رغم أنّ فوز الإسلاميين في الانتخابات الأخيرة التي جرت في مصر وتونس والمغرب كان متوقعاً تماماً، إلا أنّ الأمر بدا مفاجئاً لبعض النخب الليبرالية والعلمانية العربية، فراحت تتحدث عن خيبة الأمل والصدمة، وعن نهاية الربيع العربي على يد حركات الإسلام السياسي التي لا تؤمن بالديموقراطية إلا من باب التقيّة السياسية. هكذا عاد الحديث العلماني/الليبرالي المعتاد عن جهل المجتمعات العربية وعدم نضج خياراتها بعد فترة ــ لم تستمر طويلاً ــ من مغازلة الجماهير في خضم الحالة الثورية.

يشير هذا الهجوم على الإسلاميين والإخوان المسلمين تحديداً، في عدد من وسائل الإعلام العربية، وخاصة الخليجية منها، ومن قِبَل عدد من الكتاب والمثقفين العلمانيين والليبراليين، إلى عدّة أمور مهمة يمكن ملاحظتها في هذا الخطاب الحاد تجاه الإسلاميين الحركيين عموماً. لعل أهم الإشارات تلك هي وجود رفض رسمي وحساسية مفرطة من الإخوان لدى كثير من الأنظمة العربية، خصوصاً أنّ مسؤولين كباراً صرحوا بوضوح ضد الإخوان المسلمين، فسمّاهم وزير الخارجية الإماراتي «إخوان الشياطين»، وتبعه بعد ساعات الرئيس السوري بالعبارة نفسها.
المسألة المهمة في هذا الصدد هي عودة بعض العلمانيين والليبراليين إلى أحضان الأنظمة العربية، بعدما وضعت الثورات العربية جميع النخب على المحك، وقدمت نموذجاً مغايراً لقراءات سابقة حول ركود الجماهير واستحالة التغيير عربياً. حدث أنّ بعض العلمانيين والليبراليين خرج عن صمته وأعلن مواقف مؤيدة للتغيير، لكن كثيرين تمسكوا بفكرة التحالف مع السلطة الاستبدادية خوفاً من وصول الإسلاميين وإمساكهم بمفاصل البلاد، وهم مقتنعون بأنّ تلك الأنظمة، على سوئها، يمكنها أن تحفظ لهم بعضاً من مكاسب الليبرالية الاجتماعية، وإن كانت تلغي الليبرالية السياسية، فيما الخوف من الإسلاميين، يتمثل في إلغائهم الليبرالية الاجتماعية والتحوّل إلى دولة دينية كاملة.
هذا التفضيل لأنظمة استبدادية على حكم الإسلاميين يقود إلى ملاحظة أمر مهم آخر في الخطاب الليبرالي الحاد تجاه الإخوان، وهو غياب الإيمان الحقيقي بمبادئ الديموقراطية عند تلك النخب. فما تعيبه هذه النخب على الإخوان والإسلاميين ينطبق عليها بشكل أساسي. إذ لا تقبل النخب الليبرالية بالخيارات الشعبية وتصفها بعدم النضج وتحيلها إلى حالة الجهل المسيطرة في المجتمع، بما يعني اعتقادها بوجوب اختيار الناس للأحزاب والتيارات الليبرالية شرطاً للقول بوجود حالة ديموقراطية ناضجة في هذا المجتمع أو ذاك. والأسوأ أنّ كثيراً من تلك النخب يفضل «استبداداً مستنيراً» يجهز المجتمع للمسألة الديموقراطية التي توصلهم هم إلى الحكم والقيادة.
هذا الإيمان الانتقائي بالديموقراطية يشوه صورتها، وينبئ بغياب التسليم الكامل بالخيار الشعبي، ما لم يتوافق مع الرغبات والأهواء، مما يجعل تلك النخب معادية للديموقراطية لا للإسلاميين، ويظهرها جاهلة أو رافضة لمبدأ الديموقراطية القائم على تداول السلطة وتحكيم الجماهير في مجمل الخيارات السياسية القائمة والقبول باختيارها في كل الأحوال. والأهم أنّ هذا المنطق لا يقبل بفكرة الديموقراطية كحالة تنافس بين تيارات مختلفة على كسب أصوات الناس دون فرض رؤيات وتصورات مسبقة. فالديموقراطية عملية تراكمية تنضج بالممارسة وتعبر في كل الأحوال عن المزاج الاجتماعي العام، فكرياً وسياسياً، في ظلّ ظروف كلّ مرحلة.
أحد الأمور الهامة الملحوظة في خطاب رفض الإسلاميين هي غياب المشروع البديل لتلك النخب الناقمة على وصولهم. فالأولى أن توجه هذه النخب الليبرالية والعلمانية، على تنوعاتها، السؤال للتيارات والأحزاب التي تمثل فكرها وخطها: لماذا فشلتم ونجح الإسلاميون؟ إنّ جزءاً من هذا الفشل يتعلق بالرهان الخاسر والمستمر فيما يبدو على الأنظمة في مواجهة إرادة الشعوب. وقد اختار الإسلاميون المواجهة مع الأنظمة، فدفعوا ثمناً سياسياً وأمنياً كبيراً، لكنّهم حصدوا احترام الناس وتعاطفهم، فيما جنح الآخرون لكسب ود السلطة والاستجابة للعبتها القائمة على تذكية الصراعات الفئوية وإشغال الناس بها عن قضايا التغيير الأساسية ومواجهة فساد السلطة واستبدادها.
