تكثر الدراسات التي تقوم بتحليل انعكاس الطائفية على النظام السياسي في لبنان وتأثيرها في عمل المؤسسات الدستورية وتقاسم السلطة بين الأحزاب المختلفة. وقد تتم مقاربة الموضوع أيضاً لجهة تداعيات نظم الأحوال الشخصية التي تقولب حياة اللبنانيين في أطر طائفية مسبقة ومدى انعكاس ذلك على النظام الحقوقي القائم.
ولا شك في أن هذه الدراسات المتعددة مهمة وقيّمة جداً لكنها تبقى ضمن نطاق محدود كونها تنطلق من قاعدة تحليلية كلية تنظر الى الطائفية من الخارج فتحلّل سلوك الجماعات أو الأحزاب كوحدات مغلقة مكتفية بذاتها بينما الأهم أو ما يجدر وضعه تحت مجهر التدقيق هو كيف تساهم الطائفية في تشويه الإنسان من حيث ماهيته الفلسفية. وقد يرتدي هذا التشويه أشكالاً مختلفة يصعب تعدادها هنا لذلك وجب علينا حصر موضوعنا في نقطة مركزية ألا وهي دور الطائفية في نزع الطبيعة السياسية عن الانسان من خلال اغلاق الحيز العام أمامه. وكي نبيّن هذا الأمر علينا شرح ما هو المقصود بالطبيعة السياسية أولاً وبالحيز العام ثانياً.
يقول أرسطو في كتاب "السياسة" إن الانسان حيوان سياسي ومن ثم يشرح هذه النقطة بطريقة فذة، فيؤكد أن الانسان الذي يعيش منعزلاً بشكل مطلق هو إما إله أو حيوان. فالكائن الذي يكتفي بذاته ولا يحتاج في معاشه الى الآخر هو إما بلغ من الكمال درجة الألوهية التي تخوله الانفراد في الوجود وإما انحط في وجوده هذا الى درك البهم الوحشية التي يتيسر لها العيش في القفار. ولما كانت طبيعة الانسان ناقصة لكنها قابلة لبلوغ كمالات أعلى فهي تدفعه للاجتماع مع بني جنسه كي يجد في الاجتماع ما يعوّض ضعف طبيعته الأصلي. لذلك قال أرسطو إن الانسان حيوان سياسي أي أن وجوده مع الاخر في المدينة هو شرط كي يرتقي في وجوده فيرتفع عن الحيوانية بشكل دائم ومستمر من دون قدرته على بلوغ الكمال.
جراء ما تقدم يتبيّن لنا أن الشيء السياسي لا يمكن له أن يوجد إلا في إطار مجتمع أي هذا المكان الذي يتفاعل فيه الفرد مع الآخر. فالسياسة كما تقول المفكرة الالمانية حنة أرندت توجد بين البشر وليس في البشر أي انها هذا الحيز العام الذي بدخوله يخرج الانسان من وحدانيته الداخلية إلى المجال المشترك حيث الصراع حول المبادئ الاساسية التي تهم الانسان بما هو انسان. فالحيز العام بعكس الحيز الخاص الذي يتكون من ذات الانسان أو من المنزل العائلي هو المكان الوحيد الذي تمارس فيه السياسة أي هذا النشاط الذي يهدف إلى الخير العام. فالحيز العام هو مكان الأفعال النبيلة التي يتمكن الانسان خلالها من تحقيق ذاته. والخزي أو العار الذي يلحق الانسان في الحيز العام هو أسوأ ما قد يصيبه ككائن سياسي.
بالتالي كان التعارض بين الحيزين العام والخاص تعارض في ماهية الانسان. فالحيز الخاص ليس فقط الذات أو العائلة بل هو فلسفياً المكان حيث ينتفي فيه وجود الآخر وتباعاً يغيب فيه العمل السياسي. لذلك انحصر هدف الحيز الخاص بتأمين ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وتناسل وهي أمور مهمة حتماً لكنها لا تحقق انسانية الفرد من حيث ماهيته السياسية التي تنزع دائماً لتحقيق الخير الأقصى والعام. لذلك انحصر دور العبيد في الحقب التاريخية القديمة في العمل المنزلي وتم منعهم من ولوج الحيز العام حيث الأفعال النبيلة التي تشترط لاتمامها الحرية والمساواة.

الأمة هي الفضاء العام وما الدولة سوى مجموعة
الأطر
الشكلية

من هنا يصبح السؤال حول تأثير الطائفية في الحيز العام أكثر من مشروع بل حتمي ولا مفر منه. فالانتماء الطائفي هو أساساً من معطيات الحيز الخاص بينما الطائفية هي تمدّد الانتماء الطائفي من الخاص إلى الحيز العام واحتلال هذا الأخير. لكن الحيّز الخاص قائم أساساً على الهرمية بحيث يخضع أفراد الأسرة الى سلطة الأب وحيث لا وجود لآخر كي تدخل في نقاش معه حول الشيء السياسي لذلك تنعدم الأفعال النبيلة والعظيمة في الحيز الخاص.
