في 30 يونيو الماضي توسّعت الاحتجاجات المصرية كثيراً، وانخرطت فيها طبقات اجتماعية جديدة لم يسبق لها أن جرّبت الانتفاض من قبل، وهذا ما جعل من الموجة الحالية فعلاً معقّداً يصعب تفسيره كيفما كان. ولذلك كفّت الثورة عند البعض (وبينهم ثوريون كثر) عن كونها كذلك، وتحوّلت إلى ثورة مضادة بمعيّة الجيش والبيروقراطية الحكومية. وهذا تحليل مناسب في الحالات الثورية التقليدية، ولكنه هنا يصبح عائقاً أمام فهم التحوّلات الطبقية التي طرأت على المجتمع المصري خلال ثلاث سنوات من الاحتجاج. النكوص عن الثورة بهذا المعنى لا يعود نكوصاً وإنّما انتقال بها من ضفّة إلى أخرى، وقد لا تكون الضفّة الحالية أفضل من سابقتها، إلا أنها تكتسب بحكم الواقع وتحوّلاته طابعاً حتمياً، وهو ما يقرّبها أكثر من فكرة الصيرورة.

«الأمر ذاته» مع فروق نوعية يحدث الآن في أوكرانيا، فالمجتمع هناك يمرّ حالياً بمرحلة انتقالية شبيهة بالمرحلة التي يمرّ بها المصريون، كما يفتقد «بالقدر ذاته» إلى «الاستقرار السياسي والاقتصادي» الذي نعم به البلدان في مرحلة من المراحل. وكذلك نجم عدم الاستقرار في مصر عن تناقضات اجتماعية وطبقية كذلك هي الحال في أوكرانيا، مع الانتباه إلى الفارق الجوهري بين الحوامل الاجتماعية لهذه التناقضات. ففي مصر نهضت الثورة في موجتها التي أطاحت مبارك على قاعدة اجتماعية يقع الفقراء والمهمّشون في صلبها، فيما حدث العكس تقريباً في أوكرانيا، إذ لم يكن للفقراء والمهمّشين دور يذكر في «الثورة» التي أسقطت الحكم الموالي لموسكو قبل تسع سنوات من الآن. ويتأكّد هذا الأمر حالياً مع عودة الفئات الاجتماعية التي همّشها حكم فيكتور يانوكوفيتش إلى الواجهة مطالبة بالمزيد من التوجّه غرباً. فبينما يتصاعد في أوروبا دور النقابات العمّالية والتنظيمات المهنيّة الممتعضة من وصاية الترويكا الأوروبية (المفوضية الأوروبية، المصرف المركزي الأوروبي، صندوق النقد الدولي) على الدول الأقلّ ثراء في القارة (اليونان، اسبانيا، البرتغال... إلخ) لا نجد الأمر ذاته يحدث في أوكرانيا، بل إنّ ما يحدث هو العكس تماماً، إذ إنّ الاحتجاجات تذهب في مجملها باتجاه الضّغط على حكومة يانوكوفيتش للتوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وبأقصى سرعة ممكنة. ويترافق ذلك مع انحسار واضح لدور النقابات في الاحتجاجات على عكس ما يحدث في معظم دول المنطقة والعالم، الأمر الذي يؤكّد أنّها احتجاجات ضدّ التهميش السياسي فحسب، وخصوصا أنّ الحدود بين اليمين واليسار في أوكرانيا غير واضحة بما فيه الكفاية.
بالأساس لم تقم الثورات الملوّنة في أوروبا الشرقية إلّا في مواجهة التهميش أعلاه، وبمساعدة واضحة من الغرب الذي ينظر بعين الريبة إلى ما ينشأ في أوكرانيا وبعض أقاليم جورجيا السابقة (أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا) من حواضن اجتماعية للنفوذ الروسي. للروس إذاً كما لأيّ دولة تمارس وصاية من نوع معيّن حصّة أساسية من المواجهة، فمثلما ترعى أوروبا بالوكالة عن أميركا المعارضة ورموزها (قبل أيام زارت فيكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون أوروبا وأوراسيا المحتجّين في ميدان الاستقلال ووزّعت عليهم الخبز!) كذلك تفعل روسيا مع حلفائها هناك وعلى رأسهم الرئيس الحالي فيكتور يانوكوفيتش. في المقابل ثمّة صحّة للقول إنّ الاحتجاجات هي فعل اعتراض قبل أن تكون أيّ شيء آخر، وبالتالي يجب التعامل معها بجدّية مهما كان منشؤها لأنّ تجاهلها أو التقليل من شأنها سيفضي إلى تآكل شرعية السلطة التي تواجهها بالقمع والقمع وحده. وهذا حاصل اليوم في أوكرانيا على مستويات متعدّدة، أهمّها تراجع هيبة الحكم وتزايد قدرة المحتجّين على التحكّم بمجريات الأمور داخل الميدان (آخر ما فعلوه هو إجهاضهم اقتحام الأمن للميدان صبيحة الأربعاء الماضي وإعادة وضع المتاريس التي حاول نزعها).
