تحكّمت النيو _ ليبرالية بمصير العالم وشعوبه على مدى العقود الثلاثة المنصرمة. لا بد من عرض مقتضب لمنطلقاتها وتجربتها، في ما يخص دور الدولة، قبل اقتراح البديل الذي هو ضدها. أما النص التالي، فهو عرض للأدبيات متضمّن في محورين: 1) الدولة في التعريف النيو _ ليبرالي وفي التجربة؛ 2) البرنامج الاقتصادي لـ«اقتصاد اليوم التالي».


أولاً: الدولة في التعريف النيو _ ليبرالي

في التجربة في القراءة التي يقدمها بيتر إيفانز وويليام سويل للنيو _ ليبرالية، تظهر هذه الأخيرة، أولاً كنظرية اقتصادية، وثانياً كأيديولوجية سياسية، وثالثاً كنموذج يُعتمد في وضع السياسات الاقتصادية، ورابعاً كمرجعية يلجأ إليها المجتمع، أو بعضه، لتخيّل حاضره ومستقبله (إيفانز وسويل، 2013). لم تكن النيو _ ليبرالية فقط إجراءات اقتصادية صاغها اقتصاديون في عتمة مكاتبهم، بل أفكاراً ورؤى تقاسمتها شرائح مهمة في مختلف المجتمعات.
وهي عملت كنظرية اقتصادية على إثبات أنّ علاقات التبادل ضمن إطار السوق هي الأفضل لجهة المنفعة التي توفرها للمتبادلين. وحاججت كأيديولوجية سياسية لمصلحة السوق ضد الدولة في عملية رصد الموارد. واجترحت كنموذج في إعداد السياسات الاقتصادية، إجراءات تؤول إلى تحرير الأسواق من التشريعات التي تقيدها، وخصخصة المؤسسات العامة، وإرساء حرية تبادل على مستوى العالم. وعكست كنموذج لتخيّل المستقبل، تأييد روح المبادرة، وطلب الغنى والثروة، واعتبار البرامج الحكومية مرادفة لعدم الفعالية والفساد وعدم الكفاية (المصدر نفسه: 4-6).
ولقد لقيت رواجاً في دول العالم كلّه مع بعض الاستثناءات، ليس بالضرورة في أبعادها الأربعة. وأثّرت في كل مكان بوصفها نموذجاً تم استيحاؤه لوضع السياسة الاقتصادية.


1ــ الظرف التاريخي الذي أتى بالنيو _ ليبرالية

جاء اعتمادها بعد «العصر الذهبي» الذي دام ثلاثين سنة بعد الحرب العالمية الثانية. وهو كان عصراً ذهبياً لجهة معدلات النمو المحقّقة وارتفاع إنتاجية العمل ورأس المال، مع عمالة كاملة ومن دون تضخّم. أتاح ارتفاع الإنتاجية رفع الأجور من دون أن تتأثر الأرباح سلباً. لكن السبعينيات ستكون مختلفة، بسبب تراجع الإنتاجية وضغط النقابات للحصول على زيادات أجور، تتجاوز ارتفاع الإنتاجية. ومع الأزمة التي فاقمها رفع أسعار البترول عام 1973، دخلت البلدان الصناعية في أزمة «تضخم وركود»، عجزت الوسائل المسماة كينزية المعتمدة تقليدياً، أي التحفيز بالسياسة النقدية وسياسة الإنفاق العام، عن إخراجها منها. وفي آخر السبعينيات، أصبح لدى حكام المصارف المركزية الغربية همّ واحد هو إزالة التضخّم. أدخلت «صدمة فولكر» رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي، التي تمثلت برفع أسعار الفائدة بشكل غير مسبوق، العالم بمجمله في حقبة النيو _ ليبرالية. وقد كانت بداية الحقبة، حالة الانكماش الاقتصادي المتعمّدة التي افتعلتها تلك السياسة بين 1980 و1982 في الولايات المتحدة. وهي كانت الأولى بتلك القوة منذ الثلاثينيات.
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت النيو _ ليبرالية صنوَ الانكماش الاقتصادي. أرست حالة انكماش وبطالة دائمتين في عموم العالم الرأسمالي المتقدم. أظهر الاقتصاديون ما بعد الكينزيون، ومنهم ألان بارغيز وماريو سيكاريسيا، كيف تسبّبت سياسات الـ«صفر تضخّم»، بخفض الإنفاق العام، وبحالة من البطالة المرتفعة، أصبحتا العلامة الفارقة للعصر النيو _ ليبرالي (بارغيز وسيكاريسيا، 1998). وأظهر التيار ما بعد الكينزي كيف أحلّت النيو _ ليبرالية «رأسمالية أصحاب الريوع المالية» الانكماشية محل «رأسمالية أصحاب المشاريع» التي نادى بها كينز، ومثلت مساهمته الثورية في فهم الرأسمالية وإصلاحها (سيكاريسيا ولافوا، 1989).


