من نكبات اليسار العربي أن الشيوعيّة العربيّة («السوفياتيّة»، على قول هربرت ماركوزه في كتاب عن الموضوع) قمعت استيراد تيّارات يساريّة مغايرة للستالينيّة البكداشيّة. لم تسمح تنظيمات اليسار العربي بانطلاق تيّارات ماركسيّة غير لينينيّة (أو حتى لينينيّة غير ستالينيّة). أدّى هذا إلى جمود في الفكر اليساري العربي: تجوّل في أعداد كثيرة من مجلّة «الطريق»، والتي فرض فيها عبد الكريم مروّة جدانوفيّة لا تقبل التأويل، يصدمك تكرار الاجترار الموسكوبي المصدر. حتى ماركس، لم يكن مسموحاً قراءته إلا عبر ترجمات غير نزيهة وغير دقيقة لـ«دار التقدّم» في موسكو (حاول العفيف الأخضر تقديم ترجمة جديدة لـ«البيان الشيوعي»، لكنها كانت ترجمة عن ترجمة فرنسيّة وحوت إسقاطات استشراقيّة في حواشيها). هذا التعويل من قبل الوهابيّة البكداشيّة ــ الحاويّة على الأب الروسي الراعي مسؤول في جانب عن الانهيار الفظيع الذي أصاب اليسار العربي بعد اندثار الاتحاد السوفياتي، أو قبله بسنوات. والدول التي احتضنت يساراً غير سوفياتي، استطاع اليسار فيها أن يستمرّ بعد نهاية الحرب الباردة. حتى النسق الماوي والتروتسكي من الماركسيّة، لم تسمح به قوميسارات اليسار العربي.

كان لمفمهوم «الاغتراب» الماركسي جذوره الهيغليّة (لم تصدر عن الماركسيّة العربيّة دراسات عن هيغل صاحب التأثير الأكبر على التراث الماركسي، لأنه كان وفق التصنيف السوفياتي المُعلّب فيلسوفاً بورجوازياً فقط ـــ لم تصدر الترجمة الكاملة لـ«فينامينالوجيا الروح» بالعربيّة إلا عام 2006)، وكانت «الغربة» عند هيغل هي في اغتراب أو ابتعاد «الروح» (أو «غايست» بالألمانيّة، إذ إن كلمة الروح لا تفي بالغرض، لأن الأصل يحتمل معنييْن على الأقل) عن العالم، أو في عدم التوفيق بين الروح الإنسانيّة المُجتمعة مع نفسها ومع العالم. وتكون الحقيقة «الخفيّة» للتاريخ في توحيد الفكر والوجود، وهذه الحقيقة تكشف عن نفسها من خلال جدليّة مطردة تدفع بالتاريخ قدماً ـــ أي الديالكتيك الإيجابي (وهذا ما حسمه فرانسيس فوكوياما عندما توصّل إلى اقتناع «نهاية التاريخ» لكن من خلال فهم أقل تعقيداً لما عناه هيغل عن فناء الذات ـــ لو أردنا استعمال المصطلحات الصوفيّة ـــ في العالم كحقيقته).
