يعرف بشار الأسد أكثر من غيره، أنّ سوريا تغيّرت، وأنّ الحراك الشعبي في بلاده، له أسبابه ومبرراته، وأنّ الهجمة الغربية المدججة بالنوايا التركية الخاصة، والحسابات الضيقة لبعض دول الاعتدال العربية، هي دون شك معروفة وتاريخية، وليست جديدة على سوريا. سوريا التي اتخذت طريقاً مغايراً في سياستها الخارجية، وخاصة في ما يتعلق بتحالفاتها ورؤيتها للصراع العربي ــ الإسرائيلي، وتبنت مواقف أزعجت الإدارة الأميركية وسياستها ورؤيتها التي تحاول أن تفرضها في هذه المنطقة. الإدارة نفسها التي كانت تلتقي في بعض المواقف مع دمشق، وكانا يتبادلان الأوراق في ما بينهما في أكثر من مكان، خاصة بعد مشاركة سوريا في التحالف الدولي ضد العراق بعد قيامه باحتلال الكويت، وقد نتج من ذلك تفاهم ترجم سورياً في لبنان، عبر التحكم بالقرار اللبناني والمساهمة بشكل دائم في ضبط التوازنات السياسية في بلد يصعب ضبطه. إذن، الكلام عن استهداف سوريا، الذي تضمنه خطاب الرئيس السوري، لا يشكك به عاقل أو متابع أو محلل، وهو كلام صحيح، بالنظر إلى الضغوطات التي تعرضت لها دمشق، وتزايدت في السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003. ظهر حينها التعارض واضحاً في مواقف الطرفين، وما فاقم تباين الرؤيات التمديد للرئيس إميل لحود في 2004، وإدخال لبنان في لعبة القرارات الدولية، التي تساقطت عليه من كل حدب وصوب، وتتابعت بشكل غير مسبوق بعد استغلال جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما تلاها من انسحاب القوات السورية دراماتيكياً في 2005.

هذا الكلام عن استهداف سوريا كما قلنا صحيح، لكن الصحيح أيضاً، أنّ المطالب الشعبية بإصلاح النظام ومحاربة الفساد وبإحداث تغييرات جوهرية في الحياة السياسية، هي مطالب محقة ومشروعة، وقد اعترف بها الرئيس السوري. لكن هذا الاعتراف يحتاج إلى تطبيقات يومية، تُشعر المواطن بأنّ عملية الإصلاح جدية، ولا تكون بأدوات تقليدية، لم تعد مجدية. يعني ذلك أنّ المطلوب من رأس النظام أن يُحدث تغييراً ملموساً وجريئاً، يقوم على أنقاض الرموز الفاسدة، المستشرية والمتحكمة بمؤسسات الدولة وقراراتها. كما أنّه يعني إحداث ثورة حقوقية في الشارع السوري، تبدأ بحرية الرأي والتعبير والإعلام، وتفتح آفاقاً اقتصادية واجتماعية جديدة، تطمئن شرائح المجتمع المحرومة من العيش الكريم، وتؤسس لمرحلة مختلفة تنهي احتكار السلطة والاقتصاد والإعلام وحتى الأحزاب.
أمام هذه الوقائع، الرئيس السوري مدعوّ إلى إنقاذ سوريا وشعبها، قبل إنقاذ نظامه، وهذا يتطلب نقلة نوعية، تبدأ من إزاحة الحرس القديم، الذي يستبطن القمع والفساد، وتنتهي باستيعاب المعارضة الوطنية وأصحاب الكفاءات، الذين استقطبوا شريحة شعبية واسعة، طالبت بإصلاح النظام، ولم تكن بوارد المطالبة بإسقاطه.
تساعد تلك الخطوات الجريئة أصدقاء سوريا من الدول القريبة والبعيدة، على تقوية موقفها، والتخفيف من حجم الضغوطات التي تتعرض لها، خصوصاً أنّ سوريا دولة مؤثرة في الشرق الأوسط، وتتمتع بوضع خاص، يسمح لها بلعب دور خارج حدودها من جهة، وإحداث ارتدادات خطيرة على وضع جيرانها من جهة أخرى في حال تعرضها للاهتزاز.