2ـــ التعريف النيو ــ ليبرالي لدور الدولة

أرست مساهمات المفكرين النفعيين الجدد المناخ الفكري الذي أتاح للنيو _ ليبرالية أن تُحكِم سيطرتها على العالم. أقام بيتر إيفانز في نصه العائد لعام 1995، تقابلاً بين تيار النفعية الجديدة (neo-utilitarism)، الممثل بمفكرين من مثل بوكانان وكولاندر وكرييَجر وغيرهم، وتيار المؤسساتية المقارنة، مع كارل بولانيي وهيرشمان وغرشنكرون وغيرهم (إيفانز، 1995). استعرض مقولات التيار النفعي الجديد بشأن الدولة. تبدو الدولة في مجمل هذه المقاربات بوصفها مأهولة بأناس يفتشون عن الريع (rent-seeking)، أي عن تحقيق منافع شخصية من المواقع التي يحتلونها. لا يعود بالتالي ممكناً التخلص من العبء الذي تفرضه الدولة على الاقتصاد، إلا باختصار وجودها وأدوارها إلى الحد الأدنى. من هنا مقولة «دولة الحد الأدنى» التي نادت بها النيو _ ليبرالية.
أظهر إيفانز تناقض هذا التوصيف للدولة مع اعتبار التيار النفعي نفسه، أن على الدولة أن تلعب دور الحارس (night watchman state). كيف يمكنها وهي على الصورة التي سبق رسمها، أن تقدم خدمات عامة إيجابية، كمهمة صون الأمن العام وضمان التزام الناس بتنفيذ العقود الموقعة، إلخ؟ أي أن دولة النفعيين الجدد غير ممكنة الوجود منطقياً وعملياً (المصدر نفسه: 25). لم يمنع هذا العطل النظري في توصيف الدولة أن يكون لهذه النظرية الأثر الفادح على دول العالم، وخصوصاً دول العالم الثالث.
وفي تعريف ها ــ جون شانغ للنيو _ ليبرالية، تمييز لها عن النظرية الاقتصادية النيو _ كلاسيكية، التي قدمت نماذج ذات مستوى نظري رفيع، ولم تكن بالضرورة وعلى الدوام ضد تدخّل الدولة في الاقتصاد. يرى شانغ أن النيو _ ليبرالية هي ثمرة «زواج مصلحة» عقدته المدرسة النيو _ كلاسيكية مع المدرسة الإباحية في الاقتصاد الممثلة بالمدرسة النمسوية، وفريدريش فون حايك بالتحديد. هذا ما جعلها تتخلى عن رصانتها النظرية، لصالح اعتماد خطاب تعبوي ونضالي، لمصلحة الحرية الاقتصادية غير المقيّدة، مستمد من المدرسة النمسوية (شانغ، 2000: 4). هذه الأخيرة هي ضد تدخّل الدولة في الاقتصاد، وكل الحجج مقبولة في هذا الإطار. قصد شانغ بالتخلي عن الرصانة العلمية، اعتماد النيو _ ليبرالية خطاباً بقصد التعبئة، يقيم فصلاً بين الخطاب الأكاديمي «الجدّي» والخطاب «الشعبي» في السياسة الاقتصادية. يسوّق هذا الأخير، أنه لا ينبغي أن تتدخّل الدولة، في أغلب الحالات إن لم يكن كلّها، «لكي لا تحبِط روح المبادرة» عند المستثمرين (شانغ، 2000: 7).
تظهر في نص إيفانز وسويل مرجعية المفكِّرَين ميلتون فريدمان وفريدريش فون حايك، أهم للنيو _ ليبرالية من إسهامات مفكري تيار النفعية الجديدة الذين تتالت مساهماتهم خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات. وتبدو أهمية هاتين المرجعيتين في إعادة تعريف دور الدولة بشكل مختلف عن ذلك الذي عبّرت عنه الليبرالية الكلاسيكية خلال التاسع عشر وأول القرن العشرين. فالدولة في التعريف الليبرالي الكلاسيكي هي دولة «اليد المرفوعة»، التي تنأى بنفسها عن التعاطي في الشأن الاقتصادي. وهي تصبح في تصوّر حايك وفريدمان لها دولة ناشطة (active)، تقع عليها مسؤولية بلورة التشريعات واتخاذ المبادرات التي تجعل من الاقتصاد ميداناً للمبادرة الخاصة حصراً، غير مقيّد بأي تدخّل من قبل الدولة فيه (إيفانز وسويل: 16).


