انتهينا في مناسبة سابقة («الأخبار»، العدد 2161، 27 تشرين الثاني) إلى أنّ أبو مصعب الزرقاوي مؤسس وزعيم فرع تنظيم القاعدة في العراق ردّ على رسالة شيخه وأستاذه عاصم البرقاوي بالرفض والاستنكار؛ وكان من جملة القضايا المركزية التي اختلفا حولها قضية تكفير الشيعة وإهدار دمائهم واستهداف المسيحيين وغيرهم من غير المسلمين السنّة. ولم تكن هذه نقطة الخلاف الوحيدة بين الرجلين، بل كانت هناك خلافات أخرى تتعلق بحق الإفتاء الذي منحه الزرقاوي لنفسه على ما في ذلك من شروط قاسية وصعبة لا يتوافر أغلبها فيه. ولا يعني ذلك أنه أكثر تشدداً من شيخه، فهذا الأخير يشاركه في الكثير من معتقداته، من قبيل رفض الديموقراطية والتعددية والعمل النيابي التشريعي والتعليم العام في المدارس والجامعات، ويعتبرها من أعمال الكفر. وقد طبّق البرقاوي ذلك ملياً ورفض إدخال أبنائه الثمانية إلى المدارس واكتفى بتحفيظهم القرآن وأصول الدين، كما كفّر الحكام والدساتير والجيش والشرطة وأئمة المساجد المؤيدين للحكومات. نقطة الخلاف الفرعية ولكن الأبرز بين الرجلين كانت تكفير عموم الشيعة. وقبل أن نفصّل في هذا العنوان، فلنلق نظرة على الخلفية التاريخية لموضوع تكفير الشيعية ومتى وعلى أيدي من بدأ وما هي حيثياته:

تكفير الشيعة ليس جديداً في الفكر والممارسة الإسلاميين، بل هو ليس جديداً أو مفاجئاً في عموم الأديان، وذلك لأن الإيمان بدين سماوي كالديانات الإبراهيمية الثلاث «اليهمسلامية» أو غير السماوية كالتاوية والبوذية يشترط ضمناً وتلقائياً تكفير غير المؤمنين به. غير أن التكفير ليس واحداً من حيث النوع والمستوى والتمظهرات، فهو قد ينحصر في الجانب الفقهي التخصصي أحياناً إلى درجة لا يكون فيها ملحوظاً من قبل الشارع، وقد يقتصر على الجانب اللفظي في ما يدخله في باب التشاتم السياسي والإعلامي الطائفي، وفي حالة أخرى يتحول إلى عملية تجريم تستدعي التدخل المسلح كما هي الحال عند السلفيين الجهاديين وشقهم الانتحاري المغالي تحديداً.
إذا كانت بعض مدارس الفقه السُنّي ورموزه تكفر الشيعة الخواص أو الشيعة العموم منذ قرون عدة، فإن الفقه الشيعي بدوره يكفّر السنّة بوصفهم «رادّين للإمامة»، أي رافضين لعصمة أئمتهم الإثني عشر بالنسبة إلى «الشيعة الإمامية الإثنا عشرية»؛ وربما وجدنا الفقه الشيعي الإثني عشري لا يقل تشدداً عن السُنّي في قضية التكفير والحكم على المرتد، وهذا ما سنتوقف عنده في مناسبة قادمة تحت عنوان «التكفير عند الشيعة».
تاريخياً، تأتينا أولى الإشارات في التراث الإسلامي لتكفير الشيعة متداخلة مع مرحلة نشوء وتكرس الطائفتين الشيعية والسنية، حيث يمكننا التأكيد، بما يتوافر بين أيدينا من وثائق وأدلة تاريخية، على أن هذا الأمر قد حدث في القرن الثالث الهجري، آنَ ظهر التسنن في العراق العباسي بدعم من الخليفة العباسي المتوكل الذي أعلن الحرب على جميع الفرق الإسلامية وسعى لإيجاد فرقة واحدة مرتبطة به، وتستند إلى سنّة النبي العربي الكريم استناداً شرعياً بعيداً عن الملابسات السياسية التي حكمت سلوك الفقهاء قبل عهد المتوكل. وكان شاعر المتوكل، علي بن الجهم، أول شاعر سُنّي بهذا الشرط. وقد تخصص في الدعوة إلى التسنن واستعمل مصطلح ــ سُنّي ــ في شعره. ولكونه ترعرع في ظل المتوكل، فقد رهن تسننه بمعاداة علي بن أبي طالب، فكان يهجوه بالاسم في قصائد يبدو أنها أهملت لاحقاً فلم تُدرج في ديوانه، كما أشار المفكر العراقي الراحل هادي العلوي في أحد أبحاثه المشتركة مع كاتب هذه السطور. غير أن لفظة سنّي كانت موجودة قبل ذلك في عهد المأمون، ولكنها لم تستقر وتتكرس اسماً لطائفة إلا في عهد المتوكل، وكان البعض يستخدم كلمة «مرجئي» بدلاً من سُنّي. والمرجئة فرقة معارضة للخوارج الذين كفّروا مرتكب الكبيرة وانحازوا إلى علي بن أبي طالب قبل أن يخرجوا «يتمردوا» عليه بعد موافقته على التحكيم بينه وبين معاوية. ولكن المرجئة رفضوا تكفير مرتكب الكبيرة وقالوا بوجوب إرجاء الحكم عليه إلى يوم القيامة ليتولاه الله. ويروي المسعودي في «مروج الذهب» مهاترة بين المأمون وعمه إبراهيم بن المهدي، وكان المأمون يتشيّع على الطريقة «الإثنا عشرية» وإبراهيم يتسنن، وذكر فيها لفظ الشيعي وذكر المأمون لفظ المرجي «المرجئي» بدلاً من السُنّي. وفي غضون القرن الرابع كان التشيع والتسنن في الطريق إلى اقتسام المجتمع العراقي. وربما اكتملت القسمة في أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، حيث نجد المعري يوجه تحياته إلى بغداد بعد مغادرتها فيقول في بيت شعر جميل: سلامٌ هو الإسلامُ زارَ بلادكم... ففاضَ على السنيِّ والمتشيعِ.