ومما لا شك فيه، أنّ الرئيس الأسد يعرف جيداً أنّ الندوب والجراح والآلام التي خلفتها الأزمة في سوريا، لن يكون سهلاً تجاوزها، وأنّ تعميم الحديث حول ارتهان كلّ الحراك الشعبي للخارج، لتنفيذ أجندة خارجية بعباءة تركية أو عربية، هو قول خاطئ، وتسفيه للأمور واستصغار للعقول، وتصغير لضخامة المشكلة، التي مهما تكن نتائجها فإنّها ستغيّر وجه سوريا ودورها دون أدنى ريب. فبقاء الرئيس الأسد على رأس النظام في سوريا، لا يعني أنّ الأمور ستبقى على حالها، وكأنّ شيئاً لم يحصل، وأنّ النظام سيظل قائماً بجميع أشكاله ورموزه وهيكليته ومؤسساته. النظام سيتغيّر، وستسقط أعمدته القديمة على يد الرئيس الأسد نفسه، وستعيد سوريا أولوياتها وتبني استراتيجية جديدة، وستحدد أهدافها بطريقة مختلفة وتحققها بطرق حديثة وبرموز مؤثرة. وسيكون النظام المتجدد، ثورة تصحيحية ثانية، تبقي سوريا موحدة وقوية ومستقرة وفاعلة، وتخرج الشعب السوري من عزلته عن الحياة السياسية، وتمكنه من صناعة دولته الديموقراطية. دولة تتحقق عبر المشاركة السياسية، وعبر إقرار آلية عصرية لتداول السلطة، تتجلى في الانتخابات النيابية والرئاسية، في ظل مناخات هادئة وآمنة، تمكن المواطن من اختيار الأنسب من بين أكثر من مرشح، خاصة عند انتخاب الرئيس.
قسم كبير من الشعب لا يزال يؤيد بشار الأسد، لكنّه بالطبع لا يرغب في استمرار النظام على حاله، وأن يبقى كما هو مهترئاً في أهم مفاصله الرئيسية، المتعلقة بقضايا الناس ومصيرهم ومستقبلهم. خطاب الأسد، كان خطاباً منطقياً، دالاً على حجم الأزمة، وتعقيداتها وتشعباتها وخيوطها والمشاركين فيها. الرؤية السورية ترتكز بعد الخطاب على أمرين، أولهما محاربة الإرهاب، والمقصود به الجماعات المسلحة، التي تستمد قوتها من عناصر منشقة عن الجيش السوري، ومن الأسلحة المهربة من دول مجاورة لسوريا، والممولة من دول لها حساب قديم مع سوريا آن وقت تصفيته. وثانيهما، قيادة عملية الإصلاح وتلبية المطالب الشعبية المحقة.
إذن، الخطاب منطقي، لكن السياسة والمصالح الدولية لا تعترف كثيراً بالمنطق، بل تعتمد على قدرة النظام على الصمود، وعودة الاستقرار ولو تدريجياً إلى سوريا، والإسراع في الخطوات الإصلاحية. ذلك ما يقود إلى تقوية الرئيس الأسد وحلفائه وداعميه، والسماح لتسوية إقليمية تعيد ترتيب الأوضاع في المنطقة، في ضوء التغييرات التي حصلت في بعض الدول العربية، وفي ظلّ بقاء النظام السوري وبعض الأنظمة دون تغيير، وفي ظلّ الانسحاب الأميركي من العراق. تسوية ترضي الطموحات الإيرانية والتركية، وتساعد على تلطيف تراجع السياسة الأميركية في المنطقة، وتخفف من إخفاقاتها الكثيرة، وتعوّم دور بعض الدول العربية التي تطل برأسها في كلّ أزمة، لتحجز لها مقعداً مستحيلاً بين اللاعبين الكبار.
هذه التسوية تمنع تدويل الأزمة السورية وحلولها الشيطانية، وإدخالها في متاهات مجلس الأمن، الذي لا يضيره كثيراً خراب سوريا ودخولها حرباً أهلية تمزق الدولة، على الطريقة اللبنانية أو العراقية، وتغرقها في أزمة داخلية. أزمة يعرف الجميع من أين بدأت، ولكن لن يكون بمقدور أحد أن يعرف خواتيمها.
خطاب الأسد، خطاب منطقي، لكن المنطق وحده لا يُبقي أنظمة الدول.
* باحث لبناني