بالنسبة إلى روسيا الميدان لا يعني شيئاً، وهذا تقدير خاطئ يضاف إلى جملة السياسات التي تعجز عن التفريق بين الكتل الجماهيرية والرموز السياسية المتعاملة مع الغرب والمنفّذة لسياساته. وأكبر دليل على هذا الخلط هو استطاعتهم عبر حلفائهم تحجيم نفوذ يوليا تيموشينكو رمز «الثورة» البرتقالية، والزجّ بها في السجن من دون حدوث اعتراض جدّي على الأمر من جانب جمهورها، ما خلا بعض التظاهرات المطالبة بإطلاق سراحها في بدايات مرحلة التوقيف والاعتقال. كذلك فإن تصريحات بوتين الأخيرة عن زعزعة الجكومة الشرعية في أوكرانيا تؤكّد أنه لم يفهم بعد الفارق بين الأمرين، فضلاً عن إيحائها بأنّ الروس لا يتعاملون مع الاحتجاجات على ضوء المستجدّات الحاصلة في العالم.
إذ إنّ الكتلة التي تتظاهر وتسيطر على ميدان الاستقلال وبعض المباني الحكومية في العاصمة كييف لا تتحرّك كما يفعل السياسيون التقليديون ومنهم تيموشينكو، بل مثلما يحصل في التجارب التي «كفّت يد السياسيين»، وأحالتهم على الهامش، ومنها مصر على سبيل المثال. فهناك ثمّة قوى احتجاجية منتمية إلى اليسار «كما إلى اليمين» تقود المرحلة وتضع العناوين التي سيتعيّن في ضوئها أخذ الموقف من السلطة والمسار الانتقالي، وهي ربّما تكون صغيرة العدد بالمعنى الحرفي وغير قادرة على الحشد كما تفعل تاريخياً التيارات المهيمنة على الحقل السياسي، إلّا أنها مؤثّرة جداً على المستوى الرمزي وقادرة في أيّ لحظة على قلب المسار، ونقله من ضفّة إلى أخرى.
على هذا الأساس مثلاً بنت القوى المعارضة لمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية حيثيّتها، ومضت في مسارها المستقلّ رغم معارضة شرائح عريضة من المجتمع المصري لما تقوم به، وحين أقرّت حكومة الببلاوي قانون التظاهر لم تتردّد أيضاً في الوقوف ضدّه، رغم أنّها «خسرت» كثيراً من كوادرها ورموزها جرّاء هذا الصدام (اعتقال علاء عبد الفتاح وأحمد دوما وأحمد ماهر و... إلخ). هي بهذا المعنى قوى طليعيّة وقادرة على التأثير في شرائح واسعة من المجتمع، إمّا إيجاباً أو سلباً، وهذا بالضبط ما يحدث الآن في أوكرانيا، وإن على نحو أقلّ جذرية بكثير. مثلاً الروس يعرفون أنّ «الثورة» البرتقالية لن تعود بالهيئة ذاتها، وإنّما بأشكال أخرى قد لا تكون بعيدة عن الاحتجاجات العربية التي احتلّت الميادين والساحات، ومع ذلك تصرّفوا بغباء شديد وبعنجهية أشدّ، وأوعزوا إلى حلفائهم في كييف بالمزيد من تهميش المعارضة، متناسين أنّ التهميش الذي وقع لهم وساهم في إعادتهم إلى السلطة، سيقع على غيرهم لاحقاً، وهكذا دواليك، إلى أن يصبح لهذه الاحتجاجات عنوان آخر غير التهميش السياسي والصراع على السلطة.
