منذ فترة أقرّ رئيس مجلس النواب نبيه بري بالعجز عن المناورة والفعل والحلحلة. بري الذي كان حاول استبدال «السين ــ سين» (أي الدعوة إلى التفاهم بين القيادة السورية والقيادة السعودية) بـ«السين ــ ألف» (أي التفاهم بين قيادتي السعودية وإيران) قد وصل، أيضاً، إلى الطريق المسدود. مجرد الحوار بين القيادتين الإيرانية والسعودية متعذر. الصراع يصبح أكثر ضراوة. لم يخفف من ذلك الاتفاق الأولي بشأن الملف النووي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة ومعها الدول الخمس الكبرى. يجب القول إنّ مشروع الاتفاق هذا قد أثار غضباً وحنقاً سعوديين إلى درجة مدهشة.


ليس من سبب يدعو إلى الاعتقاد حتى الآن بأنّ إيران ستبدل من سياساتها والتزاماتها حيال الصراع في سوريا. وليس من أدنى بارقة أمل في أن يجنح السعوديون نحو التراجع عن مواقفهم، خصوصاً أنّ عزل إيران ما زال أولوية لديهم لأسباب سياسية واقتصادية... إلخ.
في المقابل، عرف الوضع اللبناني مزيداً من الانقسام الداخلي والاستقطاب الخارجي، في تفاعل مرشح للتصاعد، ومعه، بالتأكيد، تدهور الوضع اللبناني من سيِّئ الى
أسوأ.
بكلام آخر، لا يمتلك الأطراف اللبنانيون، المقررون في اللعبة السياسية الداخلية، ما يكفي من هامش استقلالية عن الخارج، يسمح باتخاذ الحد الأدنى الضروري من إجراءات تحصين أو «تحييد» الوضع اللبناني عن الصراعات الخارجية.
أدى هذان، أي الانقسام الداخلي والاستقطاب الخارجي، إلى مزيد من انكشاف الوضع اللبناني وتدهوره: سياسياً واقتصادياً وأمنياً... يتقاذف الآن طرفا الصراع المسؤولية عن ذلك. ليس لهذا التقاذف علاقة بالبحث عن الحلول. إنه جزء من الصراع والاستقطاب. وهو، بذلك، يؤدي دوراً أساسياً في تعقيد المشهد وفي تأزيم الوضع.
من جهة ثانية، لا يؤدي هذا التأزم الى إضعاف النظام السياسي الذي يحرص طرفا الازمة على استمراره. لا نسمع ولن نسمع قريباً، من هذين كلاماً متسائلاً حول الخلل القائم في النظام السياسي. على العكس من ذلك، فالتمسك بالصيغة الطائفية وبالمحاصصة الناظمة لها، هو خارج كل بحث، وإن كان يجري، أحياناً، التطرق إلى تعديل الحصص: وفق موازين القوى، أو لحسابات فئوية، أو تحقيقاً لمكاسب سياسية من هنا أو
هناك.
بكلام أكثر تبسيطاً: لا يؤدي فشل النظام السياسي الى بداية التخلي عنه جزئياً أو كلياً. إنه يؤدي، على العكس من ذلك، الى استمرار التمسك بهذا النظام والى ترسيخ التطرف الطائفي والمذهبي. قد يقال هنا إن أحد الاسباب الرئيسية إنما يكمن في غياب القوى الديموقراطية واليسارية، وفي عجزها عن المبادرة والضغط والفعل وتقديم البديل. هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً أنه في مجرى التطور الملموس للصراعات والنزاعات في الوضع اللبناني، قد تبلور سياق خاص تحوّلت الطائفية معه الى أداة مفضلة للتعبئة والاستقطاب، بحيث اختزلت واستوعبت في حركيتها بقايا الاقطاع القديم والنواة الاساسية من البورجوازية التابعة. هذا الى ذاكرة كان يجري تغذيتها باستمرار لتحويل الانتماء الديني، ومن ثمّ المذهبي، إلى هوية سياسية و«حضارية» وكيانية شبه
متكاملة.