وأكثر ما يتجسّد الحيز العام في المساحات العامة حيث يحتك فيها الانسان مع الاخرين ويدخل في تماس معهم حول القضايا الكبرى. فالمساحة العامة كالساحات والحدائق ووسائل النقل المشترك والشوارع هي هذا المشترك الذي تحدث فيه السياسة في المدينة. لذلك لم يكن من المستغرب أنّ تتحول بيروت إلى مدينة يغيب فيها الحيز العام ويضمر رويداً رويداً حتى الزوال. فلا قطار للأنفاق ولا سكك حديد ولا حدائق عامة وإن وجدت فهي مغلقة. وقد وصل الأمر في نهاية المطاف إلى إغلاق محيط مجلس النواب ووسط بيروت الذي فقد وظيفته الاجتماعية كنقطة يلتقي فيها اللبنانيون.
فالفضاء العام يحرر الفرد من انتمائه الموروث ويسمح له أن يصنع هويته بنفسه، وهو أيضاً المكان الذي يكرس المساواة بين الجميع لأنه يتيح لهم الانعتاق من ضروريات الحيز الخاص الذي يهدف فقط لتحقيق الخير الجزئي والمتبدل لإنسان ما أو عائلة معينة بينما الحيز العام يهدف الى تحقيق الخير الأسمى. وهكذا نفهم السلوك الطائفي الذي يحصر النقاش السياسي ضمن العائلة أو الجماعة لأن الانتقال بهذا النقاش إلى الحيز العام هو خطر يتهدد الطائفة عبر افشاء أسرارها وضرب وحدتها العضوية كجسم متراص. فالطائفة هي حيز خاص جمعي تهدف لتأمين ضروريات الحياة (الاحساس بالأمان، الزواج، العمل...) وتخضع لسلطة الأب المطلقة التي تتجسد في الزعيم أكان رجل دين أو مدني.
وخير الطائفة ليس خير الوطن رغم أنه خير أعلى مرتبة من خير الفرد وحده مع هذا الفارق المهم انه خير يفتقر للحرية. فشرط الحيز العام هو الحرية لأنه عبارة عن المشترك مع الآخر. فكما تحررت أنا من الخاص كي أصبح أهلاً للعمل السياسي وتحقيق الأفعال النبيلة كذلك فعل الآخر وبالتالي أصبحت المساواة نتيجة طبيعية لدخولنا الحيز العام بينما الطائفة لا تنطلق من خيار الانسان الحر كونها تأسره في حيزه الخاص فيصبح سعيه لتحقيق خير الطائفة إلزاماً يفتقر لحرية المبادرة.
ولا يقتصر الأمر على انعدام الحرية بل أيضاً على ضرب المساواة كون كل طائفة تملك حيزها الخاص وهكذا يصبح الآخر ليس الإنسان الذي تجرد كي يدخل الحيز العام بل الفرد الذي ينتمي الى حيز طائفي خاص مغاير والذي يختلف جوهرياً عني. وهنا نصل الى نقطة تحول فلسفي في معنى السياسة التي بدل أن تكون المجال الذي تتأمن فيه الحرية والمساواة للقيام بالاعمال النبيلة إلى السياسة التي شرحها المفكر الألماني الكبير كارل شميت بوصفها المعيار الذي يحدد العدو من الصديق. السياسة هنا هي وليدة التنافر والصراع الذي عندما يبلغ درجة معينة يؤدي إلى ولادة حالة قطبية حادة تصبح هي السياسة.
ان تحليل تداعيات الطائفية على سلوك الانسان النفسي ومدى تأثيرها على ماهيته يحتاج إلى دراسة فلسفية معمقة تظهر مدى تشويه الطائفية لكل شيء نبيل في الانسان. فالخوف الذي يسود بين اللبنانيين والقلق الدائم على مصيرهم وعجزهم من احتلال المساحات العامة هي أعراض تشي بتحلل الحيز العام وزوال المشترك بين المواطنين ما يطرح مسألة ديمومة الأمة. فالأمة هي الفضاء العام الأرحب وما الدولة سوى مجموعة الأطر الشكلية التي تسمح بتنظيم السياسة لذلك كان لا بد من تحرير المواطن من استبداد الحيز الخاص الطائفي كي يتمكن من تحقيق ماهيته بما هو انسان.
* باحث لبناني