3ـــ النيو ــ ليبرالية والدول النامية

اختصر «توافق واشنطن» التصوّر لسياسات التنمية الذي جاءت به المقاربة النيو _ ليبرالية. عكست التوصيات العشر كما جاءت بقلم ويليامسون هذا التصوّر (ويليامسون، 1994). يمكن اختصار هذه التوصيات تحت أربعة عناوين: 1) خفض الإنفاق العام وإعادة توجيهه والالتزام بقاعدة توازن الموازنة العامة؛ 2) إرساء حالة حرية تبادل كاملة للسلع والخدمات والرساميل؛ 3) تحرير الأسعار، وخصوصاً سعر الفائدة وسعر صرف العملة، من تدخّل الدولة، ووضعها في عهدة قوى السوق؛ 4) تحرير الاقتصاد من النظم والتشريعات التي أوجدتها الحقبة السابقة في مختلف الأنشطة والقطاعات، وخصخصته إلى أبعد حد ممكن. وصف شارل غور التحوّل الذي طرأ على سياسات التنمية بفعل الخطاب النيو _ ليبرالي، بأن هذه السياسات لم تعد تعكس قراءة تاريخانية للتنمية، أي بوصفها حركة للمجتمع بأكمله، متموضعة في الزمن. أصبحت نقطة الانطلاق عندها «تقييم الفعالية» (performance assessment)، بصرف النظر عن الزمان والمكان (غور، 2000، 794). نأى اقتصاديو التنمية ابتداء من الثمانينيات بأنفسهم عن النقاش الغني القديم حول شروط التنمية، بوصفها «مواجهة مع التخلّف بكل صوره»، كما يقول هيرشمان، وأعادوا تعريف دورهم، بوصفهم معنيين فقط بإعداد تقارير تتناول «تقييم فعالية» الاقتصادات المختلفة وقطاعاتها ومؤسساتها (هيرشمان، 1981: 21). والفعالية وحسن رصد الموارد، عنصران رئيسيان في النظرية النيو _ كلاسيكية. تتسبّ الدولة بسوء رصد الموارد، إذا فرضت عوائق على التجارة الخارجية، كالرسوم الجمركية، وإذا أنشأت أو أجازت إنشاء مؤسسات احتكارية. ينجم عن ذلك في الحالتين إلتواءات في الأسعار (distortions)، تؤدي إلى سوء رصد الموارد ونقص الفعالية. هذا ما تقوله لنا النماذج النيو _ كلاسيكية الشديدة الأناقة. كيف استفادت المقاربة النيو _ ليبرالية من هذه النماذج؟ استخدمتها المؤسسات الدولية، تحت عنوان «تقييم الفعالية»، لدفع كل بلدان العالم الثالث إلى التخلي عن ترسانتها الحمائية، وعن أدوار الدولة التدخلية فيها، وخصوصاً تدخلاتها في ميدان تحديد الأسعار.
أما التحوّل الآخر في ميدان سياسات التنمية، الذي انطوى عليه «توافق واشنطن»، فهو تعيينه لبلدان العالم الثالث هدفاً يجب عليها بلوغه، هو الانتماء إلى النظام الاقتصادي الدولي الليبرالي (غور، 2000: 793). فهو يوفر لها منافع لجهة تدفّق الرساميل والاستثمارات، ويحقّق التنمية.
ويرى هنري بريتون أن دفع بلدان العالم الثالث إلى الانفتاح على السوق الدولية، من دون أن تكون قد توفرت لها مسبقاً، شروط تجعلها قادرة على الاستفادة من الانفتاح، كان في أصل الفشل الذريع في التنمية خلال الحقبة النيو _ ليبرالية (بريتون، 1998: 929). وبالنسبة له، فقد دُفِعت البلدان النامية إلى اعتماد «التوجّه نحو الخارج»، من دون أن تكون قد حازت مسبقاً مقدرة تكنولوجية، تتيح لها إنتاج سلع تستطيع تصريفها في السوق الدولية.


4ــ النتائج

إنها أرقام ماديسون لعام 2008، التي يستخدمها الجميع للمقارنة بين حقبة النيو _ ليبرالية وحقبة «استبدال الواردات» التي سبقتها. اعتمد إيفانز وسويل هذه الأرقام للتأكيد أن نجاح النيو _ ليبرالية لم يكن أبداً في ميدان النمو. وهي لم تنجح في تحسين مستوياته. اقتصر نجاحها على نزع السلطة من القوى التي حققت التسوية التي أعطت العصر الذهبي، بعد الحرب العالمية الثانية. وهي نقلت هذه السلطة إلى القوى المحافظة التي عكست مصالح أصحاب الريوع المالية، أو الرأسمال المالي (إيفانز وسويل: 21 و 25). بيّن هنري بريتون في المقارنة بين حقبة النيو _ ليبرالية وحقبة «استبدال الواردات» التي سبقتها، أن النمو المتحقّق تراجع إلى نصف ما كان عليه في الفترة السابقة (بريتون، 1998: 927). وبيّن شانغ وغرابل أن نمو الدخل الفردي في البلدان النامية انتقل من 3 بالمئة في السنة، خلال 1960 ــ 1980، إلى 1.5 بالمئة خلال 1980 ــ 2000 (شانغ وغرابل، 2004: 276).
ولعل أخطر نتائج النيو _ ليبرالية طالت الدول الأضعف في العالم. حرمت السياسات النيو _ ليبرالية الدولة الضعيفة في أفريقيا السوداء من الحد الأدنى من الموارد الذي كان يغذي شبكات المنافع التي أوجدها رؤساء القارة، لصون وجودهم في الحكم، وعجّلت في تحوّل هذه الدول الضعيفة إلى دول فاشلة أو منهارة. وهو ما عبّر عنه انشقاق الأقطاب السياسيين عن السلطة المركزية، وتحوّلهم إلى «أمراء حرب» (رينو: 2003: 232 ــ 233). استباح هؤلاء شعوب القارة بالميليشيات الإجرامية التي استخدموها.
ثانياً: البرنامج الاقتصادي لـ«اقتصاد اليوم التالي»
ألتزم في البرنامج الاقتصادي المقترح لـ«اقتصاد اليوم التالي»، بما جاء في المقدمة، من أن النص هو عرض للأدبيات. وأقتصر فيه على استعراض مقاربات ثلاثة مفكرين رئيسيين، هم: هنري بريتون وها - جون شانغ وبيتر إيفانز.


