بتحديد عقد مؤتمر «جنيف 2» في 22 كانون الثاني المقبل من دون شروط، ومن دون دعوة الجماعات الإرهابية المسلحة، سقطت كل الشروط المسبقة التي كانت تضعها الدول المنخرطة في الحرب على سوريا، ولم يعد أمام ما يسمى الائتلاف السوري سوى الرضوخ والتراجع عن وضع العراقيل لحضور المؤتمر.

وبدا واضحاً أن مؤتمر جنيف اثنين قد تلقى دفعاً قوياً لانعقاده وإنضاج الأطراف الموالية للغرب لحضوره، بعد الاتفاق النووي الإيراني، الذي سلم فيه الغرب بحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي، ما عكس التحول في ميزان القوى الدولي والإقليمي الناتج من فشل أهداف الحرب الغربية الاستعمارية في إسقاط الدولة الوطنية السورية، وفي محاصرة إيران وعزلها، عربياً ودولياً، والعجز عن إخضاعها، وبالتالي انهيار أحلام أميركا في تعويم مشروع هيمنتها الأحادي في المنطقة والعالم.
ويبدو من الواضح أن مؤتمر جنيف اثنين ما كان ليتحدد موعد انعقاده، من دون شروط مسبقة، لولا الانجازات الميدانية المتتالية التي حققها الجيش العربي السوري في مواجهة الجماعات الإرهابية المسلحة، وتمكنه من تحرير الكثير من المدن والبلدات والمناطق الحيوية الاستراتيجية في أرياف دمشق وحمص وحلب، وإسقاطه كل مراهنات القوى المتآمرة على سوريا على إحداث تغيير في ميزان القوى الميداني لفرض شروطها لعقد المؤتمر.
ولأن من فشل في الميدان لا يستطيع أن يفرض شروطه السياسية، فإن مؤتمر جنيف اثنين، في حال عقد، سيكون أمام استحقاق اتخاذ الموقف السياسي والعملي المتمثل في رفع الغطاء عن الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تقف عقبة أمام الحل السياسي المستند إلى الحوار الوطني السوري ــ السوري وعلى قاعدة الاحتكام إلى قرار الشعب العربي السوري، من خلال الانتخابات، في اختيار رئيسه وممثليه في البرلمان، وبالتالي في الحكومة.
وعليه، فإنه لا يمكن الانتقال إلى ترجمة الحل السياسي إلى صيغ عملية، ما لم تتم الموافقة من جميع الأطراف المشاركة في المؤتمر على دعم الدولة الوطنية السورية وجيشها في حربها للقضاء على الجماعات الإرهابية التكفيرية، وإقدام الدول المجاورة لسوريا على اتخاذ الإجراءات العملية التي توقف تهريب السلاح والإرهابيين من أراضيها إلى سوريا، وإغلاق كل المعسكرات التي يجري فيها تدريب هؤلاء الإرهابيين الذين لا يشكلون خطراً على سوريا وشعبها وحسب، بل أيضاً على جميع دول العالم، وفي مقدمها الدول التي سهلت دخولهم إلى سوريا ومكنتهم من امتلاك عناصر القوة، عبر توفير المال والسلاح
لهم.
انطلاقاً من ذلك، يبدو أن ضمان نجاح مؤتمر جنيف اثنين في التوصل الى الحل السياسي، وتحقيق الأمن والاستقرار والانتقال إلى ورشة الإصلاح الوطني، وإعادة بناء سوريا على أسس تعيد تعزيز وحدتها الوطنية وتخلصها من آثار الحرب الإرهابية التكفيرية، باتت رهناً بتحقيق الآتي:
أولاً: استكمال الجيش العربي السوري تطهير ما تبقى من أراضي خاضعة لسيطرة الإرهابيين، والقضاء عليهم.
ثانياً: توافر قرار دولي واضح وحازم في دعم جهود سوريا في محاربتها لقوى الإرهاب والتطرف.
ثالثاً: حسم قوى المعارضة السورية خيارها الوطني عبر رفض الاستقواء بالخارج للوصول إلى السلطة، والاحتكام إلى قرار الشعب الذي وحده تستمد منه الشرعية الوطنية الحقيقية لأي حكم.
فالمراهنات على التدخل الخارجي فشلت، والدول الغربية، التي استخدمت قوى المعارضة الخارجية والجماعات الارهابية لتحقيق غاياتها الاستعمارية، باتت اليوم مستعدة للتخلي عن مواصلة حربها ضد سوريا، بعد أن وصلت إلى طريق مسدود في ذلك. وهي لن تتوانى عن التخلي عمّن دعمتهم لخدمة سياساتها العدوانية ضد سوريا، انطلاقاً من مصالحها التي وحدها تحرك سياساتها، وما الاتفاق النووي الإيراني وإقدام واشنطن على رفع الغطاء عن الإخوان المسلمين في مصر، إلا دليل جديد ــ قديم على مثل هذه السياسة البراغماتية التي يتبعها الغرب.
هذا التوجه الاميركي كان واضحاً وجلياً في تعليق مسؤول أمني أميركي على الخطة التي عرضها الامير بندر بن سلطان لإسقاط النظام في سوريا، خلال اجتماع عقد في كان، حيث قال المسؤول الاميركي: «إن أموراً مهمة مستجدة حصلت في المنطقة لا يمكن تجاهلها، بل ترغمنا على إعادة النظر في حساباتنا وفي سياساتنا».
وأضاف ناصحاً بندر: «أطالبكم بالمزيد من التأنّي واستخلاص العبر (ممّا يجري في سوريا)... فالاستقرار الهش الآن في الخليج يمكن أن ينفجر في أي لحظة. علينا أن نكون يقظين لنخرج من هذه الأزمة بأقل الخسائر».
على أن الفضل في إيصال الدول الغربية إلى هذه النتيجة وإجبارها على التراجع عن مواصلة حربها والتسليم بفشلها، وبالمعادلات الناتجة من ذلك، إنما يعود الى صمود سوريا، قيادة وجيشاً وشعباً، وثباتها على مواقفها الوطنية والقومية المقاومة، والذي عزز منه دعم حلفائها في محور المقاومة، والموقفان الروسي والصيني.
* كاتب لبناني