لا أحد من أطراف العملية السياسية في العراق يريد أو يتجرأ على وضع يده على جوهر المشكلة، الكل يلف ويدور لينتهي إلى حيث بدأ، حتى لكأنما هنالك أمر غير مكتوب توافق الجميع على عدم الخوض فيه، ربما لأنّه يهدد الأسس التي بُنيت عليها هذه العملية، والتي أريد لها أن تمتد حتى بعد خروج المحتل.

ينتقل الفاعلون في العملية تلك من هذا الموقف إلى الموقف المضاد. يقفون في هذه الضفة تارة، وفي الضفة الأخرى تارة أخرى. لو أحصيت أقوالهم لوجدت أنّ كلامهم يناقض بعضه بعضاً، لكنّهم لا يريدون، ولا يفكرون حتى مجرد التفكير بملامسة العلة، والخروج من المأزق مرّة واحدة وإلى الأبد.
بعد تسع سنوات ثمة أمر ما تغيّر، البعض لا يريد معرفة أنّ ما تغيّر ليس فقط خروج الجيش الأميركي من العراق، سيان إن كان في جنح الظلام أو على مرأى ومسمع من إعلام الدنيا كلّها، فثمة إرهاصات لتحوّل ليس على مستوى الإقليم، وإنما تحوّل يتصف من دونما مبالغة بالصفة الكونية لا يُعرف مداه، وليس من الميسور حالياً تحديد تأثيراته. تحوّل لسنا وحدنا فقط من عمل عليه، أو نقل حجارته، وإنما عملت عليه قوى عديدة، صعد بعضها الآن إلى مرتبة الحسم عالمياً، فيما بدأ البعض الذي كان مستكيناً إلى إعلان التمرد، بعدما كان يرفع صوت الاحتجاج الخافت.
معطيات القرن العشرين شيء، ومعطيات القرن الحادي والعشرين شيء آخر، وما كان ممكناً في ما مضى لم يعد ممكناً الآن، وما سقوط الوجوه المُتحجرة المُتتالي في منطقتنا وسواها، سوى التمهيد للمواجهة الأهم والأخطر، والتي ستدشن عالما آخر جديداً لا بمقاسات غورباتشوف) ولا ريغان، وإنما وإلى حد بعيد بمقاسات شعوب كوكبنا وتطلعاتها. والصراع الجاري الآن، مهما تلوّن بألوان تبدو فاقعة وشديدة الوضوح والتنافر، فإنّها لا تعدو في حقيقتها وجوهرها من أن تكون صراعاً بين المحافظة على سمات القرن العشرين، أو عدم الخروج عن معطياته، ومتطلبات شعوب الأرض، لا أوروبا وأميركا فقط، في أن تكتب ولأول مرّة التأريخ الإنساني للإنسان.
بادئ ذي بدء لا بد من توصيف هذا الخروج، هل هو نهاية الاحتلال وبداية الاستقلال، أم هو مجرد انسحاب لقوات بضعة كيلومترات خارج الحدود؟
تتوقف كثير من الأمور على الإجابة عن هذا السؤال. فهي ستُحدد المهمات والأهداف اللاحقة لما بعد الانسحاب: هل ستكون تكريس السيادة، أم التصرف وفق منطق التبعية، الذي يوجب الرجوع إلى السيد أو ولي الأمر الأميركي في كل صغيرة وكبيرة، أو الاستقواء به، وهو ما فعلته وتفعلة القائمة العراقية حالياً، في تناقض سافر ومُثير للدهشة مع كل ما قالته ودعت إليه؟ ولا يخفى على المتابع أنّ موقف العراقية المُعلن حالياً لا تستفرد به وحدها، إذ تشاركها فيه عناصر واسعة في التحالف الوطني، والتحالف الكردستاني. وهذه العناصر التي رفضت حتى تسمية الاحتلال احتلالاً زاعمة بإصرار أنّه تحرير، ستحاول خلق وإذكاء الاختلافات بشتى أنواعها، وبالأخص الطائفية منها.
هل سيتصرف المسؤولون بعقلية السيّد المتحرر من الاحتلال والتبعية، أم بعقلية التابع غير المُصدق بأنّ الاحتلال قد رحل؟
الذين كانوا إلى أمد قريب لا يريدون خروج المحتل، بذرائع منها عدم جاهزية القوات العراقية لحفظ الأمن والدفاع عن البلد، سيحاولون بشتى الوسائل استحضار المحتل لأي سبب، لكي يكون وسيطاً أو حكماً. وهم بذلك يتخذون الموقف الأشد وضوحاً في عدم الإيمان بزوال الاحتلال، أو عدم الرغبة في هذا الزوال، لأسباب لا تخرج عن حدود النظرة الطائفية الضيقة، التي تخشى هيمنة الأغلبية على الأقلية. علماً أنّ مفهوم الأغلبية والأقلية لا يستقيم في حالة العراق، فلا السنة أقلية، ولا الشيعة أغلبية، وإنما هم شيء واحد، يصبحان خندقين فقط عند الطائفي، الذي يتناسى أنّهم عراقيون، وعرب، ومسلمون، ويركز على الطريقة التي يتعبدون بها، وهي قضية شخصية لا تعني أحداً.