ينفصل كارل ماركس عن هيغل في استنتاجه. ليس الوجود الإنساني فكراً وليس التاريخ مسيرة فكريّة. الحقيقة «الأرضيّة» هي الأساس. الفكر الإنساني هو انعكاس وتلبية لحاجات ماديّة. ولا يكون علاج الاغتراب في فهم فكري للذات بل في تخطّي الاغتراب عبر تحقيق المجتمع الشيوعي لإحداث تغيير جذري في الحياة المعيشة. الصيغة التي طرحها ماركس في مقدّمة «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي»، حيث التغيير في نمط الإنتاج يؤدّي حكماً (أو ميكانيكيّاً لو أردنا نقد المفهوم الماركسي) إلى تغيير «البنية الفوقيّة التي تضم الدين والثفاقة والتراث والفولكلور وعدم المساواة والصراع والقمع والأحزاب والفن... إلخ. ويقول المعلّم ماركس في صيغة باتت شهيرة: «ليس وعي الإنسان هو الذي يقرّر وجوده، بل إنّ وجوده الاجتماعي (الطبقي بالمفهوم الماركسي) هو الذي يُقرّر وعيه». والعيش في المجتمع الشيوعي هو الذي سيؤدّي حسب ماركس إلى إنهاء حالة الاغتراب بين البشر، أو بين البشر والسلطة. والتراث الماركسي العربي اعتمد سوفياتياً على إهمال سياق تحليل حالة الاغتراب التي لم تصلنا بالكامل إلا في الثلاثينيات من القرن الماضي عندما نُشرت «مخطوطات باريس». أما ماركس في سنواته المتأخّرة فلم ينبذ كتاباته المُبكّرة، لكنه طوّر مفهوماً ميكانيكيّاً للتاريخ وقلّل من دور الذات (أو الفرد) الإنسانيّة، وقد يكون هذا الفهم (أو سوء الفهم لماركس اللاحق) هو الذي ساهم في نشر الخمول في وعي الطبقة العاملة.
هذه هي كانت نقطة الانطلاق في تطوير «الماركسيّة الغربيّة» وفي بلورة «مدرسة فرانكفورت» ونظريّتها «النقديّة». عمل جورج لوكاش، مثلاً، على العودة بماركس إلى صباه لكن عبر الاستعارة من فلسفات «بورجوازيّة». واستعارت تلك المدارس الفلسفيّة من هيغل (المرفوض سوفياتياً، وحكماً بكداشيّاً وحاوياً)، كما استعارت مثلاً مدرسة فرانكفورت ـــ موضوع حديثنا ـــ من فرويد وتحليله النفسي. وقد بنى هربرت ماركوزه على لغة فرويد ومصطلحاته عن القمع والاستبدال (أو تحوير غرائز أو دوافع غير مقبولة اجتماعيّاً أو دينيّاً إلى أنماط من السلوك المقبول اجتماعيّاً) في كتابه المهم، «إيروس والحضارة» (أخبرتني أرملة ماركوزه أنه كان جد مهتم بوضع الشعب الفلسطيني وقمعه من قبل العدوّ الإسرائيلي في سنواته الأخيرة مع قلّة مساهماته في الموضوع. وهو الوحيد من نتاج تلك المدرسة الذي عادى الصهيونيّة).
لم يكن هدف «الماركسيّة الغربيّة» أو «النظريّة النقديّة» طمس ماركس، بل إنعاشه وإحياءه وإنقاذه من التشويه النظري السوفياتي. يمكن أن نضيف أن الماركسيّة الغربيّة حاولت التوفيق مرّة أخرى بين هيغل وماركس، أو بين فرويد وماركس (أو بين ماركس وهيدغر في حالة جان بول سارتر الذي رأى في مفاهيم «الأصالة» و«القلق» إنقاذاً لماركس، لا تجاوزاً له). كتبَ كل هؤلاء في زمن انتعاش الدولة الرأسماليّة وثباتها وفي زمن انتعاش القوميّات الفاشيّة. لم تكن الثقافة والأساطير والأفكار مجرّد بنى فوقيّة مرتبطة بالبنى التحتيّة، بل كان لها حيويّتها التي نفت نظريّة سيطرة الدولة الرأسماليّة على السلطة من خلال القوة المحضة. وغرامشي درس طريقة فرض الهيمنة الرأسماليّة من خلال نظام متشعّب من السيطرة على الإعلام والمدارس والكنائس... إلخ. (درس ذلك في ما بعد على طريقة «الماركسيّة المُستقلّة» ـــ وهذا كان تعريف «هربرت ماركوزه» لنفسه، على ما أعلمني تلميذه في الخمسينيات في جامعة هارفرد، حنا بطاطو، والذي اعتنق ذلك التعريف أيضاً في مواجهة الشيوعية الأرثوذكسيّة العربيّة ـــ سي. رايت ميلز في كتابه «نخبة السلطة»). أما لوكاش فقد تمرّد على التفسير الميكانيكي وقدّم ضرورة فهم الجزء من الكلّ.
