لن أفوّت فرصتي في المشاركة في مسيرة يوم الغد، للتضامن مع النساء. سأحتل وأخواتي الشارع لنخرج عن الصمت المتراكم على أجسادنا منذ آلاف السنين.

لن أفوّت فرصتي في أن يخترق صوتي مع صوتكن حدود السماء ومقدساتها، ويعلو فوق أصوات المعارك الأخرى التي أسكتتنا وفرّقتنا ووضعتنا في آخر أولوياتها.
لن أفوّت فرصتي في التضامن معكن. وهل من معنى للتضامن سوى أنّني كامرأة أحمل في عروقي تاريخ النساء المغتصب والمغيبّ، أشعر به كلما شعرت بنفسي، وكلما نظرت الى وجه أمي. إن ضوضاءنا العالية هي في حد ذاتها فعل سياسي بامتياز. ليس هناك حاجز بين الشخصي والسياسي في حياة النساء. فكيف لنا أن نفصلهما ونحن لا نملك أن ننفصل عن أجسادنا؟ أوليس الاغتصاب تصريحاً يجاهر بامتلاكه لأجسادنا؟ وكيف لنا أن نحظى بلحظة سلام بينما تقبع معظمنا سجينات في بيوت زوجية وأسرية لا تتيح لنا الاختلاء بأنفسنا، بل علينا، وحتى مماتنا أن نتشارك فراشنا ومساحتنا «الخاصة» مع مغتصبنا؟ وإن تجرأنا ورفضنا السائد وخرجنا الى الشارع والى العمل، يتربص بنا التحرش والاغتصاب، اللذان تشرعهما الأفكار التي، من ناحية تجهد لتسلبني قراري الحر في امتلاك جسدي والتصرف به، ومن ناحية أخرى تعرضه بالمزاد العلني في الكازينوهات والإعلانات وشاشات التلفزة.
الاغتصاب لا يطاول فقط المرأة التي أجبرها رجل على الفعل الجنسي، وقام بانتهاك جسدها. نصرخ ونتضامن لأنّ الاغتصاب ممارسة اجتماعية، سياسية، وثقافية تطاول جميع النساء دون استثناء، عندما يحظر عليهن امتلاك أجسادهن. فهم يريدون أن يصادروا أجسادنا ليبنوا قيمهم وأعرافهم وتقاليدهم وشرفهم على أنقاض فروجنا.
ألم نتربّ جميعاً على عديم «تدنيس» جسدنا، فقمتم بمصادرته لتحمونا منه؟ لكنّكم عدتم وأبحتم الاغتصاب، لأنّكم بكل بساطة تعتبرون أنّكم تملكون جسدي. ليس هناك من امرأة غير مغتصبة. فنحن غريبات عن أجسادنا، وأنتم وحدكم اغتصبتم جسدي عندما حرّمتم وحلّلتم وشرّعتم قوانينكم وأعرافكم. ولكم أنتم وحدكم أن «تحرروا» جسدي عندما تحوّلونه الى أداة جنسية فقط لإرضاء غرائزكم التي تُلبسونها أثواب التقدمية والتحرر الاجتماعي حيناً، وعندما تجيرونها أداةً للربح الذي تسقط أمامه كل المقدسات. وتقولون لي إنّ جسدي هو شأن خاص بعدما أمّمتموه وعمّمتموه، فها أنا اليوم لا أملك مكاناً خاصاً...
ليس أمامنا سوى أن نتضامن معاً، بصرف النظر عن أي فروق أخرى، لأنّ نضالنا كنساء يختلف عن أي نضال آخر، إذ إنّ القمع والاستغلال والتسلط تلاحقنا الى أكثر الأماكن خصوصية: الى بيوتنا، الى غرف نومنا والى المرحاض أيضاً! فمن منا لم تشعر يوماً ما بالاشمئزاز من دورتها الشهرية؟ ومن منا لم تشعر ولو للحظة بالعار حين قررت أن تمتلك جسدها لهنيهة من الزمن؟ لأنّ ما نحمله بين فخذينا يحدد مسار حياتنا، في الحيّز العام والخاص.
قد يقول البعض إنّنا لن نلتقي، وإنّ الفوارق الطبقية والاجتماعية والثقافية والسياسية تفصلنا، لكنّي أعرف أنّنا نلتقي الى حد التماهي والانصهار، وإن اختلفت درجات القمع وأوجهها في أسرنا، وعلى اختلاف مساراتنا. فنحن نتشارك ونتقاطع بالضرورة عندما يرعبنا مجرد احتمال الاغتصاب، ونتشارك التفاتة الرعب الدائمة التي ترافقنا في كل مساء، خوفًا من مغتصب يترصد الشوارع، فنتنفس الصعداء لأنّه لم يكن إلا متحرشاً... ونحن نتماهى لأنّنا نعلم جميعنا أنّه في أحوال كهذه تتلاشى وسائل الدفاع، لا لأننا ضعيفات بل لأننا حُرمنا امتلاكها. فالرجل نفسه الذي يخاف على «شرفنا» سلبنا كل وسيلة دفاعية، وزوّد المغتصب بكافة وسائل الانقضاض، لا بل أعطاه الشرعية والحق من خلال القوانين التي تمنحه جائزة امتلاكنا الى الأبد، ومن خلال إنعامه بشوارع مظلمة وأعراف بالية. فتعششت رائحة المغتصب وفعلته في أعماق أنفسنا وأجسادنا وحملناها معنا الى غرفنا، الى أماكن عملنا، الى كل مكان، ولبسناها حتى أمست جسدنا وصمتنا. وأنا أعلم أيضاً أنّنا وإن لم نلتق في تلك الشوارع الضيقة لأنّهم أرادوا حمايتنا من خلال حجز حريتنا في منازلهم، فنحن سنلتقي حتماً في السكوت عن حقوقنا، في كره أجسادنا، في حراسة بوابات جلادينا، وفي الالتزام بحدودنا لعلّنا نكبح حلماً صغيراً كالتأمل في وجه القمر ليلاً، أو احتساء القهوة على أحد الأرصفة.
أقول للواتي سيحتللن الشارع يوم غد، إنّ ضجيجكن موسيقى لأذناي وحتى لو كنا، كما يقولون، مقصوصات الجناح، فأنتن أثبتّنّ أنّ لنا القدرة على أن نربي أجنحة صغيرة ستكبر يوماً بعد يوم، وسنحلق كالفراشات متنقلات بين مكان ومكان... وسنزهر. وحتى لو حاولوا اقتلاع أوراقنا، فلن يستطيعوا أن يمنعوا الربيع من القدوم، ما دام رحيقنا يملأ الساحات والأرصفة. ولن يحجبوا ثمارنا من خلال أسرنا في منازل الطاعة، أو تهديد أماننا في الشوارع لأنّنا اليوم تعلمنا أن جدار الصمت متى انكسر فإنّه لن يترمم...

* ناشطة في «صوت النسوة»