التحدي الكبير أمام الوطنيين العراقيين على أعتاب خروج قوات الاحتلال هو التصدي بحزم للنعرات الطائفية، وسحب البساط والذرائع من تحت أقدام الطائفيين من الجانبين، بالتصدي للخطاب الطائفي، وتعريته وكشف أغراضة التي باتت واضحة لأكثرية الشعب، والتأكيد على أنّ لا شخص ولا جماعة يمكن أن يختزلان اية طائفة من طوائف العراق. وبالحد الأدنى فإنّ أي شخص من أية طائفة مهما كان مركزه وموقعه، يمثل شخصة، وأية جماعة تمثل ذاتها ليس إلا.
بتأكيد هذه المسلّمات في العمل والخطاب السياسي العراقي نكون قد نجحنا في دك أهم الركائز التي حاول المحتل تثبيتها في العراق، وبهذا ندق إسفين الهزيمة النهائية للطائفية ولكل ملحقاتها من تقاسم طائفي، أو أية ممارسة طائفية في عراق ما بعد الاحتلال المعافى. وإذ تتسع رقعة المنادين بحكومة الأكثرية، فإنّه ينبغي التأكيد هنا أنّ المقصود بحكومة الأكثرية ليس حكومة الطائفة الأكثر عدداً، وإنما حكومة الأكثرية السياسية التي تضم كل الطوائف والإثنيات على قاعدة البرنامج العراقي الوطني.
خروج قوات الاحتلال ينبغي أن يترافق مع اصطفافات جديدة تدشن مرحلة نهاية تأثير الطائفيين في الحياة السياسية العراقية، إذ حيثما يكون للطائفيين تأثير فإنّه يصبح من المتعذر حتى مجرد التفكير بأي شكل من أشكال الديموقراطية، حتى بإشكالها البدائية.
وهذا الاصطفاف الوطني هو المؤهل لبناء العراق السيد، الحر، المستقل، وهو القادر على وضع خطط البناء والإعمار من خلال النظر للعراق كوحدة متكاملة اقتصادياً واجتماعياً، وليس ككيانات وأقاليم متنافسة تخاف التهميش أو الإقصاء.
قبل أيام أعلن مسؤول أميركي أنّ قوات بلاده المقاتلة خرجت من العراق، لكن وجودهها الاستخباراتي لا يزال هناك! لا أحد يجادل في ذلك، فمثل وجود كهذا حاضر في دول العالم كلّها، ولا يخلو بلد في المعمورة منه. إلا أنّ هذا التصريح يضع القيادات العراقية أمام مسؤوليات كبرى، تتركز في السعي الجاد والحثيث لتقليل هذا الوجود والحد منه، خصوصاً أنّه غير شرعي ويتعارض مع العلاقات السوية أو الطبيعية بين بلدين غير متعاديين، كما هي حال العراق وأميركا حالياً .
الكل يعرف أنّ أميركا هي التي أنشأت ورعت جميع المؤسسات الأمنية العراقية، ليس بدءاً بالاستخبارات العامة التي احتكرت الإشراف عليها حتى إلى ما قبل فترة قريبة، ولا انتهاءً بمستشارية الأمن القومي. إذ أنّ جميع مسؤولي هذه المؤسسات وقادتها عينوا بعقود مع المحتل، وليس هذا بالأمر اليسير والهين، الذي يمكن المرور عليه مرور الكرام.
من المؤكد أنّه لا يمكن الاكتفاء بالحديث عن الاختراقات فقط، وإنما المهم معالجة هذا الخلل الفاضح الذي يرهن أمن البلد بقوى خارجية، ويجعله مكشوفاً لدولة إن حسبها البعض (مُخطئاً) صديقة الآن، فإنّها قد لا تكون كذلك في المستقبل. ومعالجة مثل هذا الملف توجب مغادرة التقاسم الطائفي والإثني والحزبي، واعتماد معايير الوطنية والكفاءة، التي هي وحدها الكفيلة بتحقيق الهدف الذي هو حماية الوطن والمواطنين من دونما تمييز. كما أنّها تساهم وبشكل عملي في إشاعة الشعور بالإمان والاطمئنان لدى المواطنين كافة، وتوجه ضربة مميتة للنعرات الطائفية، وتقضي على إحساس المواطن بالغربة. هذا الإحساس الذي راكمته عقود من تصرف عدائي وهمجي من قبل تلك التشكيلات إزاء المواطن، الذي أبيحت كرامته وامتهنت من قبل المكلفين أساساً بصيانتها وحمايتها.

* كاتب عراقي