أما اسم «مدرسة فرانكفورت» فيعود إلى تلك المدرسة الفكريّة الأكاديميّة، أي «مؤسّسة فرانكفورت للبحث الاجتماعي» التي ضمّت مفكّرين ماركسيّين أو ماركسيّين متجدّدين، والتي تأسست عام 1923. لا نستطيع اختزال الإنتاج الهائل لتلك المدرسة ولا تنميط تياراتها المختلفة والمتنازعة أحياناً. وكان مفكّرو المؤسّسة يعملون وفق إيمان أو وهم حول استقلال الفكر أو النظريّة. لكن ما طبع اسم المؤسسة وعملها هو شخص وكتابات ماكس هوركهايمر الذي أطلق اسم «النظريّة النقديّة» على العمل نحو إنسانيّة ماركسيّة. ارتبطت «مدرسة فرانكفورت» بنقد الأيديولوجيا، أو ما عمل عليه ثيودور أدورنو (بعد كتابات مبكّرة لهوركهايمر) تحت عنوان «النقد الداخلي» («إيماننت كريتيك») أي الاستعانة بأدوات منهج ومفهوم معيّن من أجل نقده من داخله، وليس عبر أدوات خارجة عنه، وذلك من أجل تبيان التناقضات الكامنة فيه. وقد طبّق أدورنو نظريّته على الموسيقى متأثّراً بـ«كانت». لكنّ كتابات المجموعة عن الفن والأدب اتسمت بالنخبويّة: ليس هناك عندهم من فن جمالي على مستوى الجماهير، ولذلك عبّرا عن استعلاء نحو موسيقى الجاز.
إن المأخذ الكبير لفلسفة «مدرسة فرانكفورت» على الماركسيّة السوفياتيّة يكمن في تحوّل ماركسيّة القرن العشرين إلى علم اجتماع وضعي يركن إلى القوانين الحديديّة للتطوّر من نمط الإنتاج الرأسمالي إلى النمط الاشتراكي. واعتراض هوركهايمر كان على القدريّة السياسيّة التي أدت إليها تلك الوضعيّة. تناقض تحرير الطبقة العاملة مع الطغيان الذي وسم تجربة الماركسيّة السوفياتيّة. لكن هناك نزعات في «النظريّة النقديّة» لا تلتقي مع ماركس أو أنغلز (خصوصاً التي مثّلها هابرماس في التقائه مع «كانت» حول وجود القيم الإنسانيّة وإن اختلف معه في إصراره على مفاهيم التواصل والعقل العام، لا الخاص)، رفض الثنائي مقولة الفيلسوف «كانت» عن أن العقل يميط اللثام عن قيم أخلاقيّة إنسانيّة مشتركة. القيم الرأسماليّة والبورجوازيّة ليست إلا وسائل لإحكام قبضة الطبقة المُسيطرة (بات الأمر مكشوفاً في لبنان حيث انتزعت الحريريّة وورثتها الحريّة من الناس باسم الحريّة، وانتزعت الاستقلال باسم السيادة، وانتزعت رغد العيش باسم ازدهار ربيع موعود... إلخ).
رفض هوركهايمر ابتعاد الفرد عن الحالة الاجتماعيّة (أو ما سمّاه في دراسته المهمة «النظريّة التقليديّة والنقديّة» «الاكتفاء الذاتي الوهمي»). أوضح أن الرأسماليّة تتجلّى في العلاقة بين العلوم والتكنولوجيا والإنتاج. وبناءً عليه، تصبح «النظريّة النقديّة» «نشاطاً تغييرياً». كان يعتقد في السنوات المبكّرة أنّ المؤسّسة التي ترأسها ستساهم هي في بلورة وعي ثوري عند الجماهير. كان ذلك مُبكّراً جداً.
