرة للعناية بالناس الذين جاء المخلص ليخدمهم، فصار الناس يخدمون الأديرة؟
فالصلاة ليست ابتهالاً وأدعية وبخوراً وزخرفاً وإنشاداً وطباعة كتب فحسب، هذه لها أوقاتها وأما الوقت الأوفر فهو للناس، لحبّهم، لتقديم الفرح والعزاء والشهادة لهم بأن الله محبة. والخدمة هي فعل المحبة المحسوسة. يخرج يوحنا الدمشقي أو الذهبي الفم من الذبيحة الإلهية قائلاً: «إني ذاهب إلى مذبح أفضل هو خدمة الآخر». حتى إذا انشغل من ترهّب استعداداً لملاقاة الرب في أي ساعة، يكون جاهزاً في حضرة الله ما دام في خدمة إخوته. لو نفعت الكتب لما جاء الرب كلمة متجسداً.
أراكَ في شيخوختك تردّد في مناسبة وغير مناسبة أن «أحبوا بعضكم بعضاً». تروي أن يوحنا الحبيب في شيخوخته لم يكن يقول غير ذلك، وعندما سئل قال: «هذا كل ما تعلّمته حين كنت على صدر المعلم». أراك انضممتَ إليهما وازدادت غربتك. تتألم بصمت من البغض والمكيدة والكذب والتلاعب. وتعيش على رجاء أن يتوب المخطئ ولا تتجاسر أن تواجه أن تحاسب _ وما فعلت ذلك خفراً منذ شبابك _ وإذا دفعك الغيارى على تصحيح المسار والمصير توكِل المهمّة الى من حضر، وترجو أيضاً أن يكونوا أهل ثقة _ فبماذا نكافئ الرب عن رئيس كهنة يعيش على الرجاء ويبني على الثّقة؟ «جواباً حسناً لدى منبر المسيح المرهوب». أي جواب حسن والمشهد اليوم يسيء الى المسيح ويشكك الكبار والصغار؟ لكن المسيح أحب الخطأة وما دان وما حاكم وما حكَم. هنا أيضاً مفارقة؟ يضربون بعصاك وأنت لا تحمل حتى عكّازاً تتّكئ عليه في سيرك المتعب. يتحاكمون ويتخبطون في أمراضهم الجسدية والمطلوب واحد، «يا بنيّ أعطني قلبك». عادوا إلى العجل الذهبيّ، إلى قلوبهم الحجريّة، إلى القصور المجصّصة، والذي يأتي بعد أيام لن يجد مكاناً يسند إليه رأسه إلا الفقراء إلى وجهه من المتواضعين الذين رفعهم إليه بالرضى.
لم أرَ المسيح يلعن إلا الشجرة التي لم تعطِ ثمراً. الأرثوذكس اليوم غير مثمرين وهم قسمان: من يلهو بإنجازات مادية تجني له الربح المادي فيزهو ويتغطرس، ومنهم من يلهو بالطقوس والعبادات والإنجازات السلطويّة الروحية فيزهو ويتغطرس ويتسلّط.
السلطة والتسلّط يعميان أبصار الكثيرين ممن ظنّوا أنهم مختارون. يبنون ذلك على نهضة أرثوذكسية كنت وأترابك _ منهم في رحمة الله _ أعمدتها وما كنتم متسلطين، ما كنتم على سلطان. كنتم مقتدرين بالمحبة، بالخدمة، بالاعتراف بالصغير والكبير وقد جمعتنا بكم ألفة كبيرة. أحببتمونا، استمعتمونا، عاشرتمونا، «مالحتمونا». فحفظنا الودّ، وأحببنا المسيح بحنان أصواتكم المرتِّلة، ورقّة كلامكم النورانيّ، وقربكم منا وسعة صدركم.
الويل لمن تأتي على يده العثرات، ماذا دهانا؟ من أين يأتي الهواء الأصفر؟ ماذا دهانا؟ هل تحجّرت القلوب معادية العالم؟ وهل صار الحرف قتّالاً؟ من أين تأتي الضجّة تلو الضجّة في أنطاكية؟
الغطرسة والتبجّح والتسلّط صفات باتت تنخر قي عمودنا الفقريّ. هل يُدافع عن الإيمان بالحجّة أم بالمحبة؟ كنيستنا ستنهار بِغِيّها إن لم تتواضع وتتعلّم أساليب المحبة المتجسّدة خدمة للعالم، للناس، خدمة للذين جاء المسيح ليخلّصهم.
يا ليتنا نتعلّم من الكنائس الشقيقة رعاية المسنين. مثلاً، وهبت عائلة مؤدية للكنيسة البروتستانية في رأس بيروت مبنى حوّلته على الفور منزلاً للمسنّين من الطراز الحديث. ونحن ليس لدينا منزل يؤوي كبير من كبارنا إذا أثقلت السنون كاهله.