1ــ السيادة كشرط للتنمية

في القراءة المقارنة التي قدمها بيتر إيفانز للتجربتين، الأميركية اللاتينية والشرق آسيوية، أبرز إلى أي مدى كان غياب الاستثمار الأجنبي المباشر في الأخيرة منهما، أي الآسيوية، عامل نجاح في التنمية، في حين أن الحضور القوي لهذا الاستثمار في التجربة الأميركية اللاتينية كان أحد معالم إخفاقها النسبي في التنمية (إيفانز، 1987: 206-209).
وقد رأى غور أن دمج اقتصادات العالم كلّه في النظام الاقتصادي الدولي الليبرالي مثّل جوهر «توافق واشنطن». وبيّن شانغ بالوقائع دأب المؤسسات الدولية على نزع استقلالية البلدان النامية في صوغ سياساتها الاقتصادية، مظهراً انحسار «مساحة الاستقلالية» (policy space) في هذا المجال، عند هذه البلدان. كانت المؤسسات الدولية تقصِر مطالباتها للبلدان النامية في بداية الثمانينيات على تحرير التجارة الخارجية. وباتت شيئاً فشيئاً تتدخّل في كلِّ تفاصيل السياسات الاقتصادية لهذه البلدان، وتملي عليها الإجراءات المطلوب اعتمادها (شانغ، 2006: 3). أظهر العقد الأول من هذا القرن، المحاولات المتكرّرة للولايات المتحدة، لإجبار البلدان النامية على إزالة الرسوم الجمركية التي تعتمدها، وتحقيق هدف «الصفر رسوم»، ولفرض العمل بالاتفاقية الدولية للاستثمار (M.I.A.)، التي تمنع البلدان النامية من ممارسة أية رقابة على دخول الرساميل إليها وخروجها منها (المصدر نفسه: 3). أشار أيضاً إلى تواطؤ نخب البلدان النامية المستفيدة من تحرير حركة الرساميل معها. وحين لم تكن الولايات المتحدة تنجح في تحقيق هذه الأهداف ضمن إطار منظمة التجارة العالمية، كانت تعود وتحصل عليها في الاتفاقيات الإقليمية أو الثنائية التي تكون طرفاً فيها.
يمثّل نزع استقلالية البلدان النامية في صوغ سياساتها الاقتصادية، والعمل على إزالة كل العوائق على حركة السلع والخدمات والرساميل، عودة إلى ما كانت عليه الأمور خلال الحقبة الاستعمارية. كانت إنكلترا تعتبر محاولات مستعمراتها إقامة نشاطات تنافس صناعاتها، أعمالاً «غير مشروعة». وقد استهدفتها بكل إجراءات المنع الممكنة. وهي منعت إنتاج الحديد والصلب في أميركا، والمنسوجات القطنية في الهند، والمنسوجات الصوفية في إيرلندا، إلخ (المصدر نفسه: 7-8). بل استطاعت إجبار الدول الأخرى، التي كانت تستطيع إطلاق طاقات كامنة آنذاك، من اليابان إلى الصين والبرازيل والسلطنة العثمانية وغيرها، على توقيع «اتفاقيات غير متكافئة»، عنوانها تحرير التبادل معها، ومنعها من استخدام الحمائية لصون اقتصاداتها. كان تحرير المبادلات المفروض قسراً، ونزع استقلالية البلدان المختلفة في صوغ سياساتها الاقتصادية، الطريقة التي اعتمدتها القوى الاستعمارية لمنع هذه البلدان من تحقيق تصنيعها.
الأمر هو نفسه اليوم. يرى شانغ أن تشدّد البلدان الغربية مع البلدان النامية لجهة استخدام هذه الأخيرة حريتها في ميدان السياسة الاقتصادية عكَسَ الرغبة بـ«وضعها عند حدّها»، بعد موجة المطالبات التي عبّرت عنها خلال سبعينيات القرن الماضي، من أجل «نظام اقتصادي دولي جديد» أكثر تكافؤاً. بل تُبرِز المفاوضات ضمن إطار منظمة التجارة العالمية بأوضح الصور، «فضائح» استهداف البلدان النامية من قبل البلدان الصناعية، التي تدير المفاوضات وتعيّن أهدافها (المصدر نفسه: 13-18). بإقناع بلدان العالم الثالث بأن عليها أن تنتمي إلى النظام الاقتصادي الدولي الليبرالي، وإقناعها بضرورة أن تتخلى الدولة فيها عن التدخّل في الاقتصاد، وإقناعها بإزالة العوائق على مبادلاتها مع الخارج، نشأ نظام دولي جهنّمي، دفعت هذه البلدان ثمنه انهياراً للتنمية فيها، وتهديداً لكياناتها السياسية. إن إصرارها على استعادة سيادتها واستقلاليتها في ميدان السياسة الاقتصادية هو المدخل إلى التنمية لديها.


