كيف ينظر الشباب السوري إلى الأزمة الراهنة؟ ما هي الأدوات المعرفية التي تمكِّنهم من المشاركة في رسم ملامح المستقبل الذي يعتريه التناقض والغموض؟ كيف يتعاملون مع أزماتهم، وكيف يفكرون في قضاياهم الشخصية. إضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة تؤرقهم. في النص التالي جانب من حوار دار بين شابين مسكونين بهاجس الإبداع الذي يشكل من وجهة نظرهما مدخلاً إلى التأثير في الحقل الاجتماعي العام.

يستشهد أحدهما بقول للشاعر أبو العلاء المعري: «هذا ما جناه علي أبي وما جنيت على أحد». وينظر إلى مستقبله الشخصي، من خلال ذلك، ومن منظور اللحظة الراهنة التي يرى بأنها كارثية. لذلك فهو يرى أن فكرة الزواج وإنجاب أطفال ستكون إعادة لمأساته التي يمر بها حالياً. ولن يغفر لنفسه نقل معاناته أو بعضاً منها إلى الآخرين. ويرى أن من الصواب الاشتغال على قضايا عامة، مستنداً في ذلك إلى تجارب علماء وفلاسفة وسياسيين وأدباء كان لهم آثار واضحة في تاريخنا. ويرى أن حياته فيما لو قرر الزواج ستكون عرضة لكثير من التداعيات السلبية نتيجة الأوضاع الراهنة، التي ما زالت منفتحة على المجهول من التحولات. لذلك فإنه يرفض الفكرة من أساسها.

كيف
ينظر الشباب السوري
إلى الأزمة الراهنة؟

أمّا الشاب الآخر فإنه يرى أن الاحتمالات التي يبني صديقه عليها خياراته المستقبلية، تشكّل مصادرة للتاريخ. وإن السعادة موجودة في ثنايا الشقاء، والحياة ليس لها معنى إيجابي من دون الصعوبات التي نمُّر بها. إضافة إلى كونها تقوم على احتمالات متعددة ومتنوعة، وهو يرفض الاحتمالات أحادية الجانب. وبالنسبة له فإن التطور الاجتماعي يحتمل التنوع، حتى في ظل الأزمة التي يبدو أن مخارجها ما زالت مستعصية. وهو يخالف من يقول إنّ المستقبل مكتوب علينا ومُقدَّر. إضافة إلى ذلك فإنه يرفض حتمية المطابقة بين المستقبل واللحظة الراهنة. مع أنه يؤكد أن المستقبل سيحمل بعضاً من تجليات الحاضر. رغم ذلك فإنه يرى أن المشاركة في بناء المجتمع لا تتعارض مع بناء الأسرة، وإن عزوف البعض عن الزواج لن يكون له تأثير في سياق التطور الكلي والعام، لكنه سينعكس بأشكال مختلفة على المستويات الشخصية الخاصة. ويشدد على أن حياة والديه وأصدقاء كثيرين، لم تخلُ من التضحية، وفيها كثير من القضايا التي تستحق التضحية، وأنهم في أشد اللحظات تأزماً كانوا يحاولون زرع الأمل والابتسامة.
يعكس ما أوردناه جانباً من معاناة الشباب، تحديداً الفئات التي ترى أنها تحمل مسؤولية المشاركة في بناء المستقبل، التساؤلات المحورية بالنسبة إلى هؤلاء تتمحور حول آفاق المستقبل وأشكال تطوره والإشكاليات التي تعترض سياق التطور، ودرجة انفتاحه واحتمالات التنوع. وعن مدى موضوعية التفكير في بناء المستقبل بالاستناد إلى معطيات اللحظة الراهنة فقط.
يحمل الإنسان في سياق تطوره على الدوام الأحلام والأفكار والهواجس والآمال، وأيضاً المآسي والإخفاقات. والتاريخ الإنساني لأي من المجتمعات لا يتوقف على نظرة الفرد وموقفه الشخصي. مع العلم أن دور الفرد في التاريخ لا يمكن تجاهله، تحديداً في حال امتلاكه المؤهلات اللازمة، ووضوح الرؤية، والمنهجية العلمية. والشباب السوري عموماً لا تنقصهم أي من تلك العوامل. ما يعني أنهم يمتلكون الفاعلية والقدرة على التأثير في محيطهم الاجتماعي الخاص منه والعام، إضافة إلى كونهم يحملون جانباً كبيراً من ملامح المستقبل. لكن المآسي والصعوبات التي نمُّر بها تلقي بظلالها وتداعياتها على آليات تفكيرهم وتساهم في إغلاق آفاقهم المستقبلية. ويتضح ذلك نتيجة الاطلاع على آراء شريحة واسعة من الشباب الذين يرون المستقبل بعيون الحاضر المأزوم إضافة إلى كونهم ينمطون تفكيرهم وآليات اشتغالهم العقلية استناداً إلى اللحظة الراهنة. وهذا يدل على أن تلك الآليات من التفكير، ستكون حاملة لأسباب أزمتها. إضافة إلى ذلك، فإن شرائح اجتماعية واسعة، لم تعد ترى إمكانية نشوء أي من التحولات الإيجابية. لكن التاريخ وسياق وأشكال وحتى أنماط تطوره وتحولاته كان على الدوام مفتوحاً على احتمالات متعددة ومتنوعة، وأحياناً متناقضة. وهذا يؤكد عدم القدرة على تحديد مسارات وآفاق تطوره وتحولاته بشكل دقيق لكنه يدل على أهمية وضرورة النظر إلى المستقبل بعقل مفتوح. وأن نطرح الأسئلة التي تمكننا من تحديد آفاق التطور، وكيفية المشاركة في بناء المستقبل وألا نصادر التطور، أو نتصور مستقبلنا الخاص والعام انطلاقاً من اللحظة الراهنة فقط. ويجب أن نعترف بأن التباين والتنوع وحتى التناقض في أشكال التفكير، ينطوي على إمكانية التفاعل الحامل للتطور العقلي والمعرفي والاجتماعي والسياسي.
* كاتب وباحث سوري