لم يحصل ذلك بالطبع، بعيداً عن مشاريع خارجية في المنطقة عموماً وفي لبنان خصوصاً.
والمشاريع هذه تتجدد اليوم مشجعة ومعوِّلة على تفتيت متواصل لما كان قد جرت قسمته سابقاً، طلباً لإضعاف كل التطلعات الوطنية والقومية، وسعياً وراء المحافظة على السيطرة الاستعمارية أو حتى تعميقها إلى أمد غير محدود.
في مجرى ذلك نشأ نوع مشوّه من الوعي لدى أوساط شعبية بالغة الاتساع. وها هو يتفاقم الآن، ببروز وتوسع دور التيارات المتشددة والمتطرفة والتكفيرية، التي تغذّت أيضاً من مناخات الفقر والتبعية والقمع والاستبداد... يحيل هذا الأمر أيضاً على مسألة الأقليات وما تعرضت له من عزل وتهميش وإنكار الحقوق المعنوية والمادية.
لقد ارتاحت القوى الاساسية في البورجوازية التابعة والملتبسة لنشوء هذا النوع من الاستقطاب. وقد ثابرت عليه وأدخلته في صلب نظامها السياسي ــ الاقتصادي ــ الاجتماعي.
بديهي أن لا علاقة للتمسك بالنظام، بالتدين وبالتقوى وبالعمل بأحكام الدين. إنه استخدام مغرض ومغامر ومفرِّط على نحو يزداد افتضاحاً كل يوم بل كل ساعة. في هذه الأيام، وفي أكثر من بلد عربي، تبتعد شرائح اجتماعية وشبابية واسعة عن التدين بسبب سوء استخدامه من قبل مدّعي الحرص عليه. حصل ذلك في مصر وفي تونس على نطاق واسع. ويقدّم المتطرفون الآن صورة منفِّرة عن دور الدين في المجتمع وتسيير أموره السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إنهم يستفزون حقوق المواطن وحرياته، وخصوصاً منها تلك التي كانت الأديان سبّاقة في إضفاء القداسة والنعمة الإلهية على حق المخلوقات في التمتع بها. ولقد كان سياق التاريخ يقضي بتطور هذه الحقوق والحريات باستمرار، انسجاماً مع ما نادت به الاديان، لا الارتداد على ذلك نحو ظلامية يبقى جزء منها، على الاقل، مشبوهاً مهما حسنت النيات.
لقد تمكنت الطائفية والمذهبية من النفوس، لكنها أيضاً، وقبل ذلك أحياناً، قد تمكنت من النصوص! بل هي تمكنت من النفوس، بفضل ما تم فرضه في النصوص وفي المواثيق المكتوبة وغير المكتوبة من أحكام تكرس التميز وتعزز الصراع وتشجع على الانقسام والفئوية.
النظام اللبناني هو أحد أسوأ الأمثلة في هذا المضمار. ولقد بلغ من إعجاب المستعمرين الجدد بتجربته أن عملوا على تصديرها ونقلها إلى دول خضعت بالاحتلال لسيطرتهم. العراق هو أحد الأمثلة الفاقعة على ذلك!
ليست الطائفية ميزة وقدراً كما يصورها مستفيدون. يجب ملاحظة أن أوساطاً متزايدة من المتضررين، بما في ذلك من البورجوازية نفسها، قد بدأت تبحث عن بدائل. نرصد ذلك في المواقف والعلاقات، وكذلك في تبلور تيارات حداثية جديدة، كما نرصد ذلك في الهجرة وحتى التفتيش عن أوطان أخرى للعيش والاستثمار والاستقرار.
ولا علاقة لذلك، أي للتفتيش عن معالجة المرض اللبناني الراهن، بالصراعات الكبرى: إلا إذا كان يتعذر ولوج باب هذه الصراعات من غير المداخل الطائفية؟!
هل يدفع الخطر التكفيري المعنيين إلى التكفير؟
هل تنهض صحوة وطنية جامعة في مواجهة الموجة المذهبية القاتلة؟
* كاتب وسياسي لبناني