2ــ الشروع بـ«التصنيع المتأخر»

أول بند على جدول أعمال البرنامج الاقتصادي لـ«اقتصاد اليوم التالي»، هو «التصنيع المتأخر». وأكتفي هنا بتعريفه، وتعيين سياسة التمويل والسياسة التجارية والسياسة التكنولوجية المطلوبة لتحقيقه.
تفرض قراءة هنري بريتون لتجربة «استبدال الواردات» نفسها كمنطلق للحديث عن السياسة التنموية البديلة، لأنها الأفضل في تعيين أسباب الفشل التنموي، ولأنها تقترح إجراءات ملموسة في مواجهة هذا الفشل. يعود فشل تجربة «استبدال الواردات» في تحقيق «التصنيع المتأخر» للبلدان النامية، إلى أنها أهملت هدف تصنيع السلع التجهيزية (capital goods)، أي الآلات (بريتون، 1998: 913). اختارت هذه البلدان السهولة، من خلال اعتماد أسعار صرف مرتفعة، أتاحت شراء الآلات المستخدمة في الصناعة من السوق الدولية، بكلفة منخفضة. وهو ما شكّل نوعاً من دعم للاستثمار. أتاح ذلك إنشاء صناعات تجميعية جرت حماية سوقها الداخلية بالرسوم الجمركية وغيرها. هذا ما جعل المنتجين المحليين يتخلّون عن هدف إنتاج الآلات، أي إقامة قاعدة تكنولوجية وطنية مستقلة، تكون المدخل إلى التصنيع المتأخر وتعبّر عنه.
يعود استخدام تعبير «التصنيع المتأخر» لتعريف مشروع التنمية برمّته، إلى هيرشمان، علماً بأن غرشنكرون هو من استخدمه أولاً لوصف تجربة الدول الأوروبية الآتية متأخرة إلى التصنيع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وصف هنري بريتون من جهته، التنمية باعتبارها «مراكمة للتعلّم والتمرين» (knowledge and learning accumulation) (بريتون، 1998: 903). تعريف التنمية هو نفسه إذاً عند هيرشمان وبريتون. والمقصود هنا هو التمرين التكنولوجي. أي تتحقّق التنمية بوصفها «تصنيعاً متأخراً»، من خلال إعادة تصنيع السلع التجهيزية التي كان يتم استيرادها، بواسطة «التمرين» (learning by doing)، الذي يتم على مستوى المؤسسة.
و«التمرين» هو هنا عمل بحثي يحصل «على الأرض» (أمسدن، 1993: 328). وقد أوضحت أليس أمسدن، هذا الاختلاف بين التصنيع في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، من خلال اختراع تقنيات وسلع جديدة، وهو ما فسّره جوزيف شومبيتر، وجعله مصدر النمو، وبين «التصنيع المتأخر» للبلدان النامية، عقب الحرب العالمية الثانية، الذي يمثّل «التمرين» على مستوى المؤسسة، بدعم من الدولة وإشرافها، جوهره (المصدر نفسه: 327). يتيح «التصنيع المتأخر»، الذي يختصره «التمرين» إنتاج السلع المتداولة ذاتها وفق مواصفات جديدة، أي بميزات نسبية تتيح بيعها في السوق الدولية. ولا يمكن التحدث عن نجاح التنمية إذا لم يتحقّق.
تم تمويل مشروع التنمية برمّته في التجربة الآسيوية، من قبل المصارف المحلية، تحت إشراف الجهاز المركزي الممثّل بـ«المصرف الوطني للتنمية». عكست التجربة خيار إيكال مهمة التمويل للجهاز المصرفي الوطني، بديلاً من الأسواق المالية (واد، 1988). أثبتت التجربة كما وصفها شانغ، أنها كانت على نقيض كل النظريات النيو _ كلاسيكية لتمويل التنمية، التي طالبت بتحرير سعر الفائدة ووضعه في عهدة قوى السوق. اعتمدت الدولة التنموية أسعار فائدة إدارية ومخفوضة، كانت جزءاً من مقاربة شاملة لتمويل التنمية، يختصرها مفهوم «تأميم مخاطر الاستثمار»، أي تحمّل المجتمع مع المستثمرين هذه المخاطر (شانغ، 2002).
أتخذ مجدداً من نص بريتون نقطة انطلاق لتعيين متطلبات «التصنيع المتأخر» في ميداني السياسة التجارية والسياسة التكنولوجية. أول المتطلبات، إعادة الاعتبار للحمائية، وللرسوم الجمركية خصوصاً، كأداة لحماية المنشآت الصناعية المنخرطة في عملية «التمرين التكنولوجي». تستظل المؤسسات هذه الحماية، لكي تتمكّن من متابعة جهودها في «التمرين التكنولوجي» وحيازة الفعالية (بريتون، 1998: 931). تختلف هذه الحمائية عن تلك التي اعتُمِدت ضمن إطار «استبدال الواردات»، وأمّنت للمؤسسات ريوعاً سهلة، أثنتها عن متابعة هدف بناء مقدرتها التكنولوجية وحيازة التنافسية الدولية.
نجد عند شانغ التركيز ذاته الذي نجده عند بريتون على السياسة التجارية وأدواتها، كوسيلة لحماية المؤسسات المنخرطة في عملية التمرين التكنولوجي خاصتها. وهو يشدّد على أن لا تتخلّى البلدان النامية عن ترسانة الأدوات الحمائية التي تمتلكها، وخصوصاً الرسوم الجمركية، مهما كان الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية عليها (شانغ، 2005: 18-24). ويرى أن عليها أن تعيد النظر في السقوف المنخفضة لرسومها الجمركية، التي وافقت عليها خلال مؤتمر الأوروغواي، وبعد إنشاء منظمة التجارة العالمية (شانغ: 2006: 17). يُظهِر ما سبق أن «التمرين» هو جوهر عملية «التصنيع المتأخر». هذا ما ينبغي أن يشكّل محتوى السياسة التكنولوجية المطلوبة. يفصّل شانغ وشيما في شأن السياسة التكنولوجية، من خلال التمييز بين المقاربة النيو _ كلاسيكية التقليدية التي تعوّل على المنافسة في الأسواق لإكساب المؤسسات فعاليتها، ولا ترى أن ثمة مرحلة «تمرين» تمرّ بها المؤسسات الصناعية قبل حيازة التنافسية، وبين المقاربة المناقضة لها (شانغ وشيما، 2001: 14). تُظهِر هذه الأخيرة أنه لا بد من تدخّل الدولة عبر «خلق ريوع» للمؤسسات الصناعية، تمثل الرسوم الجمركية إحدى أدواتها، تمكنها من تمويل تمرينها التكنولوجي (المصدر نفسه: 21).
في نص سابق (داغر، 2012)، استخدمتُ دراسة شانغ وسعيد وصقر المشوّقة حول مصر، والتي أُعدّت عام 1992. وهي وضعت على طرفي نقيض ما كان يجري في مصر من تركيز على تحقيق مداخيل ريعية، من السياحة ومداخيل الترانزيت من قناة السويس وبيع النفط والغاز والمساعدات، إلخ...، وما تقتضيه استعادة مشروع «التصنيع المتأخر» المتوقّف في مصر منذ أواخر الستينيات. وهي تقتضي «خلق ريوع» للمؤسسات الإنتاجية، تستخدمها لتحقيق «تمرينها التكنولوجي» (شانغ وسعيد وصقر، 1997: 22).