الجزء الآخر من هذا الفشل يتعلق بغياب الرؤية والمشروع والقدرة على الحركة ومخاطبة الجماهير عند كثير من الأحزاب والتيارات الليبرالية والعلمانية العربية، والاكتفاء بالتنظير الفوقي الذي يحمل في مجمله خطاباً متعالياً على الجماهير، لا يراهن عليها بأي حال. وهنا نجح الإسلاميون في الدخول إلى قلوب الجماهير عبر حراك منظم وذكي بعيداً عن النخبوية الفارغة من أدوات الفعل والحركة والتأثير. وكان لخطابهم تأثير واسع استفاد أيضاً من إحباط الناس تاريخياً من المشروع القومي المهزوم وتحول القوميين إلى جلادين لشعوبهم، وارتباط المشروع الليبرالي في بعض أوجهه بالاستعمار وغياب الرؤية الاستقلالية عنه.
الخطاب الليبرالي/العلماني الذي يرثي الربيع العربي لمعاداته الإسلاميين الرابحين في انتخاباته الأولى، لا يدرك معاني الربيع العربي على الإطلاق، فهو يصر على مواصلة الاصطدام بالخيارات الشعبية. وبدلاً من التأكيد على انتصار الربيع العربي للقيم الليبرالية ولفكرة الدولة المدنية لا الدينية التي أوصلت الإسلاميين للحكم، يذهب بعض الليبراليين والعلمانيين بعيداً في عدائهم لخيارات الناس، فيخسرون أكثر.
لا ينفي كل ما سبق أنّ ليبراليين وعلمانيين كثراً ليسوا مع هذا الخطاب الحاد والاستفزازي، ولا ينفي أيضاً حقهم وحق غيرهم في إبداء ملاحظات نقدية على الإسلاميين وفكرهم ومشروعهم، دون أن يتعارض هذا مع التسليم بالخيار الشعبي. ومن حق الجميع أن يطرح تساؤلات حقيقية على الخطاب الإسلامي عموماً، ومدى انسجامه مع تطلعات الناس لدولة حديثة لا يعكر صفو الحريات فيها تشدد ديني أو نزعات طائفية، ويمكنه أن يحقق التنمية المرجوة ويخرج البلدان العربية من حالة الفشل الاقتصادي القائمة.
تتفاوت الأحزاب والتيارات الإسلامية من بلد لآخر، وداخل كل بلد أيضاً، في الرؤية والمشروع والخطاب الفكري والسياسي. ويمكن القول إنّ الخطاب الإسلامي متقدم جداً في تونس والمغرب، ويثير إشكالات كثيرة في مصر وليبيا. وفيما يبدو، يغيّر بعض الإسلاميين (وخاصة السلفيين) مواقفهم ويدخلون المسار الديموقراطي الذي رفضوه سابقاً، لكن مواقفهم السابقة التي لم تُطرح من قبلهم في مراجعة فكرية شاملة وجادة، تثير تساؤلات حول حقيقة إيمانهم بالمسار الديموقراطي. وهم بحاجة إلى توضيح هذه المواقف وتقديم تصور واضح يقطع مع الاستبداد الديني الذي لا يختلف عن الاستبداد العلماني المخلوع. وطالما أنّ هذا الأمر لم يتم، وأنّ كثيراً من قياداتهم يواصل الحديث بصورة «مضحكة» حول دور الدين في النظام الجديد،فإنّ مخاوف الناس منهم تظل مشروعة تماماً.
التحدي الأكبر أمام الإسلاميين هو التحوّل في خطابهم من المعارضة إلى المشروع السياسي للحكم. وهنا ينبغي لهم أن يفهموا أنّ التعاطف معهم كضحايا للأنظمة البائدة انتهى، وأنّهم اليوم يقودون البلدان العربية في حقبة مختلفة، وهم تحت مجهر المراقبة والمحاسبة. كذلك، فإنّ غياب المشروع والرؤية، خاصة في ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والفشل في تحسين الاقتصاد والاضطرار إلى «سياسة الشحاذة» من الدول الأخرى، بما تعنيه من غياب الاستقلالية السياسية، ستؤجج غضب الناس عليهم، ولن تمكنهم استثارة عواطف الجماهير بالشعارات الدينية من تغطية عجزهم عن معالجة أزمات الناس المعيشية.
من حق الإسلاميين أن يحكموا بإرادة شعبية بعد عقود من التهميش، ومن الطبيعي أن يتم التسليم بالإرادة الشعبية وفق مبادئ الديموقراطية، لكن من حق الآخرين أن ينتقدوهم ويحاكموا تجربتهم. وعلى جميع الأحزاب والتيارات فهم طبيعة الربيع العربي وحركة الجماهير الرافضة للاستبداد باسم الدين أو التنوير أو بأي اسم آخر. هذه الجماهير هي التي تمنح المشروعية لكل تيار وحزب، وليس أي طرف آخر.

* كاتب سعودي