إن أهم ما يعنينا من مشروع «مدرسة فرانكفورت» في حقل اليسار العربي هو في نقد التنوير في حد ذاته، وخصوصاً أن مفاهيم التنوير وقيمه تُستخدم اليوم في العالم العربي من قبل سلطات وهّابيّة وجيوش استعماريّة ويسار زائف، وكل ذلك باسم الحريّة والجمال. إن متخرّجي حقبة النازيّة ابتعدوا عن الإيمان بالقدرات التحريريّة للطبقة العاملة (عبّر أدورنو عن خيبته بعد انتصار فرانكو في ملاحظة لوالتر بنجامين قائلاً: «إن الجماهير نفسها التي تهتف للغازي الفاشي هتفت قبل يوم فقط للمعارضة»). إن كتاب «ديالكتيك التنوير» لأدورنو وهوركهايمر (وهو متوافر بالعربيّة وهو أفضل تلخيص ـــ وإن صعباً ـــ لفلسفة «مدرسة فرانكفورت») يلخّص مشروع المؤسّسة. إن معنى «التنوير» يختلف عند الاثنيْن عن المعنى في كتابات ديكارت و«كانت» (وليد جنبلاط يحبّذ كتابات ديكارت الذي يستشهد به عندما يتذمّر من تخلّف العالم العربي، فيما يحبّذ طلال أرسلان كتابات «كانت» على الأرجح). إذاً كان السائد الظن أن التنوير استبدل قيم الأساطير، فإن الثنائي الفرانكفورتي يرى أن التنوير «أسطورة في حد ذاتها، ورجوع إلى الأساطير». وكانت النازيّة تعبيراً عن ذلك: فهي من ناحية تمزج بين الحديث (التكنولوجيا والتصنيع) والقديم والأسطوري (أسطورة التاريخ الآري الأسطوري، مثلاً).
إن موضوع بروز النازيّة شغل من هُجّر من بلادها بسبب صعودها. والنازيّة، وفق التحليل المذكور، ما هي إلا نتاج القيم والنظم والفكر نفسها التي انتشلت ذات مرّة البشريّة من البربريّة (راجع «الجدليّة السلبيّة» أدناه). تحوّلنا إلى نواحٍ تقاس وتُفصّل، وانتقص البعد الإنساني في حياتها (كما درسها ماركوزه في «الإنسان ذو البعد الواحد»)، وساد طغيان ما سمّاه ماركس «الولع بالسلع» (ماذا نقول في ذلك في عصر التكنولوجيا، والتحديث المستمرّ في «الأشياء» على اختلافها، من أجهزة هاتف إلى طعم الشاي إلى الأحذية التي تشغل عقول الناشئة أكثر من الكتب؟).
يكثر مروّجو الرأسماليّة في بلادنا، وهم أنفسهم أعداء المقاومة في لبنان، في وضع هذا الخيار أمام الناس: نموذج دبي أو هونغ كونغ مقابل نموذج غزة، وفق عنصريّي 14 آذار، وكأن حصار غزة وفقرها خيار وليسا احتلالاً خارجياً مفروضاً. لكن فكرة النموذج الرأسمالي الخاضع لنفوذ الغرب ومصالحه والخالي من القيم السياسيّة هو ما رفضه أدورنو وهوركهايمر. ليست الحداثة والعصرنة خالية من القيم والمعرفة العلميّة والتكنولوجيا الحديثة مرتبطة بالنظم الأيديولوجيّة، وهذا أساسي في العصر الحديث. ووسائل التحديث والتصنيع تزيد، ولا تقلّل، من القدرة على القتل وعلى العنف على مستوى جماهيري، كما فعلت النازيّة. وهوليوود، كما درس أدورنو في إقامته في أميركا، تمزج بين التكنولوجيا السينمائيّة والرومانسيّة وبنتيجة فعّالة من أجل إحداث جمهور خامل ومستكين على نطاق واسع. أما الثقافة فقد باتت «صناعة ثقافة» مليئة بـ«عبادة المشاهير». إن العقل في خدمة السيطرة، وليس العكس (ما سمّيانه «العقل الأدواتي»). والتكنولوجيا والمعرفة تُستعملان للسيطرة والاستغلال وليس للتحرير: والسيطرة هي من قبل بشر ضد آخرين ومن بشر ضد أنفسهم. الشعب يصبح وسيلة في عصر التكنولوجيا (يمكن إضافة مفهوم «التشيّؤ» («فردينغليشنغ» بالألمانيّة) لجورج لوكاش في كتابه «التاريخ والوعي الطبقي» من حيث هو عمل أو مسيرة «تحويل العلاقات والإنتاج البشري إلى ملكيّات»).