أول إشارة موثقة لتكفير الشيعة واعتبارهم زنادقة وردت على لسان الخليفة العباسي المهدي، فهو القائل «ما فتشت رافضياً إلا وجدته زنديقاً» (مخطوطة نادرة في مكتبة الأوقاف ببغداد ورقة 7، والكتاب مأخوذ عن كتاب السِيَّر للشيباني تأليف قوام السنة). أخذ التناحر بين الطائفتين يطفو على السطح مع بداية العصر البويهي في بغداد، فقد استفاد الشيعة العراقيون من مداينيهم البويهيين الذين كانوا يحكمون بغداد لتوسيع نشاطهم. ولم يكن نشاط الشيعة فقهياً فقط بل طقوسياً أيضاً، فقد جرت، لأول مرة، في عهد معز الدولة البويهي352 هـ ببغداد تعازي عاشوراء التي استفزت أهل السنّة لأنهم جعلوها في عداد البدع المحرمة. فكانت العامة من الطائفة السنية البغدادية تخرج بتوجيه من رجال الدين لتخريب التعازي ومنع إقامتها، فكان يتصدى لهم العامة من شيعة بغداد ما كان يؤدي إلى صدامات مسلحة تقع فيها ضحايا كثيرة من الجانبين. فكانت تعازي عاشوراء آنذاك من مواسم الفتنة السنوية في بغداد.
وفي عهد المماليك، ومع اجتياح المغول لبلاد الشام بعد تدميرهم لما تبقى من الخلافة العباسية في بغداد، ومع بروز الفقيه الحنبلي ابن تيمية، عادت قضية تكفير الشيعة إلى الظهور وبقوة، فكان هناك من يدعو إلى التعامل مع المسلمين الشيعة ككفار شأنهم شأن الغزاة المغول. وهذا ما يعرف بتكفير عموم الشيعة، ومنهم من كان يكتفي بتكفير خاصتهم من رجال دين وقادة ومشاركين في القتال إلى جانب الغزاة، وكان ابن تيمية من هذا الفريق. والطريف هو أن الشيعة يعادون هذا الفقيه السلفي السنّي بشدة قد لا نجد مثيلاً لها في معاداتهم لسواه.
في هذا الخصوص، يؤكد الشيخ البرقاوي أنّه لا يزال على مذهب ابن تيمية في «عدم تكفير عموم الشيعة وعدم جواز مساواتهم باليهود والنصارى في القتال، ولا يجوز أن يساوى الشيعي العامي بالأميركي، وإنْ كان لإخواننا في العراق من السُنّة مبررات كثيرة (منها) كان الشيعة يخطفون من أهل السنّة، ونحن نقول لهم حتى لو كانت هذه الأعذار فهذه لا تبرر تفجير المساجد». ومن السياق نفهم أن المقصود هو مساجد الشيعة التي لم يتوقف استهدافها، لا في العراق ولا في خارجه.
أما الزرقاوي فكان يرى أن فتوى ابن تيمية غير صالحة لزماننا، وقد أصدر هو نفسه فتوى معاصرة مخالفة لفتوى ابن تيمية، وقال في أحد بياناته «ومن الظلم أن يؤتى بفتوى ابن تيمية في عصره ثم تنزل على واقع الرافضة اليوم من دون النظر في الفوارق بين العصرين، ثم هناك من العلماء من تكلم في كفر الرافضة بأعيانهم كالشيخ حمود العقلاء رحمه الله والشيخ سليمان العلوان والشيخ علي الخضير فك الله أسرهما، والشيخ أبي عبدالله المهاجر، والشيخ الرشود رحمه الله وغيره».