3ــ تطوير الزراعة

استعاد هنري بريتون النقاش الذي تم بشأن الزراعة في أوساط اقتصاديي التنمية الأوائل، بدءاً من أرتور لويس، وموقف هذا الأخير «السلبي» منها، بوصفها قطاعاً ريفياً آيلاً إلى الزوال، بفعل تمدّد النواة الصناعية الحديثة على حسابه. وذكر أعمال رانيس وفاي، اللذين حاولا إيجاد موقع للزراعة ودمجها في التصور للتنمية وفق نموذج «النمو المتوازن» الذي طرحاه. ويرى بريتون أن التركيز على التنمية بوصفها تصنيعاً، وإهمال القطاع الزراعي، أديا الى جعل هذا الأخير بمثابة «القريب الفقير» في سياسات التنمية المعتمدة، وإفشال مشروع التنمية نفسه. حرم إهمال الزراعة، الصناعة المحلية جمهوراً واسعاً كان يمكن أن يشكل مصدراً رئيسياً للطلب على السلع الصناعية المنتجة (بريتون، 1998: 914). وقد عرض بريتون النموذج الناجح في دمج الزراعة في مشروع التنمية خلال القرن العشرين، وجسّدته أيضاً تجربتا كوريا الجنوبية وتايوان (المصدر نفسه: 922).
استخدم شانغ تجارب الزراعة في الماضي، واقترح سياسة زراعية للحاضر والمستقبل، تقوم على تدخّل الدولة، وحصَرَ إجراءاتها تحت عنوانين: سياسة المُدخَلات وسياسة المنتَج (شانغ، 2010). تبدأ التدخلات المطلوبة من الدولة تحت العنوان الأول، بالإصلاح الزراعي، بمعنى إشراف الدولة على توفير حيازات للمنتجين «قابلة للحياة»، واستصلاح الأراضي، وتوفير الأسمدة والمبيدات بأسعار مدعومة، والتسليف للمزارعين، وإقامة شبكات الري وطرق المواصلات، إلخ. وتهدف الإجراءات تحت العنوان الثاني، إلى تثبيت مداخيل المزارعين، وجعلها في مستوى يشجّع هؤلاء على المتابعة. ويكون ذلك، بتوفير الدعم المباشر للمزارعين، أو باعتماد أسعار إدارية لمنتجاتهم، توفر لهم مداخيل لائقة، كما أظهرت التجربة في أوروبا وأميركا، أي بعدم تركهم تحت رحمة السوق. والإجراءات الأخرى التي تحقّق هذا التثبيت هي خدمات التخزين والتأمين للسلع المصدّرة، إلخ.