يا ليتنا نتعلّم بساطة الكلام. يتبارى المتفوّهون بإتقانهم اللغة، يكتبون إرضاءً لضميرهم. يعتبرون أنهم أدّوا الشهادة بكلمات. أما همّ التبليغ فليس وارداً. ولا أحد يستمع لتلك السيدة التي تحارب في كفرحبو وحدها استمالة شهود يهوه والمعمدانين للأرثوذكسيين للتخلي عن أرثوذكسيتهم.
نحن ننّمق الكلام، نقول «اترك لنا ما علينا كما نحن نترك لمن أخطأ وأساء إلينا». ولا نستطيب قول «اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا».لا يطلب الأرثوذكسي المغفرة من الإخوة ولا يحسب نفسه مخطئاً... أي غطرسة هي تلك وأي جبروت...
الضجّة تلو الضجّة، الإساءة تلو الإساءة، التسلّط والغطرسة، لا وداعة ولا تواضع، ولا إصغاء لبعضنا البعض. تكاد المحبة تكون معدومة في كنيسة تكاد تكون متمتعة بأسمى المعاني الروحية والفكر اللاهوتي. نواجه اليوم خطراً أعظم، هو مرض التعالي والتفرّد والطاوسيّة، والتزمت والإدانة والحكم على بعضنا البعض. أين منها وداعة المسيح وتواضعه، وماذا فعلنا بوصيته «أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم»؟ اليأس بات يصرخ في حناجر المؤمنين.
دعوَتك إيّانا الى أن نرفع قلوبنا وألحاظنا إلى فوق تخلّص الجماعة من التركيز على الخطايا التي في الأسفل. هل تنفع دعوتك بأن نتدبر أمورنا بالرحمة والمحبة، أن نأتي الى الحياة المبدعة، فيتوب الخاطئ وتنهض الجماعة؟
من مسيرتك نحن استلهمنا مسؤوليتنا. لا يستطيع الأسقف أن يختصر الكنيسة وإن كان حافظ الإيمان فيها، وأتمنى أن أضيف حافظ المحبة الأولى. ترجمة الإيمان عمليّاً تستدعي كل المواهب وبحسب الظروف والاختصاصات. لا يُستبعد أحد. سمعت كلاماً عظيماً في جماعة «اللقاء الأرثوذكسي» مفاده أنه علينا أن نمارس «ثقافة إلغاء الذات» حتى تنمو الجماعة. أرجو أن يصغي أهل سلطة الكنيسة إلى جهود المؤمنين من أي جهة أتت، ليحتضنوها بوسع وفهم وبالحب الذي أوصينا به.
لكنّ الرب وعد وعداً صادقاً «أن يكون مع كنيسته وأبواب الجحيم لن تقوى عليها». وأراك كالسيّد هادئاً، كنائم فيما السفينة تتخبّط. نحن قليلو الإيمان نضطرب، أما أنت فقد صرت الى ملء الثقة بكلام ربك. ونظرت لنا مسيرة مرضيّة، فساهمت أيّما مساهمة بحمل السيّد يوحنا إلى «سدّة الصليب». معه، لن تغرق السفينة فالربّ في عين العاصفة ومنه النجاة الكثيرة والرحمة الغنية العظمى. فإن ما سمعته آذاننا وما رأته عيوننا من الأول بين الإخوة بشارة أنك ستتعزّى كثيراً، وتفرح لأنه مبارك هذا الآتي باسم الرب.
أيها السيّد عمود النهضة الروحية، وعميد الآباء المعاصرين، وعماد اللاهوت المستنير والملهم، لم أكن أجرؤ على التوجّه إليك على صفحات مكتوبة، وما كان لي حاجة به ونحن في خطاب وفي مخاطبة غير منقطعة منذ أربعين سنة لو لم تُنشر أخبار رذائلنا وأخطائنا على صفحات وسائل التواصل الإلكتروني المتنوعة التي لا قِبَل لك بها ولا تعرف عن طرقها شيئاً. ولم يخطر ببالك أن الكلمات التي هي الأداة المشتركة بين الله والبشر وبين الناس تُستعمل كأسلحة للقتل والدمار. وقد صارت مقالاتك الأخيرة جواهر نادرة الثمن، متلألئة شفافة، نوراً من نور. وددتُ أن أحتفل بوجودك بيننا وأشكر الله على دوام عافية قلبك وأطلب إليه أن يساعدك على حمل الصليب ويتوّجك بحسب قول الرسول بولس بأن الله شاء «أن يجعل رئيس خلاصهم بالآلام كاملاً». بعدما أعطيتنا معرفة كبيرة، علّمنا أن نرفع عيوننا إلى فوق، إلى الملك الآتي، إلى الإبداع بالوداعة والصدق والخدمة حتى لا نعثر بحجر تفاهات تكبّرنا.
أعايدك سيّدي، متهللة بحضورك بيننا، وأعاهدك على مبرّات الأطهار أنني ورفقة الطيبين سنحفظ الإخلاص ونصنع في الأرض عدلاً وسلاماً.
* باحثة وأستاذة جامعية