أحدثت «مدرسة فرانكفورت» ثورة في الفلسفة. عارض أدورنو المثاليّة الكانتيّة ورأى أن من الضروري التشديد على الجانب السلبي من الدياليكتيك. يقول في كتابه «الديالكتكيّة السلبيّة» إنها «تدعو إلى التأمّل الذاتي في التفكير... أي التفكير ضد ذاته. إذا لم يُقَس الفكر بالحد الذي يعصى على المفهوم، فإنه بادئ ذي بدء (يقع) في طبيعة الموسيقى المُصاحبة التي استحبّ ألـ«إس.إس.» استعمالها لإغراق صيحات الضحايا» («الدياليكتيّة السلبيّة»، ص. 365). والغني في تراث المدرسة المذكورة أنها كانت ـــ مثل الاستشراق ـــ متعدّدة الحقل والاختصاص في البحث، وهذا ثراء نفتقر إليه في عصر التقسيمات الأكاديميّة الجامدة (هل كان ماركس سيلتحق بكليّة فلسفة أم علم اجتماع أم سياسة أم اقتصاد، مثلاً، أم أنه لا مكان له في الأكاديميا المُعاصرة؟). يثور أدورنو لو علم أن كتابه دخل في نطاق الفلسفة، لأنه ثار ضد المبادئ العشوائيّة وحتى الحقيقة التي ما بعدها حقيقة. الفلسفة في حد ذاتها هي عنده تمرين في العبثيّة (السلبيّة) (وهنا يبرز تأثير نيتشه). رفض ديالكتيك الماركسيّين ورفض أن يكون طريقة أو تصنيف للعالم، هي المعارضة المستمرّة والمُتكرّرة لكل التصانيف والطرق التي تسعى إلى العالميّة أو الكليّة. وسلبيّة الديالكتيك تنشأ من رفض فكرة قدرة نظام ما على اكتناه التناقض الحتمي في واقع متغيّر باستمرار. هذا السلاح يمكن تطبيقه بقوّة في الفكر والممارسة اليساريين، وإن لم يرد أدورنو ذلك، أو لم يكترث له.
إن هذا النوع من النقد أساسي في مشروع تجديد اليسار خصوصاً، وكأن الليبراليّة وبعض اليسار وكل اليمين تتلاقى في العالم العربي حول نشر فكر السيطرة الاستعماريّة (الخارجيّة) والداخليّة من قبل أصحاب المليارات ورعاتهم في دول الخليج. هذا يفسّر التلاقي بين الوهابيّة وبعض اليسار وكل الليبراليّة. ليست متناقضة كما تبدو للوهلة الأولى. ونقد التنوير و«العقل الأدواتي» بدأه بصورة جنينيّة بعض كتّاب «الرابطة القلميّة» في أميركا بعد الحرب العالميّة الأولى، خصوصاً في القصيدة المشتركة بين عدد من أعضائها باسم «من أنت حتى تحكم البشر» (والتي نُشرت للمرّة الأولى في «سبعون» لميخائل نعيمة). وصعوبة اعتناق اليسار لمشروع نقد «العقل الأدائي» تكمن في صلاحيّة تطبيقه على مشروع الماركسيّة السوفياتيّة وعلى مشروع الطغيان الغربي سواء بسواء.
إن الاستعانة بالسلاح النقدي لـ«مدرسة فرانكفورت» لا تعني بالضرورة عدم إخضاع المدرسة نفسها للنقد. فأدورنو وهوركهايمر، خصوصاً أن الثنائي تحوّلا في الستينيات نحو نمط من اليمين، لم يتعاطفا مع اليسار الجديد. لا بل إن هوركهايمر أعلن عداءه للثورة الطلاّبيّة في ألمانيا. كذلك فإن موقف أدورنو وهوركهايمر من دولة الكيان الغاصب كان متعاطفاً جدّاً، على غير موقف ماركوزه.