4ــ اعتماد التخطيط المركزي وبناء الإدارة العامة

عن أي نوع من التخطيط نتحدّث، وما هو دور قوى السوق فيه؟ عرف القرن العشرون نوعين منه، أولهما التخطيط الشامل، حيث الدولة والخطة تحلّان محل السوق وتلغيانه. جسّد التخطيط المسمى تأشيرياً، النوع الآخر من التخطيط، حيث تتولى الدولة أو الخطة تعيين الأهداف الكبرى، وتقدم حوافز للقطاع الخاص لبلوغها. طبّقت الدولة التنموية الآسيوية هذا النوع الثاني من التخطيط، مقروناً بالحوافز. وجاءت فرادتها من أنها وفرت حوافز قوية للقطاع الخاص جعلته يسير في مشروعها.
أي أن هذا النوع من التخطيط يفترض وجود الدولة والسوق في الوقت عينه. ويفترض بالدولة أن لا تنشئ مؤسسات عامة إلا في حالات «إخفاق السوق»، أي في تلك التي يمتنع فيها القطاع الخاص عن الاستثمار. خارج تلك الحالات حصراً، تعمل الدولة على أن يكون القطاع الخاص هو المستثمر ومحرّك النمو.
يُفترَض بهيئات التخطيط المركزي أن تكون مجموعات تفكير (think tank)، وأدوات تنفيذية في الوقت عينه. وهي لا تكتسب هذه المقدرة إلا إذا احتلّت مركز القلب في النظام السياسي القائم. وفّر دور هيئات التخطيط في الدول التنموية في آسيا نماذج يمكن استيحاؤها. وقد اعتبر شالمرز جونسون أن جهاز التخطيط المركزي الممثّل بـ»وزارة التجارة الخارجية والصناعة» (MITI) في اليابان، هو المسؤول عن كل نجاحات اليابان كقوة صناعية هائلة، وبلد مصدّر بعد الحرب العالمية الثانية.
ليست الإدارة العامة إذاً مجرّد تفصيل، بل هي العنصر الأهمّ في إنجاح مشروع التنمية أو إفشاله. يمكن للاختصار، اقتراح نموذجين للإصلاح الإداري المطلوب، الأول منهما يجسد الحد الأقصى للإصلاح الإداري، وقد عبرت عنه التجربة الكورية. أما الثاني فيجسّد الحد الأدنى للإصلاح، وجسدته التجربة التايلاندية. في الحالة الأولى، بدأ الجنرال بارك مشروعه في نقل كوريا من استراتيجية «استبدال الواردات»، إلى استراتيجية «التوجّه نحو الخارج»، بإصلاح إداري شامل، عبّر عنه التطهير الذي طال كل الإدارة العامة واستبدلها بإدارة فعّالة جديدة (إيفانز، 1992؛ شنغ وهاغار وكنغ، 1998). واختارت الباحثة أليس أمسدن التجربة التايلاندية، واقترحتها نموذجاً يمكن لكثير من بلدان العالم الثالث اعتماده (أمسدن، 2000). تُنشئ الدولة في هذه الحالة جهاز تخطيط يتولى رصد القطاعات والمؤسسات القادرة على إنتاج السلع التجهيزية، إذا وُفّر لها الدعم. يُشرِف هذا الجهاز على خوضها التجربة، بتوفير ما يلزم لها من حماية وتسليف ودعم، مطبّقاً المبدأ العام الذي اعتمدته الدول التنموية، الذي اختصرته أليس أمسدن بمفهوم «آلية الضبط المتبادل». وهو يعني اشتراط أن تحقّق المؤسسات المعنية الفعالية الإنتاجية المطلوبة، بأفق زمني يتم الاتفاق عليه، مقابل الدعم الذي توفره الدولة لها. «آلية الضبط المتبادل» هي ما ميّز تجربة الدولة التنموية الآسيوية، وإليها يعود نجاح عملية «التصنيع المتأخر» التي تحقّقت.
(ورقة مقدمة إلى ندوة «الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية»، القاهرة، السبت في 28/12/2013، بعنوان : ضد النيو ــ ليبرالية: خلفية نظرية لـ«اقتصاد اليوم التالي»)