والأكيد هو أنّ البرقاوي كان يعلم بكلام الشيوخ السلفيين الذي أورده الزرقاوي، ولكنه كان يرفضه ويأخذ بنقيضه المنسوب إلى ابن تيمية، بل إنه ضنَّ على هؤلاء بتسمية «العلماء» وأطلق عليهم صفة «المشايخ» كما سيأتي بيانه بعد قليل. وقد تقدم البرقاوي في نهجه المعتدل كثيراً، حتى إنه نفى أن يكون تكفيرياً، وقال في لقاء صحافي أجرته معه صحيفة «المشرق» في 30 آذار 2011: «أنا لست تكفيرياً، عندي أصدقاء من مختلف التيارات الفكرية والبعثية، وكنت دائماً أحذر الشباب من تفجير الكنائس والاعتداء على السيّاح». وكان واضحاً في رفضه لتكفير الشعوب والمجتمعات بشكل جماعي في كتابه «الرسالة الثلاثينية»، التي قال إنّه حذّر فيها من الغلو في تكفير الشعوب. وفي ردّه على استفسار وجّهه إليه القيادي السلفي الجزائري عبد المالك دروكدال، كتب البرقاوي «أما مسألة تكفير المجتمع فلم نتبنَّ ولم نحمل يوماً من الأيام فكرة تكفير المجتمعات في البلاد الإسلامية، ولا تكفير الناس بالعموم. وفي ما يتعلق بمسالة تكفير الشيعة وبالتالي استباحة دمائهم، فقد راج هذا الموضوع منذ الحرب العراقية ــ الإيرانية، بالاستناد إلى فتاوى ومواقف بعض «العلماء»، أو بالأصح «المشايخ»، التي توافقت مع مواقف الأنظمة الحاكمة، أما أنا فلا أكفّر عموم الشيعة، وهذا من الأخطاء التي تورط فيها بعض الشباب من الطرفين السنّي والشيعي».
إنّ كلام البرقاوي هنا، على ما يشوبه من اعتدال، لا يخفي حقيقة أنّه يؤمن ويأخذ بتكفير الآخر، ولكن الآخر الخاص وليس العام، والمشارك في القتال ضده، وليس المسالم والمحايد والمتمتع بالحصانات الثلاث: الإسلام والأنوثة والطفولة. والواقع، فإن قضية التكفير في حالة المقاتل إلى جانب العدو تغدو لفظية وشبه نافلة ولا قيمة معيارية لها، فجميع الدول والجيوش والديانات ومبادئ السياسة، والاجتماع تنظر إلى المنحاز إلى القتال مع العدو ضد أبناء جلدته على أنه مرتد وخائن يستحق أقسى عقاب. فالتكفير في هذه الحالة أقرب إلى التخوين في زمن الحرب.
وإذا ما انتقلنا إلى كلام أكثر تحديداً، يوضح نظرة الحركة السلفية الجهادية المعاصرة إلى مسألة تكفير الشيعة واستهداف المسيحيين وغيرهم من ديانات وطوائف إسلامية وغير إسلامية، فسنجد موقفاً محدداً من هذا الموضوع ورد خلال الحرب الأهلية في سوريا على لسان الرجل الأول في قيادة تنظيم القاعدة الدولي الشيخ أيمن الظواهري، حيث دعا في ما يشبه الأمر الحربي اليومي الآتي «إلى عدم مقاتلة الفرق المنحرفة مثل الروافض والإسماعيلية والقاديانية والصوفية المنحرفة ما لم تقاتل أهل السنّة، ويجب أن يقتصر على الجهات المقاتلة منها، مع بيان أننا ندافع عن أنفسنا، وتجنّب ضرب غير مقاتليهم وأهاليهم في مساكنهم، وأماكن عبادتهم ومواسمهم وتجمعاتهم الدينية، مع الاستمرار في كشف باطلهم وانحرافهم العقدي والسلوكي». أما في الأماكن التي «تقع تحت سيطرة المجاهدين وسلطتهم، فيُتعامل مع هذه الفرق بالحكمة بعد الدعوة والتوعية وكشف الشبهات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (...) وعدم التعرض للنصارى والسيخ والهندوس في البلاد الإسلامية، وإذا حدث عدوان منهم، فيُكتفى بالرد على قدر العدوان، مع بيان أننا لا نسعى إلى أن نبدأهم بقتال» («الأخبار»، العدد ٢١٢٥، الأربعاء ٩ تشرين الأول ٢٠١٣). ويبدو أنّ كلام الظواهري مرّ مرور الكرام على مسامع السلفيين الجهاديين وشقهم الانتحاري خصوصاً؛ فالفظاعات الدموية المرتكبة بحق المسيحيين وغيرهم لم تتوقف بعده، لا في العراق ولا في سوريا. فهل أصبحت أوامر الظواهري مثل نصائح البرقاوي حبراً على ورق وتمرد الجنيُّ على مطلقه؟
* كاتب عراقي