ماركوزه لم ييأس من الإمكانيّة الثوريّة، لا بل هو نظّر لثورة طبقات غير الطبقة العاملة (هذا ما جعله نبيّاً للثورة الطلاّبيّة في الستينيات). وكان بيري أندرسون محقّاً في نقده لـ«مدرسة فرانكفورت» على أنها حركة محض أكاديميّة غير تغييريّة تعبّر عن خيبة من الطبقة العاملة وعن حالة إحباط، فضلاً عن النخبويّة في الذائقة التي وسمت نقد مفكّري المدرسة للشائع عند العامّة. أما هابرماس فقد وقع في السنوات الأخيرة في تضاد مع فكر ما بعد الحداثة: يؤمن بأنّ «الحضارة الغربيّة» هي حضارة إنسانيّة، ويؤمن على خطى «كانت»، بالوصول إلى النتائج الأخلاقيّة نفسها العابرة للمكان. ولهذا، كان موقفه أكثر من مائع من الغزو الأميركي للعراق: هو مع تصدير قيم الحريّة والديمقراطيّة التي يراها متوافقة مع نظريّته في «العمل التواصلي»، لكنه يرى أن أميركا فرضت في العراق تجربتها التاريخيّة الخاصّة، ما يتعارض مع المشروع الإنساني العابر للقارات، أي إنه لم يرَ أنّ مقاومة الاحتلال الأميركي كانت رفضاً مطلقاً للاحتلال بحد ذاته بل معارضة لفرض الجزئي عليه، لا العالمي (المحض غربي). اليسار الماركسي التقليدي مات: أو هو إما تحوّل إلى يمين رجعي (لليسار السعودي في سوريا ولبنان) أو انتحر بإرادته الذاتيّة (كحال الحزب الشيوعي اللبناني الذي يظهر مظهراً ليبرالياً، عندما لا يغفو). هناك يسار غير مُنظّم في العالم العربي (باستثناء مصر وتونس، رائدتي الانتفاضات العربيّة). لكن إنتاج فكر يساري جديد والاسترشاد بفكر «مدرسة فرانكفورت» يمكن أن ينتجا فكراً يساريّاً ينبذ الماركسيّة السوفياتيّة ويوفّق بين بعض الشعارات المتجدّدة عند أفراد الشباب اليساري المعاصر. لكن القدرة على فعل ذلك تنطلق من رفض قاطع لكل النظم المعرفيّة للرأسماليّة (بات عبد الكريم مروّة يرى أنّ الدولة الرأسماليّة قادرة على حمايتنا منها ـــ أي الرأسماليّة، أو شططها، بالنسبة إليه) ولكل البنى الفوقيّة لها، والمدعومة من دول النفط والغاز الخليجي، والتي تحدّد لنا مذاق الشعر والفن والثقافة والإعلام والرقص والجماليّات. يا للبشاعة.
ملاحظة. أتقدّم من القرّاء بالاعتذار الشديد لأنني في نقدي للدستور المصري اعتمدت، خطأً، على نصّ مشروع الدستور لعام 2012 الذي قُدّم للاستفتاء. أتحمّل وحدي المسؤوليّة عن الخطأ، وأعبّر عن شديد احترامي لذكاء القرّاء والقارئات. ولقد درست مشروع الدستور الجديد لجمهوريّة السيسي ووجدته شديد التأثر بدستور 2012، خصوصاً في الإنشاء الوطني الشوفيني وفي ديانة الدولة وفي المضامين المُفصّلة على مقاس طاغية جديد. والمقيت في الدستور الجديد المحاولة الديماغوجيّة لاستمالة قطاعات متنافرة من الناس: هناك إشادة بجمال عبد الناصر تليها إشادة بأنور السادات (في الديباجة) وكأن مشروعَيْ الرجليْن كانا متطابقين، وليسا متناقضيْن.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)