لكن أيضاً، وفي خلفية ما يحدث يوجد عامل اقتصادي يساعد على تصعيد الاحتجاجات الحالية، وقد أتت سلطة يانوكوفيتش على ذكره في معرض حديثها عن التجاذبات الحاصلة مع «الاتحاد الأوروبي». لا يتعلّق الأمر فحسب بالمحادثات المعلّقة مع أوروبا حول موضوع الشراكة، وإنّما أيضاً بالبنية الصناعية التي ورثتها أوكرانيا من الاتحاد السوفياتي السابق، وقد غدت الآن مهدّدة بالتآكل كنتاج مباشر لفتح الأسواق الجورجية أمام البضاعة الأوروبية وعدم قدرة منتجاتها هي على المنافسة في السوق الأوروبية.
لا شكّ في أنّ لروسيا دوراً أيضاً في «إغراق الأسواق الجورجية بمنتجاتها»، فضلاً عن التحكّم بقرارها السياسي عن طريق تصدير الغاز إليها من عدمه، إلا أنّها وككلّ الرأسماليات الناشئة تعجز عن فرض شروط اقتصادية مماثلة لتلك التي تفرضها الرأسماليات الغربية على الدول الطرفية الراغبة في «الشراكة» معها. وهذا موضوع لصراع طويل وممتدّ منذ فترة، ولكنه في دول أوروبا الشرقية سابقاً لا يحظى بكثير من الاهتمام، وإذا حصل واهتمّت دولة ما (رومانيا، بلغاريا،... إلخ) بالأمر فلن يكون اهتمامها في صلب الموضوع الذي يتفاعل في أوروبا منذ فترة ويرمي بعشرات الألوف من العمّال والموظّفين العموميين خارج دورة الإنتاج، بل على تخومه. بمعنى أنّ النقاش الاقتصادي إذا حصل لن يمسّ بالشروط التي تفرضها أوروبا على الراغبين بالالتحاق بها من قريب أو بعيد، وهذا عائد إلى عدم معايشة مواطني هذه الدول أو شرائح معيّنة منهم للتحوّلات الحاصلة في الرأسمالية الأوروبية، وهي كبيرة بالمناسبة إلى درجة أنّها أصبحت عبئاً على «المواطن الأوروبي» نفسه.
كما قلت، المشكلة قديمة، وموروثة من أيّام الصراع الذي قيل لنا إنّه قام يوماً بين الرأسماليتين الغربية والسوفياتية، ولذلك تبدو مناقشته مختلفة هنا، وخارج أيّ سياق ممكن لفهم العلاقة بين دول المركز الرأسمالي والأطراف. لنقل أنّ «التراكم الرأسمالي الطرفي» الذي تحقّق لأوكرانيا في عهد الاتحاد السوفياتي السابق ووفّر لها بنية صناعية معقولة و«قادرة على المنافسة» في محيطها المباشر أصبح عبئاً على الطبقة السياسية هناك بشقّيها الحاكم والمعارض، وقد أتت فرصة «الشراكة مع أوروبا» لتتيح لهم الظرف المناسب للتخلّص من هذا العبء.
ومن يتابع النقاشات الدائرة في أروقة الحكم هناك يكتشف أنّ «السلطة الموالية لموسكو» لا ترفض اتفاقية الشراكة، ولا تعتبرها عائقاً أمام «التطوّر الاقتصادي» لأوكرانيا كما يظنّ البعض، بقدر ما تخاف من قاعدتها الاجتماعية المعتمدة بالأساس على نمط إنتاج يوفرّ للفقراء والطبقة الوسطى ضمانات أساسيّة للعيش. نمط سيصبح بعد توقيع الاتفاقية أثراً بعد عين، وسيسمح بتطوّر قوى اجتماعية على حساب أخرى، وهذا جيّد ربما، لأنّ الصراع حينها سيصبح بالفعل صراعاً بين طبقات اجتماعية، لا بين أجنحة سلطوية «تنتمي إلى الطبقة ذاتها». لننتظر إذاً سقوط السلطة الحالية أو توقيعها بالتشاور مع المعارضة (وقد بدأت الجولة الأولى من التفاوض بالفعل) على اتفاقية الشراكة مع أوروبا، إذ إنّ الأمرين سيّان، وحصولهما بسرعة مناسب جدّاً للمتضرّرين من التوقيع، وهؤلاء كثر بالمناسبة ولا يقلّون أبداً عن محتجّي ساحة الاستقلال. جدلية يناير ويونيو في مصر تقول ذلك، وكذا «القاعدة الصراعية» التي تقضي بأن يكون لكلّ مرحلة أبطالها ومحتجّوها.
* كاتب سوري