المراجع
Amsden Alice, “Asia’s Industrial Revolution: “Late Industrialization” on the Rim”, in Dissent, Summer, 1993, pp. 324-332.
Amsden Alice, “Industrialization Under WTO Law”, in UNCTAD X, High-Level Round Table on Trade and developpement: Directions for the Twenty-First Century, Bangkok, 12-19 Feb., 2000, 16 pages.
Bruton Henry, “A Reconsideration of Import Substitution”, in Journal of Economic Literature, Vol. 36, June 1998, pp. (903-906).
Chang Ha-Joon, ‘Policy Space in Historical Perspective – with special reference to Trade and Industrial Policies’ Economic and Political Weekly, 2006, vol. 41, no. 7, 18 February, 2006.
Chang Ha-Joon, “An Institutionalist Perspective on the Role of the State – Towards an Institutionalist Political Economy” in L. Burlamaqui, A. Castro & H-J Chang (eds.), Institutions and the Role of the State, Edward Elgar, London, 2000.
Chang Ha-Joon, Ali Cheema, "Conditions for Successful Technology Policy in Developing Countries-Learning Rents, State Structures, and Institutions", United Nations university, Institute for New Technologies, Discussion Paper Series, December 2001, 64 pages.
Chang Ha-Joon, Chul-Gyue Yoo, “The Triumph of the Rentiers? The 1997 Korean Crisis in a Historical Perspective” in J.Eatwell, L.Taylor (eds.), International Capital Markets, Oxford university press, 2002.
Chang Ha-Joon, Ilene Grabel, “Reclaiming Development from The Washington Consensus”, in Journal of Post Keynesian Economics, Winter 2004-2005, vol.27, N.2, pp. 273-291.
Chang Ha-Joon, Rethinking Public Policy in Agriculture: Lessons from History, Distant and Recent, Univ. of Cambridge, 2010, 31 pages.
Chang Ha-Joon, Why Developing Countries Need Tariffs : How WTO NAMA Negociations Could Deny Developing Countries Right to a Future, South Center-Oxfam, November 2005, 113 pages.
Chang H-J., Said M. and Sakr K., 'Industrial Policy and the Role of the State in Egypt: The Relevance of the East Asian Experience' in Handoussa H. (ed.), Economic Transition in the Middle East: Global Challenges and Adjustment Strategies, Cairo: American University of Cairo Press, 1997, pp.219-262.
Cheng T., Haggard S., Kang D., “Institutions and Growth in Korea and Taiwan: The Bureaucracy”, in Journal of Development Studies, vol. 34, n. 6, 1998.
Evans Peter, "A comparative Institutional Approach", in P. Evans, Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation, Princeton Univ. Press, 1995, pp. 21-42.
Evans Peter, "The State as a Problem and Solution: Predation, Embedded Autonomy and structural Change", in S. Haggard, R. Kaufman (eds.), The Politics of Economic Adjustment, Princeton univ. press, 1992.
Evans Peter, “Class, State, and Dependence in East Asia: Lessons for Latin Americanists”, in Frederic Deyo (ed.). The political economy of the new Asian industrialism, Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, c1987, repr.1994.
Evans Peter, William H. Sewell, Jr., “ The Neoliberal Era: Ideology, Policy, and Social Effects”, in Peter Hall and Michele Lamont (eds.), Social Resilience in the Neo-Liberal Era, Cambridge University Press, 2013.
Gore Charles, “The Rise and Fall of the Washington consensus as a Paradigm for Developing Countries”, in World Development, vol. 28, N o5, pp. 789-804, 2000.
Hirschman Albert Otto, “The Rise and Decline of Development Economics”, in A. Hirschman, Essays in Trespassing: Economics to Politics and Beyond, Cambridge University Press, 1981, pp. 1-24.
Reno William, “The Changing Nature of warfare and the Absence of State-Building in West Africa", in D. Davis, A Pereira (eds.), Irregular Armed Forces and their Role in Politics and State Formation, Cambridge Univ. Press, 2003.
Seccareccia M., A. Parguez, “Les politiques d’inflation zéro: la vraie cause de la hausse tendancielle du chômage dans les pays occidentaux”, Working Papers, Département de sciences économiques-Université d’Ottawa, 22 pages, 1998.
Seccareccia M., M. Lavoie, “Les idées révolutionnaires de Keynes en politique économique et le déclin du capitalisme rentier”, in Economie Appliquée, n. 1, 1989, pp. 47-69.
Wade Robert, “The Role of Government in Overcoming Market Failures”, in H. Hugues (ed.), Achieving Industrialization in Asia, Cambridge University Press, 1988.
Williamson John (ed.), The Political Economy of Policy Reform, Washington D C: Institute for International Economics, 1994, pp. 26-28.

ألبر داغر، من أجل سياسة تنموية عربية: منطلقات مغايرة للطرح النيو-ليبرالي، (بيروت : دار منتدى المعارف، 2012)، 144 صفحة.


* باحث لبناني